الدرس في كتاب الحدود 7، ألقاها
يتناول هذا الفصل شروط حد السرقة في الفقه الإسلامي، حيث يشرح الشروط التسعة لوجوب حد السرقة، ومنها أن يكون المال المسروق من حرز مثله. يشرح أيضًا معنى حرز المال وكيفية اختلافه باختلاف الأعراف والعادات.
يتناول هذا الفصل شروط إقامة حد السرقة، ومنها مطالبة المسروق منه بماله، ويشرح حكم الشفاعة في حد السرقة وهبة المسروق للسارق. يبين أيضًا كيفية قطع يد السارق وموضعه عند إقامة الحد.
يناقش هذا الفصل التعزير وهو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، ويشرح أن التعزير مشروع وليس بواجب. يشمل أيضًا أنواع المعاصي التي تستوجب التعزير وتقدير التعزير الذي يرجع إلى اجتهاد الحاكم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا بالدرس الماضي عند ذكر شروط وجوب حد السرقة، وذكرنا من شروط حد السرقة أخذ المال على وجه الخفية، وكذلك أن يكون السارق مكلفًا عاقلًا بالغًا، وأن يكون المسروق مالًا مخترمًا، وأن يكون كذلك السارق مختارًا، وأن يكون الشيء المسروق قد بلغ النصاب، وهو ربع دينار فصاعدًا، أو ما يعادًا من الفضة، وهي ثلاث دراهم. قال سابعًا: أن يكون المال المسروق من حرز مثله. وهو المكان الذي يحفظ فيه المال في العادة، وهو يختلف باختلاف الأموال والبلدان وغير ذلك، ويرجع فيه إلى العرف. فإن سرق من غير حرز، كأن يجد بابًا مفتوحًا أو حرزًا مهتوكًا، فلا قطع عليه. هذا الشرط السابع من شروط حد السرقة، وقطع السارق: أن يكون المال المسروق من حرز مثله. ما معنى من حرز مثله؟ أي أن يؤخذ هذا المال وهو محفوظ في مكانه الذي يحفظ فيه عادة. وهذا يختلف باختلاف الأعراف والعادات، فالمرجع في ذلك في كون هذا المال في حرز أو في غير حرز إلى العرف. فمثلًا في عرف أهل المدن تكون الأغنام في حرزها إذا كانت في الزريبة المعدة لها، لكن هذا يختلف في عرف أهل البدو، فكون الأغنام مثلًا حول الخيمة يعتبر هذا حرزًا لها. وهكذا يسعى لذلك في بقية الأموال، فالذهب مثلًا يحفظ في صندوق، والسيارة مثلًا تكون في حرزها إذا كانت تحت البيت والأبواب محروزة إذا كانت مركبة في موضعها. وهكذا، فإذا أخذ المال من حرز مثله، أخذ المال من الصندوق أو الذهب، أو أخذ الغنم من زريبتها، فهذا يعتبر مالًا مسروقًا من حرز مثله، فتوفر فيه هذا الشرط. طيب ما هو الدليل على اشتراط الحرز؟ الدليل حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود والنسائي، في قول النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن التمر المعلق -يعني في الأشجار- من أصاب بفيه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه" -يعني من أكل منه ولم يأخذ منه شيء ما عليه شيء- قال: "وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةِ" -الغرامة أن يضعف عليه ضعف ما أخذ من قيمة هذا المال أو الطعام- لماذا؟ لأنه ليس له حق أن يأخذ منه شيء وهو في غير الحرز، هو الآن غير محروز، فلهذا كانت العقوبة ضمان المال بضعفه. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينِ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ" -يعني بعد أن يؤخذ هذا التمر في المكان المعد الذي يجفف فيه، أصبح الآن محروزًا، هذا حرزه- فإذا أخذه من هذا الموضع، فقد أخذ التمر من حرزه، فحينئذ توفر فيه شرط القطع. لكن إذا أخذه وهو معلق فلا يقطع، لماذا؟ لأنه غير محروز بعد. لكن يُعاقب بالتضعيف، أنه يدفع ضعف ما أخذ، يدفع ضعف ما أخذ. فإن كان أخذ مثلًا كيلو من التمر يدفع كيلوين، يأتي بكيلوين عقوبة له. فدل هذا الحديث على أنه يُشترط الحرز لإقامة حد السرقة. قال: فإن سرق من غير حرز، كأن يجد بابًا مفتوحًا أو حرزًا مهتوكًا، فلا قطع عليه. دخل محل بابه مفتوح وأخذ شيء من المال الذي فيه، هذا لا يعتبر الآن أخذ من حرز، لأن الباب مفتوح، ما كسره ولم يُحفظ هذا المحل بإغلاق بابه. وهكذا وجد صندوقًا مكسورًا والمال فيه، أو مالًا فوق الطاولة فأخذه، فلا يعتبر أخذه من حرز، فلا قطع عليه. لكن كما سمعنا عليه ماذا؟ عليه العقوبة وضمان هذا المال. قال ثامنًا: أن تنتفي شبهة عن السارق. أن تنتفي شبهة عن السارق، فإن كان له شبهة فيما سرق فلا قطع عليه. فإن الحدود تدرأ بالشبهات، فلا قطع على من سرق من مال أبيه، وكذا من سرق من مال ابنه، لأن نفقة كل منهما تجب في مال الآخر. ولا يقطع الشريك بالسرقة من مال له فيه شرك، وكذا كل من له استحقاق في مال فأخذ منه، فلا قطع عليه، لكن يؤدب ويرد ما أخذ. هذا الشرط الثامن من شروط حد السرقة: أن تنتفي الشبهة عن السارق، لا يكون هناك له شبهة. لماذا؟ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، فإذا وجدت شبهة فإننا حينئذ لا نقيم عليه الحد. فلا قطع على من سرق من مال أبيه، لماذا؟ لشبهة النفقة، هو سيأخذ من مال أبيه لأن أباه ينفق عليه، فهذه شبهة تدرأ عنه الحد. وهكذا العكس إذا أخذ الأب من مال ابنه فإنه كذلك لا يقام عليه الحد لشبهة النفقة، فكل منهما تجب نفقة الآخر، هذه شبهة. وهكذا أيضًا الشريك إذا أخذ من مال له فيه شرك، إثنان شركاء في مال فأخذ أحدهما من هذا المال، فلا يقطع لشبهة الشركة التي بينهما، فهو يقول: أنا لي حق في هذا المال. لكنه لا يحل أن يأخذه من غير إذن من شريكه لو حصل، فإنه لا قطع عليه لهذه الشبهة، كونه شريكًا له في هذا المال. وهكذا أيضًا من له استحقاق، كالوارث مثلًا أخذ من المال الموروث، فهذه شبهة تدرأ عنه الحد، لأنه يقول: أنا وارث ولي حق في هذا المال وأستحقه، فلا تقطع يده لوجود هذه الشبهة. إذا لابد من انتفاء الشبهة عن السارق حتى يقام عليه الحد. وهكذا أيضًا ما يكون بين الزوجين، إذا أخذ الزوجة من مال زوجها، هل تقطع يدها؟ الجواب: لا، لشبهة النفقة، لأنه لا حق له في مال زوجها، وذلك بالقيام بالنفقة عليها. لكن إذا أخذ الزوج من مال زوجته، قال أهل العلم: تقطع يده، لماذا؟ لأنه لا حق له في مالها، إلا إذا طابت نفسها بإعطائه أو لم تطالب بذلك، هذا شيء آخر. لكن لو طالبت فلا حق له أن يأخذ من مال زوجته. قال تاسعًا: أن تثبت السرقة عند الحاكم، إما بشهادة عدلين أو بإقرار السارق. لعموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وأما الإقرار، فلأن الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه بالإضرار بها. هذا شرط التاسع: أن تثبت السرقة عند الحاكم، تثبت عنده بأن فلان هذا سرق، بأن فلان هذا سرق. كيف تثبت؟ إما بشهادة عدلين، يشهد الشاهدان عدلان، والعدل من استقام في دينه واستقام في مرؤته، كان معروفًا بالاستقامة في دينه، فلا هو مرتكب لشيء من المحرمات كبيرة أو مصر على صغيرة، ولا تارك شيء من الواجبات. وهكذا أيضًا مستقيمًا في مرؤته، ما عنده شيء من خوارم المروءة. وكذلك لا بد أن يكون رجلًا، أن يكون رجلين، أن يكون رجلين. أو إقرار السارق، أن يقر السارق بأنه سرق، حينئذ يثبت عند الحاكم هذه السرقة. قال لعموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. ولأن الإقرار على النفس شهادة، يشهد الإنسان على نفسه بما فعل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. فشهادة الإنسان على نفسه هذا هو الإقرار، هذا هو الإقرار. فإذا ثبتت السرقة عند الحاكم بهذه البينة، من شهادة عدلين أو إقرار السارق على نفسه، فحينئذ توفر هذا الشرط لإقامة الحد. قال عاشرًا: أن يطالب المسروق منه بماله. لأن المال يباح بالبدل، والإباحة عند عدم المطالبة تحتمل إباحة صاحبه له أو إذنه بدخول حرزه أو غير ذلك مما يسقط الحد. هذا الشرط العاشر: أن يطالب المسروق منه بماله، يأتي المسروق يقول: أريد مالي، أو فلان هذا سرق مالي، يطالب بماله ويدل عليه قصة حديث صفوان بن أمية، لما سرق السارق رداءه وهو متكئ عليه، أخذ رداءه فأخذ به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، إن هذا أخذ ردائي، والآن طالب بردائه، فرد الله السلام له الرداء وأمر بقطع يد هذا السارق. لماذا؟ لأنه هذا المال قد يبيح الإنسان لغيره بالبدل، يعطيه إياه، أو يأذن له بدخول لحرزه، يعني مثلًا يقول: يا فلان، أنا أعطيك الشاة الفلانية، تعال إلى الزريبة وخذها. فإذا جاء مثلًا ورآه شخص ويدخل زريبة فلان ويأخذ الشاة، سيظن أنه سرقها، وهو في الحقيقة أخذها بإذن من صاحبها. كيف نعرف أنه مأذون له بأخذها أو غير مأذون له؟ أو أنه سرق أو لم يسرق؟ بالمطالبة، إذا جاء صاحبه يطالب بهذه الشاة ويقول: فلان سرقها، أو سرقت شاتي، إذا نعرف أنه أخذها بغير حق. لكن لو لا يأتي يطالب، معنى هذا أنه أذن له بأخذها. فالمطالبة لا بد منها حتى يقام عليه الحد. هذه عشرة شروط في إقامة حد السرقة. قال: مسألة الثالثة: الشفاعة في حد السرقة، وهبة المسروق للسارق. قال: الشفاعة في حد السرقة لا تجوز، الشفاعة في حد السرقة ولا في غيره من الحدود إذا علمه الإمام ووصل الأمر إليه، لقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد لما أراد الشفاعة للمرأة المخزومية التي سرقت: "أتشفع في حد من حدود الله؟". وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الحدود، فيغني ذلك عن الإعادة. فالشفاعة في الحدود لا تجوز، فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة حين أراد أن يشفع في المرأة المخزومية التي سرقت. رضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام خطيبًا في الناس، قال عليه الصلاة والسلام: "إنه لك من كان قبلكم إذا سرق فيهم الضعيف فقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف لم يقيموا عليه الحد، ويموا الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". وقال لأسامة: "أتشفع في حد من حدود الله؟". نعم، والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك لعن من حصل شفاعته دون حد من حدود الله. هذا إذا وصل هذا الحد إلى الإمام، يعني بلغه أن فلان هذا سرق، أو أن فلان هذا زنى، مقامة البينة، وحينئذ لا يجوز لأحد أن يشفع. لكن قبل ذلك لا بأس، قبل ذلك لا بأس، يعني قبل أن يصل الأمر للإمام، سرق فلان من فلان مالًا، ثم شفع، جاء شخص وشفع: يا فلان، لا تبلغ ولي الأمر، وإن شاء الله أنه يتوب ويترك هذا الأمر، فتنازل، لا بأس. لأن الأمر لم يصل إلى الحاكم. أما بعد وصوله للحاكم، وثبتت عنده هذه السرقة أو هذا الحد، فهنا يجب إقامته، ولا يجوز لأحد حينئذ أن يشفع. قال ثانيًا: هبة المسروق للسارق، يجوز هبة الشيء المسروق للسارق، وعفو السارق، أو عفو المسروق منه عنه -يعني عفو المسروق منه عنه أي عن السارق- أو عما أخذ، بإعطائه للسارق، قبل رفع الأمر للحاكم. أما إذا وصل إليه فلا، لحديث صفوان بن أمية في السارق الذي أخذ رداءه من تحت رأسه، فلما رفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بقطعه، قال صفوان: إني أعفو وأتجاوز. وفي رواية قال: يا رسول الله، هو له -يعني أعطاه وهبه هذا الرداء- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "هل ذلك قبل أن تأتيني به؟" -يعني هل كان هذا قبل أن تأتيني به وتخبرني بأمره- معنى أنه له، وهبه له قبل أن يصل الأمر إلى ولي الأمر، لا بأس أن هذا جائز، أن هذا جائز. وحينئذ ليس عليه شيء في حد السرقة. والحديث صحيح، رواه النسائي وأحمد، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. إذن يجوز هبة المسروق للسارق. سُرق إنسان مالًا ذهبًا، فوهبه صاحبه لهذا السارق، قال: خلاص خذه وعفوت عنه، لا بأس، يجوز له ذلك. لكن هل هذا هو الأفضل، أو الأفضل أن يعني يبلغ أمره إلى أولي الأمر؟ هذا يختلف باختلاف حال السارق، إذا كان هذا السارق لا يعرف منه السرقة، وكذلك أيضًا الشر والسوء، لكن زلت يده لحاجة، فتجرأ أن فعل ذلك، فهذا مثل هذا لا بأس أن يعفى عنه ويستر. وأما إن كان شخصًا معروفًا بالشر والسوء والسرقة والتطاول على أموال الناس، فمثل هذا ما ينبغي أن يعفى عنه، بل ينبغي أن يبلغ أمره لولي الأمر حتى يؤدب. قال: المسألة الرابعة: كيفية القطع وموضعه. قال: إذا توافرت الشروط السابق ذكرها -يعني شروط السرقة التي يقام بها الحد- قال: وجب القطع، قطعت يد السارق اليمنى من مفصل الكف. وبعد القطع تحسم يد السارق بكيها بالنار، أو غمسها في زيت مغلي، أو غير ذلك من الوسائل التي توقف نزف الدم وتجعل الجرح يندمل، حتى لا يتعرض المقطوع للتلف والهلاك. إذا توفرت شروط السرقة فتقطع اليد اليمنى، قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. جاء في قراءة لابن مسعود: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم قطع اليد اليمنى، قطع اليد اليمنى. وهذا باتفاق أهل العلم. كيفية القطع: قال: من مفصل الكف، مفصل الكف بين الذراع وبين اليد، تشد هذه اليد، عصب بحبل، وتشد حتى يظهر المفصل، ثم تقطع من المفصل، ثم تحسم بكيها بالنار، أو وضعها في زيت مغلي، أو بغير ذلك من وسائل حديثة التي تسد العروق، بحيث أنه لا يبقى الدم ينزف فيهلك ويموت. ليس المقصود هو موته وإهلاكه، وإنما المقصود هو تأديبه، تقطع اليد التي سرق بها حتى يتأدب فلا يسرق، ولا يتجاوز على أموال الناس. قال: فإن عاد السارق إلى السرقة ثانية، قطعت