الدرس في كتاب الحدود 5، ألقاها
يتناول تعريف الخمر لغة وشرعا وتحريمه بناءً على الأدلة من القرآن والسنة النبوية. يشير إلى أن الخمر هو كل ما غطى العقل وأسفر عن إسكار على وجه اللذة والطرب.
يشرح الحكمة من تحريم الخمر وهي إضراره بالعقل وإثارة الشحناء بين الناس، ويبين حد شارب الخمر وهو الجلد أربعين جلدة وقد يزيد إلى ثمانين بحسب اجتهاد الإمام.
يتناول شروط إقامة حد الخمر وتحريم المخدرات والاتجار بها لما في ذلك من إزالة للعقل وتغطية له، مستندا إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء.
يُحرم الاتجار بالصور المحرمة ويعتبر كسب المال منها خبيثا، مستندا إلى نهى الإسلام عن مثل هذه الأفعال وتأكيده لتحريمها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- الباب الرابع في حد شارب الخمر، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف الخمر وحكمه وحكمة تحريمه. قال أولا: تعريف الخمر. الخمر لغة: كل ما خامر العقل، أي غطاه من أي مادة كان، كل ما خامر العقل، أي غطى العقل، فهو خمر من أي مادة كان، يعني من عنب أو غيره من الفواكه أو أطعمة، فهو يعتبر خمرا. وأصل الخمر: أصل هذه الكلمة تدل على التغطية، تدل على التغطية، ومنه الخمار، خمار المرأة، سمي خمارا لأنه يغطيها، لأنه يغطيها ويسترها. وهكذا سمي الخمر خمرا لأنه يغطي العقل، يغطي على عقل الإنسان، فيجعله كالمجنون الذي لا عقل له. قال وشرعا: كل ما أسكر، كل ما أسكر ويزاد على وجه اللذة والطرب، على وجه اللذة والطرب، كل ما أسكر على وجه اللذة والطرب، فهو خمر، سواء كان عصيرا، يعني شراب عصير، أو نقيعا من العنب أو غيره، إذا نقع العنب في الماء وترك أياما أكثر من ثلاثة أيام، صار خمرا، أو تمر، إذا نقع كذلك، النبيذ يسكر أكثر من ثلاثة أيام، أو مطبوخا، كطباخة بعض الأشياء التي قد تعفنت فسدت، أو غير مطبوخ، سواء كان مطبوخا أو غير مطبوخ، المهم كل ما أسكر على وجه اللذة والطرب، فهو خمر، سواء كان شرابا أو نقيعا أو مطبوخا أو غير مطبوخ. قال: والسكر هو اختلاط العقل، السكر اختلاط العقل، والمسكر هو الشراب الذي جعل صاحبه سكران، والسكران خلاف الصاحي، الإنسان السكران خلاف الصاحي. والسكر هو الشراب، وهذا على الغالب، الغالب أنه شراب يشرب، الذي جعل صاحبه سكران، يقال له مسكر، والسكر اختلاط العقل. قال: حكمه: حكم الخمر التحريم، وكذا سائر المسكرات، فكل مسكر خمر، يعني كل ما أسكر، فهو خمر، فلا يجوز شرب الخمر، سواء كان قليلا أو كثيرا، سواء كان قليلا أو كثيرا. وما أسكر كثيره، فقليله حرام، ما أسكر كثيره، فقليله حرام، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: ما أسكر منه الفرق، أو الفرق، فملء الكف منه حرام، ما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام. والفرق هو عبارة عن مكتل أو وعاء يسع ستة عشر رطلا، فإذا كان هذا الكثير يسكر، فملء الكف منه حرام، ما يجوز الشرب، ولو قال إنسان: هذا قليل ما يسكر، القليل لكن الكثير يسكر، إذن القليل هذا كذلك حرام، لا يجوز شربه. قال: سواء كان قليلا أو كثيرا، ولا يجوز حتى شربه لأجل الدواء، لو قال إنسان: سأتداوى بالخمر، نقول: لا يجوز، قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الخمر داء وليس الدواء، الخمر داء، فلا يجوز شربها حتى لدواء، لأنها ليست بدواء، بل هي داء. وهكذا أيضا للضرورة، لا يجوز، إذا كان شربها لأجل دفع العطش، قال أهل العلم: لا يجوز، لأن الخمر لا تزيد العطشان إلا عطشا، فلا يجوز شربها لدفع العطش، لأن لا يحصل بها دفع الضرورة، لا يحصل به دفع الضرورة. لكن لو أراد أن يدفع بها غصة وقفاء، يعني نقمة في حلقه، وليس عنده شيء إلا الخمر، فهنا قال العلماء: يجوز، لأن هنا تندفع بها الضرورة، وإن كانت هذه المسألة هي شبه واقعية، يعني شبه عبارة عن شيء قد يكون غير واقع، قد يكون غير واقع، لكن ذكرها أهل العلم وذكرها الفقهاء. قال: وشربه كبير من الكبائر، أي من كبائر الذنوب، لأنه حرم شربها، ولعن فاعل ذلك، ورتب عليها العقوبة، فدل ذلك على أنها كبيرة من كبائر الذنوب. قال: والخمر محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:90]، فالأمر بالاجتناب دليل على التحريم، فاجتنبوه، يعني ابتعدوا عنه، لماذا؟ هل يأمر الشرع بالابتعاد عن شيء مباح، شيء حلال؟ الجواب: لا، إذن هذا دليل على أنها محرمة، هذه الأشياء محرمة وخبيثة، فأمر الشرع باجتنابها، وهي من عمل الشيطان، وهي من عمل الشيطان، فشرب الخمر من عمل الشيطان، لأنه يصد عن ذكر الله، يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولهذا نهى الله جل وعلا، وكان هذا في قبل تحريم الخمر حكما نهائيا في المرحلة الثانية من مراحل التحريم، نهى أن يقرب شارب الخمر الصلاة في حال سكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43]، إذا شرب الإنسان الخمر وسكر، حرم عليه أن يقرب الصلاة، إذا هي تصد عن الصلاة وعن ذكر الله، فهي من عمل الشيطان. وكذلك أيضا: يحصل بها العداوة والبغضاء: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:91]، إذن هي توقع في العداوة وفي البغضاء، والصد عن ذكر الله جل وعلا، ولهذا ربما أن النساء إذا شرب الخمر، يعني يقع في أنواع من الذنوب، أنواع من الذنوب والمعاصي، ربما يشرب الخمر ويسكر، فيزني ويسرق ويقتل، ويقع فيه كثير من كبائر الذنوب، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم سمى الخمر أم الخبائث، سمى الخمر أم الخبائث. قال عليه الصلاة والسلام: «الخمر أم الخبائث، ومن شربها لم يقبل الله منه صلاة أربعين يوما، فإن مات وهي في بطنه، مات ميتة جاهلية» [رواه الطبراني في حديث عبد الله بن عمر، وصححه العلامة الألباني]، الخمر أم الخبائث، سمى النبي صلى الله عليه وسلم أم الخبائث، لأنها تجمع كل شر، تجمع كل شر، ولهذا جاء في الحديث الآخر، حديث ابن عباس عند الحاكم والبيهقي، قال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا الخمر، فإنها مفتاح كل شر» [رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس]، اجتنبوا الخمر، فإنها مفتاح كل شر، فهي مفتاح كل شر، كما سمعنا، ربما لو قيل له: ازني، ما يقول: لا، أو اسرق: لا أبدا، أنا رجل، يعني عفيف عن السرقة وعن الزنا، لكن إذا شرب الخمر وسكر، وزال عقله، تجرأ على فعل هذه الكبائر، فيسرق ويزني ويقتل، ويفعل مفتاح كل شر. قال: فالأمر بالاجتناب دليل على التحريم، ولحديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل شراب أسكر فهو حرام» [متفق عليه]، والحديث في الصحيحين. وقوله عليه الصلاة والسلام: «كل شراب أسكر فهو حرام» [متفق عليه]، هذا على الأغلب، كما قلنا: أن الغالب أن الخمر تشرب، وإلا لو كانت، يعني في طعام، عجنت في طعام، فإن كذلك نفس الحكم، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. قال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» [رواه مسلم]، يعني كل ما أسكر، فهو خمر، وإذا كان خمرا، فهو حرام، لأن كل خمر حرام، والحديث في مسلم. قال: والأحاديث في تحريمها والتنفير منها كثيرة جدا، تبلغ التواتر، وقد أجمعت الأمة على تحريمها، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم الخمر. قال ثالثا: الحكمة في تحريم الخمر. قال: قد أنعم الله عز وجل على الإنسان بنعم كثيرة، منها نعمة العقل التي ميزه بها عن سائر المخلوقات، أي جعل الله عز وجل الإنسان العقل الذي به يتفكر ويعمل، هذا