كتاب العلم من صحيح البخاري 7

كتاب العلم من صحيح البخاري 7

الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 7، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب الخروج في طلب العلم وقصة موسى مع الخضر

يشرح المقطع حديث جابر بن عبد الله في السفر لطلب العلم، ويستعرض قصة موسى عليه السلام في رحلته للقاء الخضر لأخذ العلم عنه. ويبين أن الخضر نبي آتاه الله رحمة وعلماً من لدنه، مع مناقشة مسألة حياته أو موته مستدلاً بآيات القرآن.

فضل العلم ونيته الصحيحة ومثل الغيث في تلقي الوحي

يستعرض المقطع عهد الأنبياء بتصديق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤكد موت الخضر بدليل حديث المئة سنة. ثم يوضح فضل تعلم العلم وتعليمه بنية رفع الجهل، مستدلاً بحديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ويضرب مثل الغيث في تلقي الناس للعلم.

أشراط الساعة: رفع العلم وظهور الجهل وآثارهما

يتناول المقطع علامات الساعة الصغرى المتعلقة برفع العلم بقبض العلماء وانتشار الجهل وتولي غير الأكفاء. ويذكر ما يترتب على ذلك من شرب الخمر والزنا والهرج، مع رواية حديث أنس عن تكاثر النساء وقلة الرجال.