رجله اليسرى. إذا سرق مرة أخرى تقطع الرجل اليسرى. وهذا قول جمهور أهل العلم، هذا قول جمهور أهل العلم أنها تقطع في المرة الثانية القدم اليسرى. وقال عطاء: تقطع يده اليسرى. قال: تقطع يده اليسرى، واستدل بقول الله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. إذن قال: يد اليمنى واليد اليسرى، الله ما ذكر الأيدي. لكن أجاب أهل العلم أن المراد بالتثنية هنا هو في حق الذكر والأنثى، أن الله قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ -يعني السارق والسارقة سواء، الذي سرق رجل أو سرقت امرأة، فكلاهما تقطع أيديهما-. لكن تقطع القدم اليسرى إذا سرق في المرة الثانية. فإن سرق المرة الثالثة اختلف أهل العلم، منهم من قال: يحبس ولا يقطع شيء بعد ذلك. وهذا قول علي رضي الله عنه، وكذلك الحسن والشعبي والنخعي والزهري. والقول الثاني: أنه إن سرق المرة الثالثة قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق المرة الرابعة قطعت قدمه اليمنى. وهذا القول قوله أبو بكر وعمر، وهو قول مالك والشافعي. وهذا القول هو الصحيح، ويدل عليه ما صح في حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليه برجل، قال: "اقتلوه". قالوا: يا رسول الله، إنه سرق. قال: "اقتلوه". ثم جاء به المرة الثانية، قال: "اقتلوه". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما سرق". قال: "اقتلوه". ثم جاء به الثالثة، ثم جاء به الرابعة، وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اقتلوه، اقتلوه". فلما جاء به المرة الخامسة، قال: "اقتلوه". قال الراوي: فقتلناه، ثم جررناه فألقيناه في بئر. والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله، بمجموع طرقه. هذا الحديث يدل على أنه تقطع أطرافه الأربعة، ثم في الخامسة يقتل. وهذا من باب التعزير، يقتل من باب التعزير، لأنه يعتبر مفسدًا، يعني تقطع اليد اليمنى، ثم الرجل اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم القدم اليمنى، وما زال يسرق، مع أن هذا الرجل ما فيه خير، محب للشر والفساد، فلا خير في إبقائه. وهذا القول هو الأصح، والله أعلم. طيب انتهى هذا الباب فيما يتعلق بالسرقة. قال: الباب السادس: بالتعزير، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف التعزير وحكمه والحكمة منه. أولًا: تعريف التعزير. التعزير لغة: المنع والرد، ويأتي بمعنى النصرة مع التعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَتَوْقِيرًا﴾ -يعني تعزروه: تمنعوه مما تمنعون به منه أنفسكم وأولادكم- قال: فإنه يمنع المعادي من الإيذاء. كما يأتي بمعنى الإهانة، يقال: عزره بمعنى أدبه على ذنب وقع منه، فهو بذلك من الأضداد. والأصل فيه المنع. قال: وصلاحًا التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. مر معنا بعض الحدود، كحد الزنا، وحد شرب الخمر، وحد القذف. طيب إذا ارتكب الإنسان معصية ليس فيها حد، ليس فيها حد، فهذا فيها التعزير، فيكون فيها التعزير. يعني مثلًا الآن في الزنا إذا حصل الزنا وهو محصن، حده ماذا؟ الرجم بالحجارة حتى الموت. إن كان غير محصن، الجلد كم؟ مئة جلدة، وتغريب عام. طيب إذا حصل منه ما هو دون الزنا، يعني لم يحصل الوطء، لكن حصل ما هو من مقدمات الدعارة، ولم يجامع، هذا هل فيه حد في الشرع؟ لا. لكن ماذا فيه؟ فيه التعزير، هذا فيه التعزير. ومثل إذا سرق من غير حرز، هذا فيه تعزير. طيب وقس على ذلك كل معصية ليس لها حد، ففيها التعزير. قال: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، كذلك إن لم يكن فيها كفارة، من عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو طعام ستين مسكينًا، أو نحو ذلك. فحينئذ فيها التعزير، فيها التعزير. قال: التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، من الشارع، من فعل المحرمات وترك الواجبات، إذا رآه الإمام. إذا القول: إذا رآه الإمام، معنى أنه ليس بواجب، إنما هو مشروع، لأن الإمام قد يرى من المصلحة أنه لا يعزر، قد يرى أنه لا يعزر. وإن رأى أنه يعزر، حينئذ لا بأس أن يؤدبه ويضربه بما يحصل به التأديب. إذن الله أصل فيها أنها مشروعة، وهي في فعل المحرمات أو ترك الواجبات، إذا فعل محرمًا ليس فيه حد، فإنه له أن يعزر هذا الفاعل. أو ترك واجبًا فله كذلك أن يعزره. قال: حديث أبي بردة بن نيار رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود". والحديث في الصحيحين. ولأنه صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة. أخرجه الترمذي وأبو داود، وحسنه شيخ الألباني رحمه الله. وكان عمر رضي الله عنه يعزر ويؤدب بالنفي، وحلق الرأس، وغير ذلك. والتعزير راجع إلى الإمام أو نائبه، يفعله إذا رأى المصلحة في فعله، ويتركه إذا قضت المصلحة تركه. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود". واختلف أهل العلم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إلا في حد من حدود الله"، ما المراد بالحد هنا؟ على قولين. منهم من قال: المراد بالحد هنا إلا في حد من حدود -يعني الحدود الشرعية التي جاءت الشريعة بحدها، كحد الزنا، وحد القذف، وحد السرقة، أو غير السرقة، مثلًا أو قلنا إذا سرق مثلًا من غير حرز، نحو ذلك- فله أن يجلد فوق عشر جلدات. فإن كانت هذه المعصية ليست في حد من الحدود الشرعية، فلا يزيد على عشر جلدات، لا يزيد على عشر جلدات. معنى هذا مثلًا: أن رجلًا باشر امرأة بكل أمر من الأمور تقع بين الزوجين إلا الوطء، على هذا القول، فإنه يجلد عشر جلدات فقط، لا يزاد عليها، لأنه ما وقع في الزنا، لأنه ما وقع في الزنا. القول الثاني: "إلا في حد من حدود" -أي في واجب من الواجبات أو محرم من المحرمات- يعني إذا وقع الإنسان في فعل معصية وذنب، أو ترك واجبًا من الواجبات، فهذا له أن يعزر أكثر من عشر جلدات. فتكون مراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إلا في حد من حدود الله" -أي الأوامر والنواهي، الأوامر والنواهي-. وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والإمام ابن حجر وغيرهم من المحققين من أهل العلم. وهذا القول هو الصحيح، وبه قال الإمام مالك والشافعي. وهذا هو الصحيح، أن المراد بالحدود في هذا الحديث الأوامر والنواهي. معنى ذلك: إذا وقع الإنسان في معصية دون يعني لا توجب الحد من حدود الشرعية، فللإمام أن يعزره ويؤدبه بأكثر من عشر جلدات، يضربه عشرين، ثلاثين، أربعين، خمسين، بما هو دون الحد، أقل الحدود. حد القذف ثمانون. وأما حد السرقة فمر معنا أن الراجح أنه من باب التعزير، أن جلده من باب التعزير. فأقل الحدود ثمانون، فيجلده بما هو دون ثمانين، بما يراه الإمام رادعًا وزاجرًا لهذه المعصية وهذا الذنب. هذا القول هو الصحيح. ثم قد يكون التعزير بغير الجلد، قد يكون بالحبس، قد يكون التعزير بالحبس، يحبسه. قد يكون التعزير بحلق رأسه، يحلق رأسه. قد يكون التعزير كذلك بالنفي، ينفيه من وطنه ومن بلده. هذا أيضًا من أنواع التعزير، يرجع هذا الأمر إلى ولي الأمر، ينظر ما هو الأصلح في تأديب هذا المرء فيما وقع فيه من الذنب، فيفعله. وإذا اقتضت المصلحة تركه، تركه. إذا اقتضت المصلحة أن يترك التعزير، تركه، إذا كان بهذا مصلحة يراها، فلا بأس أن يتركه، أن يترك التعزير. قال ثالثًا: الحكمة من مشروعية التعزير. شرع التعزير صيانة للمجتمع من الفوضى والفساد، ودفعًا للظلم، وردعًا وزجرًا للعصاة، وتأديبًا لهم. فالمقصود من التعزير هو التأديب، حتى لا يقع هؤلاء في هذه الذنوب والمعاصي والمحرمات، يفسدون المجتمع. فإذا أدبوا وعزروا، كان هذا صونًا للمجتمع من وجود أمثال هؤلاء من المفسدين، ويكون ذلك مانعًا لهم من الوقوع في أمثال هذه المعاصي والذنوب. المسألة الثانية: أنواع المعاصي التي توجب التعزير. المعاصي التي توجب التعزير نوعان. أولًا: ترك الواجبات مع القدرة على أدائها. هذا قيد مهم، لأن إنسانًا إذا كان عاجزًا عن القيام بهذه الواجبات، إذن ليس عليه شيء. لك إذا كان قادرًا، إذا كان قادرًا، ثم لا يبالي، مثلًا صلاة الجماعة تقام، وصلاة الجماعة وأناس في ضحك ومرح ولعب ولا يبالون، أو لا يستحقون تعزيرًا لولي الأمر أن يعزرهم، مما يرى مناسبًا، يأخذهم يحبسهم، يضربهم، أو غير ذلك من أنواع التعزير. لأن هؤلاء تركوا واجبًا مع القدرة عليه. قال: كقضاء الديون، وأداء الأمانات، وأموال اليتامى. فإن هذه الأمور مثلها يعاقب عليها من ترك أدائها، حتى يؤديها. لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مطل الغني ظلم". والحديث في الصحيحين. وفي رواية: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". وهذا الأمر عند أبي داود والنسائي. ولي الواجد يعني مماطلته، مماطلته بدفع هذا الدين. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني" -يعني الذي عنده سداد الدين، الذي يستطيع أن يسدد الدين، ثم يماطل صاحب الحق، يقول له: غدًا، بعد غد، وهكذا يماطله، هذا ظلم، يستحق أن يعزر، فيرى الأمر أن يمسكه ويضربه، أو يحبسه حتى يؤدي هذا الحق الواجب. وهكذا قس غيرها من الواجبات، كالصلاة مثلًا فات الجماعة، أو بر الوالدين. إنسان ولد عاقل، ووالدين فشكاه إلى ولي الأمر، لو أن يؤدبه بحبس أو بضرب، هذا ترك واجب. قال ثانيًا: فعل المحرمات. قال: كان يختني رجل بامرأة أجنبية، أو يباشرها في غير الفرج، أو يقبلها، أو يمازحها. وكأتيان المرأة المرأة، وما يسمى بالصحابة. ففي هذا وأمثاله التعزير، إذ لم يرد فيه عقوبة محددة، ليس في هذه المعصية عقوبة محددة في الشرع. لأن الزنا لابد من حصول شرط الزنا، أو حصول الوطء. فإذا لم يحصل، لكن حصل شيء من مقدماته، مباشرة وتقبيل وضم، نحو ذلك، فهذا يحتاج إلى التعزير، يولي الأمر يعزره، فيجلده ما يرى من الجلدات، أو يحبسه، وهكذا. إذا كان يمازح