العقل في كثير من مسائل، في معرفة ربه جل وعلا، بعد الدلائل الشرعية، بالاستدلال بالدلائل الكونية، فيعرف الله جل وعلا في ربوبيته وألوهيته، وأكد في معرفة ما ينفعه وما يضره، ومعرفة الخير من الشر والحق من الباطل، وإشياء كثيرة، فالله عز وجل أكرم الإنسان بالعقل، ولهذا ما جعله كالبهائم التي لا تعقل، ولا تدرك ما يضرها مما ينفعها. قال: ولما كانت المسكرات من شأنها أن تفقد الإنسان نعمة العقل، وتثير الشحناء والبغضاء بين المؤمنين، فالخمر والمسكرات تفقد الإنسان عقله، حتى يصير كالمجنون، حتى يصير كالمجنون، ويفعل أفعال المجانين، ربما بعض من يشرب الخمر، لو صور، يعني كانت تصوير فيه ما فيه من التحريم، لكن لو صور على حالته هو سكران، ثم قال له: انظر، انظر هذا أنت، حال سكرك، لربما اقتنع من الخمر وتركها، إذا رأى حالته وهو سكران، كيف يفعل، وكيف يتحرك، وكيف يتكلم، لربما ترك الخمر، لأنه يصير كالمجنون، حاله كحال المجنون. قال: وتثير الشحناء والبغضاء بين المؤمنين، لأنه في حال سكره ما يعقل، ما يخرج من فيه، ربما يسب ويشتم ويلعن ويضارب ويقاتل، لأنه لا عقل له. قال: وتصد عن الصلاة وعن ذكر الله، كما سمعنا، تصد عن ذكر الله، فهي تمنع الإنسان من إقامة الصلاة وفعلها، بل ولا يجوز له أن يحضر الصلاة وهو سكران، لما في ذلك من السبب بسبب السكر، إذن السكر يمنعه ويصد عن ذكر الله وعن إقامة الصلاة. قال: حرمها الشارع، يعني لأجل هذه المفاسد، من زوال العقل، ووقوع الشحناء والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، كما في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:91]. قال: فالخمر خطرها عظيم، وشرها جسيم، فهي مطية الشيطان التي يركبها لإضرار بالمسلمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:91]، وهذه من أواخر الآيات التي نزلت في تحريم الخمر، لأننا قلنا: أن تحريم الخمر مر في ثلاث مراحل، المرحلة الأولى: بيان ما فيه من النفع، وما فيه من الضرر، وهي في قول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:219]، هذا النفع هو نفع الدنيوي في البيع والشراء والتجارة، لكن هذا النفع في مقابل ما فيه من الضرر، فهو قليل، والضرر أكثر، وإثمهما أكبر من نفعهما. ثم المرحلة الثانية: في النهي عن قربان الصلاة حال السكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43]، يعني حتى يكون بعقله، يدرك ما يقول، وما يتكلم به، فكانت تحريم وقت الصلاة، إذا جاء وقت الصلاة، لا يجوز له أن يشرب الخمر، أو يأتي إلى الصلاة وهو سكران، في غير وقت الصلاة، يشرب، ثم جاءت مرحلة ثالثة، وهي القطع بتحريمه مطلقا، وعدم شربه في أي وقت، وهي هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:91]، فانتهى من كان يشربها من أهل الإيمان والتقوى من الصحابة رضوان الله عليهم، حين نزلت هذه الآية، فامتنعوا عن شربها، وصبوا الخمر في سكك المدينة، كما في حديث أنس، حتى صارت سكك المدينة كالسيول من كثرة ما صب من الخمور، فصارت الخمر محرمة تحريما أبديا. المسألة الثانية: حد شارب الخمر، وشروطه، وبما يثبت. قال: حد شارب الخمر: الجلد، ومقداره أربعون جلدة، ويجوز أن يبلغ ثمانين جلدة، وذلك راجع لاجتهاد الإمام، يفعل الزيادة عند الحاجة إلى ذلك، إذا أدمن الناس الخمر، ولم يرتدعوا بالأربعين، لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قصة الوليد بن عقبة، جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي، والحديث في مسلم، يعني حين شرب الوليد بن عقبة الخمر، فقال علي رضي الله عنه: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، أي شارب الخمر، وأبو بكر كذلك أربعين، وعمر زاد أربعين، فجلد ثمانين جلدة، وكل سنة، أي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل أبي بكر، اقتداء من النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل عمر رضي الله عنه من سنة الخلفاء، هذه الأربعين من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والثمانين من سنة الخلفاء، وهي تابعة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وكل سنة، وهذا أحب إلي، يعني الأربعين لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولحديث أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين، وفي حديث أبي هريرة: جاء بشارب بالخمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجلدوه» [رواه البخاري ومسلم]، قال: فمن الضارب بيده، ومن الضارب بنعله، ومن الضارب بخفه أو ثوبه، ولهذا اختلف أهل العلم في حد شارب الخمر: هل هو حد كغيره من الحدود، أم أنه من باب التعزير؟ فذهب جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الأربعة، إلى أنه حد، إلى أنه حد من الحدود، وأنه يجلد أربعين، وإذا احتيج للزيادة من باب الردع، إذا لم يرتدع الناس بالأربعين، وأكثروا من شرب الخمر، فيجلدون ثمانين. قال ثانيا: شروط إقامة حد الخمر: يشترط لإقامة الحد على السكران شروط، وهي: أولا: أن يكون مسلما، فلا حد على الكافر، أن يكون شارب هذا الخمر مسلما، لماذا؟ لأن المسلم يعتقد تحريمه، بخلاف الكافر، فهو يعتقد حله، فلا يحد حتى لو كان ذميا، يعني لو كان ذميا تحت حكم أهل الإسلام، ممن يدفع الجزية، فإنه لا يحد، لكن لا يجوز له أن يشربها أمام المسلمين، وإنما يشربها خفية، أما إذا شربها في الظاهر، فإنه يعزر. قال ثانيا: أن يكون بالغا، فلا حد على الصبي، يعني إنسان صغير لم يبلغ، شرب الخمر، فهذا لا يحد، لكن يؤدب، يؤدب ويعزر. قال: أن يكون عاقلا، فلا حد على المجنون والمعتوه، إذا شرب المجنون الخمر، فإنه لا يحد، كذلك لأنه غير مكلف. قال: فأن يكون مختارا، فلا حد على المكره، والناس وأمثاله، أو أكره الإنسان على شرب الخمر، أمسك وصب الخمر في فيه، حتى دخلت إلى جوفه، وصار سكران، فعرف أنه أكره على ذلك، فلا يحد، لأنه لم يشرب الخمر باختياره، فهو معذور. قال: والناس كذلك، أخذ شرابا يظنه شرابا، وهو خمر، ما يدري، فشربه فسكر، فلا يقام عليه الحد. قال: وأمثاله، يعني ممن هو معذور، وهذه شروط الثلاثة يدل عليها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكره عليه» [رواه ابن ماجه عن ابن عباس، وصححه الألباني]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة» [رواه أبو داود والنسائي عن علي بن أبي طالب، وصححه الألباني]، الحديث، وقد تقدم مرارا، وهذا واضح. قال: أن يكون عالما بالتحريم، فلا حد على الجاهل، الجاهل بالتحريم، كيف يتصور هذا؟ لو كان إنسان حديث عهد بإسلام، كان كافرا فأسلم، وفي حال الكفر كان يشرب الخمر، وهو لا يجهل أن الخمر حرام، فشربها بعد إسلامه، فلما سئل عن ذلك، قال: ما أدري أن الخمر حرام، وتحقق من جهله وعدم علمه، فيعذر، فلا يقام عليه الحد، أو كان في بادية بعيدة عن أهل الإسلام، ويختلط بهم، ويجهل أن الخمر حرام، فيعذر في مثل هذا، يعذر، أما إن كان يعلم أنها محرمة، لكن لا يعلم أن من شربها جلد، فهذا يجلد، يقام عليه الحد، وفرق بين الجهل بالحكم، بحكم الشيء، والجهل بما يترتب عليه هذا الحكم، إنسان جهل أن هذا الشيء محرم، هذا معذور، وآخر يعلم أنه محرم، لكن يجهل ما يترتب على فعل هذا المحرم، فهذا لا يعذر، إنسان يجهل أن الزنا حرام، هذا معذور، لكن يجهل أن يعلم أن الزنا حرام، لكن يجهل ما يترتب على فعل الزنا، فهذا لا يعذر، لأنه فعل شيء يعلم حرمته. قال: أن يعلم أن هذا الشراب خمر، فإن شربه على أنه شراب آخر، فلا