تكثر الفتن والحروب وتقل الرجال وتكثر النساء

يشير المقطع إلى أن الفتن والحروب تؤدي إلى نقص الرجال وزيادة النساء كعلامة من أشراط الساعة. ويختتم بالدعاء والتوقيع لاستكمال الدرس في وقت لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب العلم من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «باب الخروج في طلب العلم، ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد». قال رحمه الله تعالى: «حدثنا أبو القاسم خالد، خالد بن خلي، وهو أبو القاسم الحمصي، كان صدوقاً، قال قاضي حمص: حدثنا محمد بن حرب، هذا هو أبو عمر الفقيه، كان ثقة جليلاً، قال: حدثنا الأوزاعي، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، إمام أهل الشام، إمام أهل الشام، وكان ثقة جليلاً، قال: أخبرنا الزهري، وهو ابن شهاب محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، الشهير بابن شهاب الزهري، أبو بكر، إمام متفق على جلالته، قال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة الذين كانت تضرب إليهم أعناق الإبل، قال: عن ابن عباس أنه تمارى». ما معنى «تمارى»؟ نعم، تجادل. «أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، في صاحب موسى، أي: هل هو الخضر أم أنه شخص آخر؟». قال: «فمر بهما أُبي بن كعب، فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقائه، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟». فقال أُبي: «نعم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه، يقول: بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل، فقال: أي، قال لموسى: أتعلم أحداً أعلم منك؟ أتعلم أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا، أي: لا أعلم أحداً. قال: فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلى، عبدنا خضر، أي: أعلم منك. قال: فسأل السبيل إلى لقائه». ولما سأل موسى السبيل والطريق إلى لقاء هذا الخضر؟ لكي يأخذ عنه العلم، لكي يأخذ عنه العلم. قال: «فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع، فإنك ستلقاه. قال: فكان موسى صلى الله عليه وسلم يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى، وهو يوشع، قال: فقال فتى موسى لموسى: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. قال: قال موسى: ذلك ما كنا نبغي، هذا الذي نطلب، وهذا الذي نبحث، وأن الموضع الذي فقد فيه الحوت هنا لكم يكون الخضر الذي أراد موسى أن يأخذ عنه العلم. قال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتد على آثارهما قصصاً، أي: قصّا أثر الأقدام. قال: فوجد خضراً، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه». وقد سبق معنا قريباً الكلام حول ما يتعلق برحلة موسى إلى الخضر، إلى الخضر، وفيه إشارة إلى ما بوب عليه، إلى الخروج في طلب العلم والرحلة في طلب العلم. والحديث هذه سنة عم من سلف، وكان السلف رحمهم الله يحرصون على ذلك، ورحلة موسى إلى مجمع البحرين لكي يلتقي بالخضر. الخضر يا إخوان، على الصحيح أنه كان نبياً من أنبياء الله عز وجل، «فوجد عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً»، وهكذا قول الخضر لموسى: «وما فعلته عن أمري»، إذن: وحي أوحاه الله عز وجل إليه. وذهب بعض العلماء إلى أنه ولي وليس بنبي، والصحيح هو ما تقدم. والخضر، هل هو لا زال حياً أم أنه قد مات؟ آية إخوان، الخضر لا زال حياً أم أنه قد مات؟ عند من؟ عندك قد مات. ما هو الدليل؟ «وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد، أفإن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت». وهكذا أيضاً أخذ الله عز وجل العهد والميثاق على النبيين: أن إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال: «أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟ قالوا: أقررنا». فلو، فلو كان الخضر حياً للزمه أن يأتي ويناصر النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن به. النبي عليه الصلاة والسلام ذات ليلة أخبر أصحابه أنه لا يأتي على الناس مئة سنة من تلك الليلة، وعلى وجه الأرض نفس منفوسة، أي: أنه يموت من على هذه الأرض، من على هذه الأرض. ولو كان الخضر حياً لشمله هذا الحديث، فالصحيح أن الخضر مات. وبعض العلماء ذهب إلى أن الخضر لا زال حياً، وما دليلهم على ذلك؟ منامات ورؤى، لا يعتمد عليها، لا يعتمد عليها. قال رحمه الله تعالى: «باب: فضل من علم وعلّم». فالشخص يتعلم أولاً لكي يرفع الجهل عن نفسه، ثم بعد ذلك لكي يرفع الجهل عن غيره، يرفع الجهل عن غيره، وبهذا تصلح النية. قال الإمام أحمد رحمه الله: «ليس هناك أفضل من العلم لمن صلحت نيته». قيل: يا إمام، وما صلحت نيته؟ قال: «أن ينوي أن يرفع الجهل عن نفسه ثم عن غيره». ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عثمان في صحيح البخاري: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». هذا هو العلم النافع. قال رحمه الله تعالى: «حدثنا محمد بن العلاء»، وأكثر البخاري من الرواية عن شيخه محمد بن العلاء، وهو أبو كريب الهمداني، قال: «حدثنا حميد بن أسامة، عن بريد بن عبد الله»، أي: ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: «عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم». ما اسمه أبو موسى؟ أبو موسى، ما اسمه؟ نعم يا سيد، عبد الله بن قيس الأشعري اليماني، والأشعريون من اليمن، الأشعريون من اليمن، وقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل متاعهم، جمعوا ما عندهم من زاد، كل واحد يأتي بما عنده، قال: ثم اقتسموه بينهم بالسوية، أولئك مني وأنا منهم». وهذا مما يذكر في فضائل الأشعريين خاصة، وأهل اليمن على وجه العموم، على وجه العموم. قال: «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء، قبلت الماء، فأنبتت الكَلأ والعشب الكثير، والكلأ يطلق على العشب يابساً أو أخضراً، والعشب يطلق على ما كان يابساً. قال: وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا. وكانت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان، أي: لا فائدة منها، قيعان، قال: لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ». قال: «فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعث الله به، فعَلِمَ ما عَلِمَ، قال: ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». وهذه المصيبة يا إخوان، ألا يرفع المسلم بالعلم رأساً، يرى أن مجالس العلم وحلق الذكر، ما هذه إلا دروشة، ما هذه إلا دروشة، ما يجلس فيها إلا إنسان فارغ، إنسان عاطل، أما أنا فلا، أنا عندي وظيفة كذا، وشهادة كذا، ومال كذا، وأما الثالث فأعرض الله عنه. قال: «قال أبو عبد الله»، أي: البخاري، «قال إسحاق: وكانت منها طائفة قِيلَة الماء». ومعنى «قِيلَة الماء»: أي: يعني هو شرب نصف النهار، شرب نصف النهار. وقيل: أن هذه الرواية تصحيف، وصوابها «قبلت الماء»، تصحفت على بعض الرواة، وهذا الذي رجحه الحافظ. «قاع يعلوه الماء، قيعان، يعني: أماكن صلبة، إذا وصل الماء عندها يبقى، فيأتي الناس فيشرب ويسقي ويزرع». وهكذا بعض الناس يا إخوان، بعض الناس يحفظ لكنه لا يفهم، فيأتي ويسمع ما حفظه في الدرس، فيعطيه إلى من هو أفهم منه وأفقه منه، وهذا فيه خير يا إخوان. قال: «والصَّفْصَف: المستوي من الأرض، المستوي من الأرض». قال رحمه الله تعالى: «باب رفع العلم وظهور الجهل». وقال ربيعة، ربيعة هو ابن عبد الرحمن، يقال له: ربيعة الرأي، شيخ أهل المدينة، وأحد مشايخ الإمام مالك بن أنس، أبو عبد الله الأصبحي، إمام دار الهجرة. كانت أم الإمام مالك تصلح مالك وهو صغير، أي: تلبسه ثيابه وتعده لمجلس العلم، وتقول له: «يا بني، اذهب إلى مجلس مالك، إمام أهل المدينة، فخذ من أدبه قبل علمه». هل تدري أم مالك أنه يوماً من الأيام هذا الطفل الصغير سيكون إمام أهل المدينة، وسيعلو ويسود غيره؟ فصدق ابن مسعود حين أن قال: «تعلموا، فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه، متى يحتاج إليه». قال رحمه الله تعالى: «وقال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه». هذه يا إخوان تكتب بالذهب، لا بمائه. «لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، أن يضيع نفسه، طلب العلم ثم زهد في طلب العلم، وترك طريق العلم، وذهب يلعب كرة، لكي، قال له نجم، لكي، قال له لاعب يجيد لعب الكرة: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أو غيرها من الأمور، أو غيرها من الأمور». قال: «حدثنا عمران بن ميسرة، قال: حدثنا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أشراط الساعة، أي: من العلامات التي تدل على قرب قيام الساعة». وعلامات الساعة على قسمين، ما هما؟ صغرى وكبرى، وأيها تظهر أولاً؟ الكبرى أم الصغرى؟ الصغرى. وهذه الصغرى منها ما هو غريب وعجيب، ومنها ما هو معتاد، والصغرى تبدأ منذ زمن بعيد: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، أخبر أن موته كذلك من علامات الساعة الصغرى: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». أما الكبرى فإنها تظهر مؤخراً، وإذا ظهرت الأولى تسلسلت وتتابعت، كأنها خرزات عقد قطع، أرأيت العقد إذا قطع فتتساقط حباته، وهكذا العلامات الكبرى. قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، أن يرفع العلم، وكيف يرفع العلم؟ بقبض أهله، بموت العلماء». قال: «أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، أن ينتشر الجهل، ويكثر الجهال، ويوسد الأمر إلى غير أهله، ويرجع الناس، فيتخذ رؤوساً جهالاً، فسئلوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». كم يا إخوان تفسد الأحوال إذا ذهب العلماء وظهر الجهل؟ قال: «ويشرب الخمر». والآن أليس يشرب؟ وقد شرب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: بلى. إذن: «ويشرب الخمر»، أي: يكثر شربه، يكثر شربه. قال: «ويظهر الزنا»، أي: يكثر الزنا. وانظروا إلى الشر، تفسد العقول إذا قل العلم، تشرب الخمور وتذهب العقول، تنتهك الأعراض إذا ذهب العلم، يظهر الزنا، وهكذا يكثر الهرج. ما معنى الهرج؟ القتل. هذا كله عند رفع العلم وظهور الجهل. قال رحمه الله تعالى: «حدثنا مسدد بن مسرهد». قال البخاري: «فيه هو مسدد كاسمه، والشخص يا إخوان قد يكون له نصيب من اسمه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أوصى باختيار الأسماء الحسنة، من حق الأبناء على الآباء أن يختاروا لهم الأسماء الحسنة». قال: «حدثنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، قال: حدثنا، أو قال: عن شعبة بن الحجاج، أبو بِسطام، أمير المؤمنين في الحديث، أمير المؤمنين في الحديث، قال: عن أنس بن مالك، قال: لأحدثنكم حديثاً لا يحدثكم أحد بعدي». كيف ذلك؟ لأنه علم أنه لم يبقَ ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه غيره، ولا سيما في البصرة. أين تقع البصرة؟ أين تقع البصرة؟ نعم، في العراق. ويا لله يا إخوان، العراق كانت من حواضر العالم الإسلامي في ذلكم الزمان، البصرة، وهكذا الكوفة، وهكذا بغداد، وهكذا الموصل، وهكذا غيرها من البلاد الأخرى، وهكذا غيرها من البلاد. قال: «قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة، أو لخمسين امرأة، القيم الواحد». قيل: تكثر الفتن والحروب، فيقل الرجال بسبب أنهم يذهبون في هذه الحروب، وتكثر النساء. نكمل إن شاء الله عز وجل في درس لاحق، أفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.