المرأة الأجنبية، فله أن يؤدب ويعزر. وهكذا حصول مباشرة المرأة للمرأة، فإنها ليس فيه حد في الشرع، لكن فيه التعزير، تعزر كلاهما. وهكذا قس على ذلك من أمثال هذه المحرمات التي لا حد فيها في الشرع، ففيها التعزير. ومثل أيضًا كما سمعنا: السرقة التي لا قطع فيها، السرقة التي لا قطع فيها، أخذ مال من غير خفية، من نهب أو غصب أو نحو ذلك. هذا فيه التعزير، فيه التعزير. إذا اختل شرط من شروط السرقة مع أخذ المال، ففيه التعزير. قال: المسألة الثالثة: بتقدير التعزير. لم يقدر الشارع حدًا معينًا في عقوبة التعزير، وإنما المرجع في ذلك لاجتهاد الحاكم وتقديره لما يراه مناسبًا للفعل. حتى إن بعض العلماء يرى أن التعزير قد يصل إلى القتل، إذا اقتضت المصلحة، تقتل الجاسوس المسلم، والمفرق لجماعة المسلمين، وغيرهما ممن لا يندفع شرهم إلا بالقتل. إنسان مسلم يعيش بين المسلمين، وهو يتجسس عليهم وينقل أخبارهم للأعداء، مثل هذا إذا رأى الإمام مصلحة في قتله، قتله، ويكون هذا من باب التعزير، هذا من باب التعزير. وهكذا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم قتل السارق في الخامسة كما مر معنا. وهكذا أيضًا شارب الخمر كذلك أجاز النبي قتله في الخامسة. وهذا على الصحيح، كما قاله شيخ الإسلام رحمه الله. وإنما هو من باب التعزير، إذا رأى ولي الأمر المصلحة في ذلك. قال: مسألة الرابعة: أنواع العقوبات التعزيرية. يمكن أن تصنف العقوبات التعزيرية حسب متعلقاتها في النحو التالي. أولًا: ما يتعلق بالأبدان، كالجلد والقتل. يمكن أن يكون التعزير بالجلد، الضرب، أو بالقتل، هذا شيء يتعلق بالبدن. ثانيًا: ما يتعلق بالأموال، كالإتلاف والغرم. كإتلاف الأصنام وتكسيرها، وإتلاف آلات اللهو والطرب، وأوعية الخمر. أنواع يشربون الخمر، يأتي ولي الأمر أو يدفع من يؤدبهم، فيكسرون هذه الأوعية. أو أناس يغنون ويزمرون، فتكسر آلات اللهو، هذا لا بأس، وهو التعزير بالمال بإتلاف هذا المال. وكذا يتلاف الأصنام وتكسيرها، فهذا نوع من أنواع التعزير. قال: ثالثًا: ما هو مركب منهما، كجلد السارق من غير حرز مع إضعاف الغرم عليه. فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم على من سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه الجرين، بالحد وغرمه مرتين. والجرين موضع تجفيف التمر، مر معنا حديث عبد الله بن عمر، الكلام على هذه المسألة. إذا سرق السارق من التمر قبل أن يوضع في الموضع الذي يجفف فيه، فإنه يعاقب بالغرامة بالتضعيف، هذا المال الذي أخذه. وكذلك أيضًا له أن يعاقب بالجلد، يعني يجلد فوق عشر جلدات، ويغرم هذا المال ضعفًا. قال: رابعًا: ما يتعلق بتقييد الإرادة، كالحبس والنفي. يعني يحبس في السجن، أو ينفى إلى بلد آخر حتى يتأدب. خامسًا: ما يتعلق بالمعنويات، كإيلام النفوس بالتوبيخ والزجر. قد يكون التعزير بالتوبيخ: أنت فعلت كذا، وأنت كذا، وأنت تفعل كذا، وأنت من أهل يعني بيت شرف وأهل صلاح وخير، يحصل منك ذلك، فيوبخ. قد يكون هذا مما يحصل به التعزير والتأديب، ونحو ذلك. هذه أنواع من أنواع التعزير، يرجع فعلها إلى المصلحة التي يراها ولي الأمر، فيفعلها. وبهذا نكون انتهينا من هذا الباب. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.