كتاب العلم من صحيح البخاري 5

كتاب العلم من صحيح البخاري 5

الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب جعل أيام معلومة للعلم وتفضيل التفقه في الدين

يتناول هذا المحور تخصيص أيام محددة للوعظ والتعليم كما فعل ابن مسعود رضي الله عنه مراعاة لعدم السآمة، ويوضح فضل التفقه في الدين كعلامة لخير الله بالعبد مستدلاً بحديث الفرقة الناجية.

فضل العلم والفهم فيه وبقاء الطائفة المنصورة على الحق

يؤكد المقطع أن العلم عطاء إلهي وبركة داعياً إلى طلب الفهم النافع لا مجرد الحفظ، ويسرد أخبار العلماء في التحري بالرواية وحديث الطائفة القائمة على الحق.

فضل طلب العلم وآداب أهله والفرق بين الغبطة والحسد

يستعرض المقطع مكانة أبي هريرة في الرواية وقصة النخلة الدالة على مشروعية الألغاز في التعليم، ويبين الفرق بين الغبطة المحمودة والحسد المذموم مع التأكيد على تقديم طلب العلم.

شرح حديث لا حسد إلا في اثنتين وختام مجلس العلم

يوضح المتحدث أن الحسد الوارد في الحديث يقصد به الغبطة المباحة في أمرين محددين، ثم يختم الجلسة بالدعاء بالتوفيق وإعلان استكمال الشرح في مجالس قادمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب العلم من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة، يعني يذكرهم فيها ويعلمهم فيها. قال: حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، وهو أبو الحسن العبسي مولاهم الكوفي. قال: حدثنا جرير، وهو ابن عبد الحميد الضبي أبو عبد الله الكوفي القاضي. قال: عن منصور، وهو ابن المعتمر السلمي أبو عتاب الكوفي. قال: عن أبي وائل، وتكرر معنا أنه شقيق ابن سلمة. قال: كان عبد الله، وإذا أطلق في الصحابة عبد الله فمن مراد، إذا أطلق ففي الغالب أنه ابن مسعود رضي الله عنه. قال: كان عبد الله يذكر الناس في كل خميس، في كل خميس. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هذه كنية ابن مسعود، أبو عبد الرحمن الهذلي. قال: يا أبا عبد الرحمن، لو وددت أنك ذكرتنا كل يوم، أنك ذكرتنا كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، يعني أضجركم. قال: وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. وهنا فيه مراعاة الأوقات في الوعظ والتذكير، وكما سبق أن الضابط في هذا هو ماذا؟ الحاجة، حاجة الناس، ومراعاة وجود النشاط. قال رحمه الله تعالى: باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. قال رحمه الله تعالى: حدثنا سعيد ابن عفير، وسعيد هنا نصب إلى جده، وإلا فهو سعيد ابن كثير ابن عفير، وهو أبو عثمان الأنصاري مولاهم المصري. قال يحيى ابن معين رحمه الله: رأيت بمصر ثلاثة عجائب، قال: رأيت بمصر ثلاثة عجائب، النيل والأهرام وسعيد ابن عفير. قال: رأيت في مصر ثلاثة عجائب، النيل والأهرام وسعيد ابن عفير. وهذا يدل على جلالته رحمه الله تعالى. قال: حدثنا ابن وهب، وابن وهب هذا اسمه عبد الله ابن وهب أبو محمد القرشي مولاهم المصري، كان يلقب بديوان العلم، كان يلقب بديوان العلم. قال: عن يونس، وهو ابن يزيد الأيلي أبو يزيد القرشي مولى معاوية ابن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما. قال: عن ابن شهاب، وهو الزهري. ما اسم الزهري؟ ما اسم الزهري؟ نعم يا بشير: محمد ابن مسلم ابن عبيد الله ابن عبد الله الشهير بابن شهاب الزهري. والزهري نصب إلى ماذا؟ لما يقال الزهري نصب إلى ماذا؟ الزهري، نعم، نصب إلى ماذا؟ نسمع كثيرا الزهري، الزهري، فنصب إلى ماذا؟ نعم، نصب إلى إلى الجد. طيب، أوضح من هذا؟ أحسنت. الزهري نصب إلى ماذا؟ إلى بني زهرة، وهم بطن من قريش، ومنهم أم النبي صلى الله عليه وسلم آمنة من بني زهرة، سعد ابن أبي وقاص من بني زهرة، عبد الرحمن ابن عوف من بني زهرة، وهكذا. قال: عن ابن شهاب، إمام متفق على جلالته. قال: حميد ابن عبد الرحمن، وهو أبو إبراهيم الزهري القرشي. قال: سمعت معاوية، معاوية ابن أبي سفيان يعتبر صحابيا جليلا، كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم. قال: سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله». لا يضرهم من خالفهم، وهذه الفرقة الناجية إلى قيام الساعة لا تزال قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم. المخالفة في الغالب تكون من الخارج، والخذلان يكون من الداخل. قال: حتى يأتي أمر الله، والمراد بأمر الله تلكم الريح التي يرسلها ربنا عز وجل قبيل الساعة فتقبض أرواح من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فلا يبقى إلا شرار الخلق يتهارجون كتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة، عليهم تقوم الساعة. وهذا فيه يا إخوان فضل التفقه في دين الله عز وجل، وأن من فتح الله عليه في العلم ورزقه فقها وفهما، هذا يا إخوان أراد الله به خيرا. ومفهومه أن من لم يوفق في العلم ولم يفتح الله عليه في العلم، فهذا قد حرم خيرا كثيرا. وكذلك قوله: «وإنما أنا قاسم والله معطي». العلم يا إخوان رزق، والله عز وجل يرزق من يشاء بغير حساب. وكما أن العلم قد يكتسبه الإنسان من جد وجد، ومن زرع حصد، أيضا العلم يا إخوان عطاء وهبه من الله تبارك وتعالى. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام كثيرا كثيرا ما يدعو ربه عز وجل أن يرزقه علما نافعا. بل في القرآن الكريم يقول ربنا عز وجل لأعلم الناس عليه الصلاة والسلام: قال له ﴿ وقل ربي زدني علما ﴾، ﴿ وقل ربي زدني علما ﴾. والعلم برك يا إخوان، قد يرزقك الله علما يسيرا تمشي حالك، لكن يبارك لك فيه، فيتنتفع أنت وينتفع الآخرون. وإذا لم يبارك لك في العلم، تحفظ متون وتدرس كتب وتقضي سنون، وماذا؟ وليس هناك فائدة. لربما تذكر، فقد لا ينتفع في نفسه، وقد ينتفع في نفسه ولا ينتفع به الآخرون. وهكذا أيضا في هذا الحديث أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق إلى قيام الساعة. الحق يا إخوان لا يموت، قد يضعف، تمر به سنوات يتسلط أهل الشر على أهل الحق والخير، قد يتسلط أهل البدع على أهل السنة، لكن الحق يا إخوان لا يموت. لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك. ولهذا جزم الإمام البخاري رحمه الله تعالى أن هذه الطائفة هم المراد بهم أهل العلم والآثار، أهل العلم والآثار. والإمام أحمد رحمه الله يقول: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم، فلا أدري منهم. علق القاضي عياض رحمه الله تعالى على كلام الإمام أحمد رحمه الله، قال: أراد أحمد أهل السنة، ومن يعتقد يعتقد مذهب أهل الحديث، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. قال رحمه الله تعالى: باب الفهم في العلم. وهنا يا إخوان يتفاوت الناس في الفهم، فالبعض يرزق فهما قويا وفقها كثيرا، والبعض قد يعطى بحسبه، قد يعطى بحسبه. قال رحمه الله تعالى: باب الفهم في العلم، أي فضل الفهم في العلم. قال: حدثنا علي ابن عبد الله، وعلي ابن عبد الله هذا هو ابن المديني، أبو الحسن