حد عليه، كذلك أن يعلم أن هذا الشراب خمر، أن يعلم أن هذا الشراب خمر، أي أنه يسكر، فإن شربه على أنه شراب، يعني شراب عادي، لا يدري أن هذا خمر، فسكر، فإنه لا يحد، لأنه يجهل أن هذا خمر. قال ثالثا: ما يثبت به حد الخمر: يثبت حد الخمر بأحد أمرين: الأول: الإقرار بالشرب، كأن يقر ويعترف بأنه شرب الخمر مختارا، أن يقر ويعترف بأنه شرب الخمر مختارا. وثانيا: البينة، وهي شهادة رجلين عدلين مسلمين عليه، إذن يثبت حد الخمر بأحد هذين الأمرين: الأول: الإقرار بالشرب، يقر، يقول: أنا شربت خمرا، أو أنا سكرت، يقر بنفسه بذلك، وهو مختار، غير مكره، يعني لو كان مكره، ما حد، بسبب الإقرار، ولو أقر وهو مكره، فإنه لا يؤخذ بإقراره، لأنه ليس باختياره. قال: المسألة الثالثة: حكم المخدرات والاتجار بها. قال: حكم المخدرات سوى الخمر، يقصد بالمخدرات: ما يغشى العقل والفكرة، ويصيب متعاطيها بالكسل والثقل والفتور، من البنج والإفيون والحشيش ونحوها، أي من أنواع المخدرات، سواء كان مما يؤكل كالحبوب، أو كان يشرب، أو يضرب بإبر، أو نحو ذلك، أو غير ذلك، فلها نفس الحكم، إذا كانت تزيل العقل، فهي محرمة. قال: والمخدرات حرام، كيفما كان تعاطيها، لحديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل شراب أسكر فهو حرام» [متفق عليه]، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» [رواه مسلم]، وهذه مسكرة تزيل العقل، إذن حكمها حكم الخمر. قال ثانيا: حكم الاتجار بالمواد المخدرة، ورد النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الخمر، فقد روى جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله حرم الخمر والميتة والخنزير والأصنام» [متفق عليه]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه» [رواه أبو داود وأحمد، وصححه الألباني]، ولذا قال العلماء: إنما حرم الله الانتفاع به، يحرم بيعه وأكل ثمنه، إن الله حرم الخمر، يعني حرم شربها وتناولها والاتجار بها، وهكذا حرم الميتة، وهي كل ما مات حتف أنفه، من غير ذكاة شرعية، من غير أن يذكى، فهي ميتة، فهي كذلك محرمة، وهكذا الخنزير، هذا الحيوان الخبيث، وهكذا الأصنام، هو كل ما كان له جسم على صورة إنسان أو حيوان، كذلك محرم اتخاذه وإبقاؤه وبيعه وشراؤه، كما سيأتي. قال: وإذا حرم الله جل وعلا شيئا، حرم ثمنه، إذا كان هذا الشيء محرما، فإنه لا يجوز بيعه وشراؤه، لا يجوز بيعه وشراؤه، لما في ذلك من الاستعانة بذلك على الانتفاع به واستعماله، وقد حرمه الشرع، فهذا فيه تعاون على الإثم والعدوان، فيه تعاون على الإثم والعدوان، فلا يجوز بيع شيء وشراؤه، شيء مما حرمه الشرع، ولهذا قال العلماء: إن ما حرم الله الانتفاع به، يحرم بيعه، كل ما حرم الانتفاع به، فبيعه حرام، وأكل ثمنه حرام. قالوا: لما كانت المخدرات تتناولها اسم الخمر، يعني من حيث تغطية العقل وإزالته، فإن النهي عن بيع الخمر يتناول هذه المخدرات شرعا، فلا يجوز بيعها، إذن ويكون المال المكتسب من التجارة بها حراما، وهذا واضح وظاهر، لأن حكم الخمر، بل هي كما قلنا: أشد من الخمر، والشريعة لا تفرق بين مجتمع ولا تجمع بين مفترق، فلما حرمت الخمر لكونها تسكر العقل وتزيل العقل، فكل ما كان كذلك، مما يزيل العقل ويغطي العقل، فحكمه حكم الخمر، حكمه حكم الخمر، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فهذه المخدرات تزيل العقل وتغطي العقل، بل هي أشد فتكا بصاحبها وبعقله، حتى تجعله يعني كالذليل الذي يتبع من يقوده، ومن يأمره وينهاه، لأجل تناول هذه المخدرات، فلا شك بحرمتها، وحرمة الاتجار بها، فيكون الاتجار بها محرما، وكسب المال منها كسبا حراما وخبيثا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.