الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 51، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الشيخ الدرس ببيان خمس مسائل تكشف غربة الإسلام لقلة أهل التوحيد، موضحاً أن أول شرك وقع كان بالغلو في الصالحين كما في قوم نوح، وأن أول ما غُيّر به دين الأنبياء هو الشرك بسبب ذلك الغلو، مبيناً أن قبول البدع ومزج الحق بالباطل بنصب الأنصاب كانا سبباً رئيسياً في انحراف العبادة.
يفصل المقطع كيف أدى الغلو في تعظيم الصالحين عند قوم نوح إلى عبادة الأصنام عبر مراحل: مزج الحق بالباطل، وطول الزمن، ونسيان العلم، والبدعة الحسنة النية، محذراً من التماثيل والبناء على القبور ومؤكداً ضرورة استيعاب هذه القصة الثابتة في الصحيحين كمنهج وقائي.
يحذر المقطع من انحراف بعض الصوفية والمشركين الذين يقرؤون الأحاديث والكتب دون تدبر فيغلون في الصالحين ويعبدونهم زعماً للشفاعة، مبيناً أن الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم وموت العلماء يؤديان إلى ضياع التوحيد وانتشار الشرك والبدع في الأمة.
يختم الدرس بحديث نبوي يحذر فيه من أن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من الصدور بل يقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم تولى الجهلاء الفتوى فأضلوا الناس وأضلوا أنفسهم، مؤكداً أن موت العلماء علامة على ذهاب العلم ودخول الجهل.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلىه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال الشيخ محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: فيه مسائل، يعني في هذا الباب: الأولى أن من فهم هذا الباب وبابين بعده - ويريد بالبابين بعده: باب ما جاء في التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده، والثاني: باب ما جاء في الغلو في قبور الصالحين، يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله - أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام. ومعنى ذلك: أن كثيرًا من المسلمين في زمانه، بل وفي زماننا هذا، من يغلو في الصالحين، ومن يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله، فصار أهل التوحيد بين هؤلاء قلة غرباء. ومصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». فلو تنظر إلى الزيارات الشركية، ربما يحضرها الملايين، كما في زيارات مصر وغيرها من الزيارات في الشام وغيرها. فكما ذكر المفسر، تبين لك غربة الإسلام، وأن أهل التوحيد قلة بين عدد كثير من أهل الأوثان. قال: ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب، وذلك أن الله عز وجل ثبت القلة من عباده على التوحيد، وهذا مصداق قول الله عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. فانقلبت مفاهيم كثير من الناس، وكذلك تقلبت قلوب كثير من الناس، فصاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فجعلوا الشرك توحيدًا والتوحيد شركًا، وهذا من الفتنة التي وقعت في قلوبهم. قال: الثانية: معرفة أول شرك حدث على وجه الأرض، أنه بشبهة الصالحين، وذلك فيما جاء في حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. ماذا قال ابن عباس؟ قال: هذه أسماء رجال صالحين. فتبين بهذا أن أول شرك حدث على وجه الأرض أنه بشبهة الصالحين. فقد جاء عن ابن عباس أنه قال: كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون كلها على التوحيد، ما وقع الشرك أول ما وقع إلا متى؟ في قوم نوح. طيب، فهذا أول شرك وقع على وجه الأرض، أول شرك وقع على وجه الأرض كان بشبهة ماذا؟ الصالحين. وهذا فيه رد على عباد القبور الذين يقولون: إن الشرك المذكور في القرآن هو عبادة الأصنام فقط. عبادة الصالحين ودعوة الصالحين والاستغاثة بالصالحين، هذه شبهة باطلة. لماذا؟ لأننا نقول لهم: بل أول شرك حدث على وجه الأرض هو بشبهة ماذا؟ الصالحين. فقال ابن عباس: هذه أسماء رجال الصالحين من قوم نوح. فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم: أن أنصبوا إليهم أنصابًا، أن أنصبوا لمجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا. إذن أول ما حدث الشرك على وجه الأرض بشبهة الصالحين، وأن هؤلاء رجال صالحون، وأننا نتذكر عباداتهم، وغير ذلك من الأمور التي كان سببها التعلق بالصالحين. واضح هذا الآن؟ قال: الثالثة: أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك؟ مع معرفة أن الله أرسلهم. فأول شيء غير به دين الأنبياء ما هو؟ الشرك. الشرك. وما سبب ذلك؟ الغلو في الصالحين. واضح هذا الآن؟ فإذن أول شيء غير به دين الأنبياء هو الشرك، لأن الأنبياء دعوا إلى التوحيد، فجاء هؤلاء ودعوا إلى الشرك وعبادة غير الله. وما هو سبب هذا الشرك؟ الغلو في الصالحين. الغلو في الصالحين. قال: الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها. ويريد بالبدع ما جاء في حديث ابن عباس. فالجيل الأول ما أشرك، صح؟ الجيل الأول ما أشرك، إنما ابتدعوا. فماذا قالوا؟ أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم. ففعلوا. إلى هنا الآن هذا الجيل ارتكب ماذا؟ بدعًا. لأنه قال: فلم تعبد. فلم تعبد، ما وقع الشرك في أول الأمر، لكن وقعت هذه البدع. وقعت هذه البدع. فقبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها، هذا يقع فيه بعض الناس، يقبلون البدع. لماذا الشرائع تردها؟ لأنها مخالفة للشرع. ولماذا الفطر تردها؟ لأن الإنسان فطر على التوحيد وعلى الحق، كما قال الله عز وجل: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل مولود يولد على الفطرة»، يعني على الإسلام، «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». واضح هذا الآن؟ فهؤلاء قبلوا البدع، فآلت بهم إلى الشرك والعياذ بالله. قال: الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل. سبب الوقوع في هذه البدع التي آلت بهم إلى الشرك: مزج الحق بالباطل. وهذا في حديث ابن عباس، فإن هؤلاء ماذا قالوا؟ قالوا: أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم. لماذا فعلوا ذلك؟ حتى يتذكروا عباداتهم. لأن هؤلاء رجال صالحون. لأن هؤلاء رجال ماذا؟ صالحون. فكونهم صالحين، وأنهم أهل عبادة، هذا حق. هذا حق. فمزجوه بباطل، فغلوا في هؤلاء الصالحين بنصبهم لهم الأنصاب، فهذا باطل. فهذا باطل. فقد الإنسان يغتر بشيء من الحق فيمزجه بالباطل. مثال ذلك: مثلًا إنسان صاحب عبادة، صاحب زهد، وصاحب ورع. إلى هنا هذه الأمور حق، دعا إليها الإسلام. لكن مثلًا عنده بدع، عنده خلل في السير والسلوك والمنهج. فبعض الناس يغتر بهذا الشخص، فعبادته وزهده وورعه يجعله يقبل ما يأتي به هذا الشخص جملة وتفصيلًا، فيقبل الباطل منه، فيمزج الحق بالباطل. هذا هو المراد. ولذلك قال: فالأول: محبة الصالحين، هذا حق. لماذا هم فعلوا ذلك؟ لأنهم يحبون هؤلاء الصالحين. قال: والثاني: الأول يعني الحق، والثاني الباطل. قال: والثاني: فعلوا ناس من أهل العلم والدين شيئًا أرادوا به خيرًا، فهذا حق أو باطل؟ هذا باطل. فإنهم نصبوا لهم الأنصاب. فهل فعلهم هذا صحيح؟ ليس بصحيح. هل هو حق؟ ليس بحق، بل هو باطل. فالآن امتزج محبة الصالحين بفعل أناس من أهل العلم والدين منهم، هذا الباطل، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غير إرادة الخير. فلما هلك أولئك، عبدوها من دون الله. واضح؟ قال: السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. عرفنا معناه، وأن هؤلاء أسماء رجال صالحين كانوا من قوم، من قوم نوح. قال: السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد. يعني جبلة الآدمي، طبيعة الآدمي، شيء جبل عليه، يعني خلق عليه. فجبل الآدمي على نقصان الحق من قلبه، وزيادة الباطل في قلبه. من أين أخذ هذا المؤلف؟ من حديث ابن عباس. فإن هؤلاء لما قالوا: أنصبوا أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، أولاً لم يعبدوها، ولا صح. ثم تقادم بهم الزمان حتى عبدوها. صح. فتقادم، تقادم الزمان، نقص فيه الحق من قلوبهم، وزاد فيه الباطل. ولذا قال: ونسي العلم. يعني نقص. ها. قول ابن القيم: هو يعني بمعنى «ونسي العلم»، طال عليهم الأمد، يعني تقادم بهم الزمن، تقادم بهم الزمن يعني طال عليهم الزمن، فبسبب ذلك زاد باطلهم، ونقص الحق من قلوبهم. قال: الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدعة سبب الكفر. فأول ما بدأ به البدعة وهو نصب النصب أو الأنصاب. طيب، فلم تعبد في أول الأمر، لكن هذه البدعة آلت بهم إلى ماذا؟ إلى الكفر. فالبدعة سبب للوقوع في الكفر. أول ما وقع، لأن البدعة: كل ما هو على غير مثال سابق، شيء جديد. طيب، شيء جديد، هذا عام في قبل قوم نوح، وبعد، وفي عهد الإسلام. قال: التاسعة: معرفة الشيطان بما تقول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفعل. الشيطان يدخل من هذا الباب: هذا خير، وهذا فيه مصلحة. الصوفية ابتدعوا ثم أشركوا. هذا المولد فيه ذكر للرسول، وصلاة على الرسول، فإذا بهم يقرؤون في هذا المولد الكفر الصريح. يقولون: نحن نريد الخير، نياتنا طيبة، مثل ما قال قوم نوح: نتذكر عبادتهم، نتذكر عبادتهم وصلاحهم. انظر، الشيطان دخل لهم من هذا الباب. هذا السبب. قال عبد الله: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. نعم، البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. قال ذلك سفيان الثوري. نعم. قال: العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه، وهو مقصد هذا الباب، وهو مقصد هذا الباب. فعرفنا النهي عن الغلو من الآية ومن الأحاديث، وأن الغلو في الصالحين يؤول إلى ماذا؟ معنى يؤول: يعني ينتهي إلى ماذا؟ إلى الشرك. الغلو يؤول إلى الشرك. قال: الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح. فهؤلاء عكفوا على هذه الصور وهذه القبور لأجل هؤلاء الصالحين، فعبدوها من دون الله. فيه خطورة، مضرة هذا الفعل. قال: الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكم في إزالتها. فإن من أعظم حكم النهي عن التماثيل حتى لا تعبد من دون الله، فالنهي سدًا لذريعة ماذا؟ الشرك. سدًا لذريعة الشرك. قال: الثالثة عشرة: معرفة شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها. ويريد ما جاء في حديث ابن عباس. وشدة الحاجة إليها: أي أن أهل هذا الزمان وقعوا في الحقيقة فيما وقع فيه قوم نوح، فغلوا في الصالحين، وصوروا لهم الصور، ومثلوا لهم التماثيل، وبنوا على قبورهم القباب، وكذلك البناء، وإلى غير ذلك. فما أحوج الأمة لمعرفة مثل هذه القصة، وهم غافلون عنها. قال: الرابعة عشرة: وهي أعجب، وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث. لأن هذا الحديث في صحيح البخاري عن ابن عباس، وعباد القبور يقرؤون البخاري، لكن يقرؤونه للتبرك لا للانتفاع. تجد الآن الصوفية ربحية إلى الآن، حتى في الشحر، بعض المساعدين يقرؤون في صحيح البخاري بالسند، لكن بدون تفسير، بدون شرح، ويقرؤون: حدثنا آدم، قال حدثنا إسماعيل، قال حدثنا سفيان، ويقرؤون الحديث، ويحركون رؤوسهم، والأحاديث تنهى عن فعلهم، وهم يقرؤون البخاري، ويقرؤون تفسير ابن كثير. وهذا موجود في تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية. فقال هنا: قراءتهم إياه في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينه وبين قلوبهم. يعرفون هذا الكلام، عربيهم هو عربي، يعلمون معنى هذا الكلام، لكن الله عز وجل حال بينهم وبين قلوبهم، لأنهم أهل هوى وأهل زيغ. مثل ما يقرؤون كذلك حديث الجارية، من أخرج حديث الجارية؟ أين الله؟ في مسلم. وهم يقرؤون صحيح مسلم: «أين الله؟» في السماء، وهم يقولون: الله في كل مكان. ها، أو يقولون: ليس فوق، ولا تحت، ولا عن يمين، ولا عن شمال. إذا الله عز وجل حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات. فاعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال. لماذا؟ حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات، لأنهم يغلون في الصالحين. وحديث ابن عباس بين أن سبب كفر قوم نوح هو عبادة، أو الغلو في الصالحين. فاعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال. قال: الخامسة عشرة: التصريح. يعني هؤلاء المشركون، مشركو زماننا، يقرأون قصة ابن عباس، صح؟ ها، فهم مع قراءتهم لهذه القصة، ها، يعتقدون أن فعل قوم نوح أفضل العبادة، لأنهم يفعلونه، وهم يغلون في الصالحين. طيب، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال. ما هو الذي نهى الله عنه؟ الشرك، الغلو في الصالحين. طيب، فهذا الغلو في الصالحين نهى الله عنه، وهو سبب لإباحة الدم والمال، ومع هذا فهم يفعلونه. هذا هو المراد. قال: خامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة. فدل ذلك على أن الشرك بالتعلق بالصالحين منذ زمن قوم نوح إلى يومنا هذا إنما هو يسمى بالشفاعة. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. في حديث ابن عباس: لماذا هم فعلوا هذا؟ لماذا فعلوا هذا؟ حتى يشفع لهم هؤلاء الصالحون. وهم عبدوهم لصلاحهم، حتى يكونون واسطة بينهم وبين الله. فهذه هي شبهة القوم إلى يومنا هذا. لماذا أنت تذبح للقبر؟ قال: لا، أنا أعتقد أن الله هو النافع والضار، ولكن هذا القبر، صاحب هذا القبر رجل صالح، رجل تقي، فهو يقرب إلى الله، ويشفع لي عند الله. هذا هو الشرك: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال: السابعة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك، يعني أرادوا الشرك. والجيل الأول من العلماء ما أرادوا الشرك، إنما أرادوا تذكر العبادة. لكن لما ماتوا، ونسي العلم، الجيل الذي بعدهم عبدها. قال: الثامنة عشرة: البيان العظيم في قول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم». فصلوات الله وسلام على من بلغ البلاغ المبين. يعني كأنه يقول: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كأنه علم من بعض جهال أمته أنهم سيغلون في مدحه، لأن الإطراء هو الغلو في المدح، المبالغة في المدح. فكأنه علم ذلك عليه الصلاة والسلام، فحذر أمته. وهذا معنى قول: البيان العظيم. ومع هذا التحذير، إلا أن من الأمة من يطر النبي عليه الصلاة والسلام. فذاك يزعم أن النبي يعلم الغيب، وهذا من الإطراء. وذاك يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ملك الدنيا والآخرة. وذاك يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته. هذا كله من الغلو في النبي عليه الصلاة والسلام. هذا بيان منه أن ما يجوز الغلو عليه، صلى الله عليه وسلم، حب الله. قال: التاسعة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين، في قوله: «هلك المتنطعون». وعرفنا من هم المتنطعون. قال: العشرون: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم. ففيها بيان معرفة قدر وجوده، ومضرة فقده، أي العلم. فبوجوده تحيى البلاد بالتوحيد والسنة والإسلام والحق، وبفقده ينتشر الشرك والبدع والفسوق والمعاصي. ففي هذا بيان معرفة قدر العلم والعلماء، ومضرة الجهل والجهال. قال: الحادية والعشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء. أنه لما هلك الأوائل من العلماء، عبدت هذه الأصنام، أو هذه الآلهة. لكن في وجودهم لم تعبد، لأنه قال هنا في حديث ابن عباس: «ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك»، يعني الجيل الأول الذي فيه شيء من العلم، فلما هلكوا، عبدت من دون الله عز وجل. فيه أن سبب فقد العلم موت العلماء. وهذا يدل عليه حديث عبد الله بن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». سوف... روز... روز... موسيقى... روز... موسيقى... موسيقى...