السعدي، شيخ الإمام البخاري رحمه الله تعالى، كان يلقب بحية الوادي، يعني حية الوادي، لأنه من أعرف الناس بعلل الحديث، مثل أن الحية في الوديان تعرف المخاب والمداخل، فهذا من أعلم الناس بعلل الحديث، إمام عظيم. كان يحيى ابن سعيد القطان لربما خصه بشيء، خصه بشيء، حيانا يغضب، يحلف أنه لا يحدث هؤلاء الطلاب، ويستثني في نفسه إلا علي ابن المديني، إلا علي ابن المديني. فلما عُتب في ذلك قال: يلومونني في علي، وأنا أستفيد منه أكثر مما يستفيد مني، أكثر مما يستفيد مني. الإمام البخاري رحمه الله تعالى كان يقول: ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي ابن المديني، ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي ابن المديني. فلما بلغ علي ابن المديني ما قاله البخاري قال: ولا بين يدي، يعني هذا رجل عظيم جدا، هذا جبل الحفظ. البخاري قال: ولا بين يدي، ولا بين يدي. قال: حدثنا سفيان، ومر معنا أن سفيان ها هنا هو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، وسبق معنا أنه رفيق الإمام الشافعي، وكان الشافعي يقول: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، لذهب علم الحجاز. والحجاز أي المنطقة الحاجزة والفاصلة بين نجد وتهامة، ويعنون بها مكة والمدينة والطائف وما حولها من البلدان. قال: قال لي ابن أبي نجيح، وابن أبي نجيح هذا هو عبد الله، وأبو نجيح اسمه يسار الثقفي المكي، مولى الأخنس ابن شريق الثقفي، ويروي كثيرا التفسير عن مجاهد. وتكلم غير واحد من الحفاظ في تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأنه ليس بقوي. قال: عن مجاهد، وهو ابن جبر، أحد أعلام التابعين، أحد أعلام التابعين. كان يقول: لا ينال العلم من يكمل، لا ينال العلم يا أبا الصديق، مستحن ولا مستكبر. المتكبر ما يتعلم، كما مر معنا في حديث أبي واقد الليثي، الثالث أعرض فأعرض الله عنه. وهكذا المستحي، أي الخجل، الذي استحي أن يجلس في الحلقة، يجلس بعيد أو من وراء الجدران أو خلف الأعمدة أو غير ذلك. قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا، إلا حديثا واحدا. وابن عمر من الصحابة الذين كانوا يتحرون ويتحرزون من الإكثار في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما ذاك إلا خشية أن يزيد أو ينقص في الحديث. ولماذا كثرت أحاديث ابن عمر مع أنه على هذا الأمر؟ قالوا: لكثرة ما كان يسأل، لكثرة ما كان يسأل، فيجيب بما سمع أو رأى النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا أحاديث كثيرة رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قيل: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والحبر، والخدري، وجابر، وزوجة النبي، أي عائشة رضي الله عنها. قال: إلا حديثا واحدا. قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتي بجمار. قلنا: الجمار يسمى في بعض البلاد بالكرزام، وهو ما يخرج من رأس النخلة، من رأس النخلة. قال: فأتي بجمار، أي جعله بين يديه يقلبه، فقال: «إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم»، تمامه كما سبق. قال: فحدثوني ما هي. وهذا يعني فيه دليل على مشروعية الإلغاز في العلم، يأتي المدرس بلغز ويطلب من ماذا؟ من الطلاب أن يجيبوا، أو يسأل بسؤال، ويكون قرينة الجواب موجودة، قرينة الجواب موجودة. ذكروا في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس على المنبر، فقال: «إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله». قال أبو سعيد: فبكى أبو بكر، فبكى أبو بكر. قال أبو سعيد: فقلنا: ما يبكي هذا الشيخ، والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر رجلا خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله؟ قال: فكان المخير هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر أعلمنا. أرأيتم الفهم والفقه، وكيف أن الناس يتفاوتون في ذلك؟ قال ابن عمر: قال: فأردت أن أقول هي النخلة. ما الذي منعه يا جماعة؟ مر معنا قبل أبواب، يا أبا حور؟ نعم، صغر سنه، وفي القوم أبو بكر وعمر وكبار الصحابة. قال: فأردت أن أقول هي النخلة، قال: فإذا أنا أصغر القوم، قال: فسكت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة». وهذا فيه أمور يا إخوان، من أهمها الأدب عند طالبي العلم، أدب. وهكذا أيضا حياء، لكنه محمود، وليس الحياء الذي يمنعه من العلم. كذلك فيه أيضا أن الكبير، العالم الكبير، قد، وقد هنا للتقليل يا إخوان، وليس للتكثير، حتى لا يتطاول الصغار على الكبار، قد يخفى على العالم الكبير شيء، ويدركه من هو أصغر منه وأقل منه. فالعلم يا إخوان مواهب، والله عز وجل يؤتي فضله من يشاء. قال رحمه الله تعالى: باب الاغطباط في العلم والحكمة. الاغطباط، والغبط يا إخوان، هي أن يتمنى الشخص ما عند الآخرين من الخير، ما عند الآخرين من الخير. لكن الفرق بينه وبين الحسد، ماذا؟ ما هو الفارق بينه وبين الحسد يا أبا زيد؟ نعم، أحسن. الحسد يتمنى أن يكون عنده ما عند الآخرين، لكن ماذا؟ مع زوال النعمة عن الآخرين. أما الغبطة فلا يحب زوالها، فلا يحب زوالها، ولكن يحب أن يكون عنده من الخير مثل ما عند الآخرين. سمع تلاوة شخص، تلاوة جيدة، فيغبطه، يتمنى أن لو كان تلاوته كتلاوته، أو حفظه كحفظه، وهكذا. قال: وقال عمر: «تفقهوا قبل أن تسودوا»، قبل أن تسودوا. قال أبو عبد الله، يعني البخاري: «قال وبعد أن تسودوا». وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبار سنهم، في كبار سنهم. ولماذا عقب البخاري؟ فقال: وبعد أن تسودوا. لألا يفهم القارئ أو يفهم الإنسان من كلام عمر أن من ساد لا يتفقه، أن من ساد لا يتفقه. فعقبه بقوله: وبعد أن تسودوا، أي أطلبوا العلم وتفقهوا، وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبار سنهم. وفسرت السيادة هنا بمعنى، بمعنى أن الشخص يسود غيره، يكون قاضيا أو مسؤولا أو غيرها مما لربما قد يكون مانعا في أن يجلس في طلبي أو في مجالس العلم. كان يحضر مجالس العلم، أتى قرار بتعيينه محافظا أو مديرا عاما أو رئيس شركة أو قاضيا، يا إخوان، إلا من رحم الله، يعود ويجلس في المجالس التي كان يتعلم فيها. إذن تعلموا قبل أن تسودوا، فتكون السيادة لربما سببا في ماذا؟ في عدم الجلوس في هذه المجالس. وفسر السيادة بالزواج، يكون صاحب أسرة، عنده أولاد. قال رحمه الله تعالى: حدثنا الحميدي، مرة معنا. قال: حدثنا سفيان ابن عيينة، مرة معنا. قال: حدثنا إسماعيل ابن أبي خالد، على غير ما حدثناه الزهري. قال: سمعت قيس ابن أبي حازم، قال: سمعت عبد الله ابن مسعود، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلط، أو فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يخضي بها ويعلمها». وقوله: «لا حسد إلا في اثنتين»، الحسد ها هنا بمعنى الغبطة. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في مجالس لاحقة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم