كتاب التفسير من صحيح البخاري 255

كتاب التفسير من صحيح البخاري 255

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 255، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير سورة الحاقة: التسمية وآيات النعيم والعذاب

يتناول المقطع تسمية سورة الحاقة وورودها في قصة إسلام عمر بن الخطاب مع ذكر تسميات أخرى كالسلسلة والواعية. كما يفسر آيات النعيم المقيم وآيات العذاب مستعرضاً روايات البخاري واختلاف النسخ بين الرواة.

معنى الوتين في القرآن وأحكام الذبح المتعلقة به

يشرح المقطع معنى الوتين بأنه نياط القلب أو حبل الوريد الواصل بين النخاع والقلب مستنداً لقول ابن عباس. ويناقش أحكام الذبح مبيناً أن قطع الوتين يؤدي للموت الفوري والأفضل ترك الدم يخرج أولاً، مع جواز الذبح بقطع ثلاثة من الأربعة.

تفسير آيات الطغيان والغسلين وحديث حملة العرش

يفسر المقطع معنى الطغيان في طوفان نوح وتجاوز الماء لحده، ويبين أن الغسلين هو صديد أهل النار، وأن الباقية تعني الناجين ممن استثنى الله. وينقل حديثاً يصف عظمة ملك من حملة العرش بمسافة سبعمائة عام بين شحمة أذنه وعاتقه.

تقدير طول يوم القيامة بأيام الدنيا والآخرة

ينقل المقطع قول ابن القيم وغيره إن يوم الآخرة يعادل سبعمائة عام مع احتمال أن يكون المراد بأيام الدنيا لتقريب المعنى. ويختم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من التفسير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة الحاقة، بسم الله الرحمن الرحيم. فهذه السورة، سورة الحاقة، هكذا سُميت في جميع المصاحف: سورة الحاقة. وأيضًا في حديث عمر في إسلامه، كما في الصحيح، لما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ الحاقة وهو عند البيت، فسمعته فعجبني من هذا الكلام، فقلت: هذا شاعر ينظم شعرًا، فقرأ قوله جل وعلا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾، قلت: لعله كاهن، قال: فقرأ: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، إلى آخر هذا. فسُميت سورة الحاقة، فاشتهرت بهذا الاسم، ولم تعرف بغيره، إلا أن بعض المتأخرين كالفيروزآبادي صاحب "التاج العروس" كذا ذكر أنها تسمى بالسلسلة، كما ذكر السيوطي أن الفيروزآبادي ذكر أنها تسمى بالسلسلة، لكن هذه التسمية غير مشهورة. وذكر بعض المتأخرين أيضًا أنها تسمى بالواعية، لكن هذا أيضًا لم يشتهر، وهو من باب التفرد. قال رحمه الله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، قال: يريد فيها الرضا. معنى هذه العيشة: يريد فيها الرضا، معنى عيشة مرضية، عيشة مرضية راضية، أي مرضية، في عيشة راضية، أي في عيشة يرضاها؛ لأنها النعيم المقيم، ولأنها لم يكن يحلم بها الإنسان، فيدخل هذه الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال: ﴿الْقَاضِيَةِ﴾، ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾، أي: الموتة الأولى التي متُّ ثم أحييتُ بعدها، من أحد عنه. فقوله: ﴿الْقَاضِيَةِ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾، أقضت علي فلم أقم بعدها، أنا يتمنى أن موته الذي مات أولًا يكون قاضية عليه، معنى أنه لا يقوم. قال: ﴿ثُمَّ قَالَ مِنْ أَحَدٍ عَنْهَا حَاجِزِينَ﴾، وكأن هناك في سقط أو شيء. لن نحافظ هنا في "الفتح" يذكر بعض الآيات وبعض الكلام وهو غير موجود في الأصل هنا. قال: وقال ابن جبير: عيشة الراضية، يريد فيها الرضاء. هذا غير موجود. وقال ابن جبير: أرجاؤها، ما لم ينشق منها، وهم على حافتي، لقولك: على أرجاء البئر. والملك على أرجائها، أي على حافتيها، أي حافتي السماء. قال: ﴿وَاهِيَةٌ﴾، ﴿هَشِيمٌ﴾، تشققها. وهذا الله عز وجل ذكر الانفتطار والانشقاق وغيرها من الكلمات التي تبين أن السماء تتشقق يوم القيامة، وأيضًا يحصل حتى تصير كالمهل، القطران الذي يقطر. وقوله: ﴿الْقَاضِيَةِ﴾، الموت الأولى التي منها لم أحيَ بعدها، أنا هنا الآن، كأن هناك سقط في هذه النسخة. وغالبًا الحافظ يشرح على نسخة أبي ذر عن الكشميهني عن الفربري عن البخاري. أبو ذر الهروي، لهذا تجد أحيانًا: قال أبو ذر وهو في البخاري، أبو ذر ويراد به الهروي، وأحيانًا يقول: قال الكشميهني، أو الفربري. الفربري هذا الذي روى عن البخاري الصحيح. فقال هنا: ﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهَا حَاجِزِينَ﴾، معناها: لا أحد يحجزه من هذا العذاب، ولا أحد ينقذه، ولا أحد يكون ظهيرًا له، ولا شفيعًا، ولا صديقًا، فليس هناك له حميم، ولا أحد ينفعه من عذاب الله جل وعلا. ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهَا حَاجِزِينَ﴾. قال: قال: أحد تكون للجمع، للواحد، أنا يستعمل للجمع أو يستعمل للواحد. أحد خاصة: أحد إذا أضيفت فالمراد بها الجمع، وإذا أفردت فقد تطلق على الواحد وقد تطلق على الجمع. هنا أطلقت على الجمع: ﴿مَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾، أحد أي أحد عنها مطلقة، والمراد العموم المطلق، وليس العموم الشمولي، وهو الذي يسميه العلماء: المطلق، عمومه بدل عمومهم، بدل، والعام عمومه الشمولي يشمل كلها، لكن هذا بدل قد يراد به الواحد وقد يراد به أكثر. ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهَا حَاجِزِينَ﴾، ما في أحد يحجز عنه. قال: وقال ابن عباس: ﴿الْوَتِينِ﴾، نياط القلب. قال ابن عباس: الوتين، نياط القلب. نياط: معنى المراد به حبل الوريد، أنا يريد حبل الوريد الذي ذكره الله عز وجل في السورة الأخرى، وهنا ذكر معنى في سورة قاف: ذكر حبل الوريد، وهنا ذكر فقال جل وعلا: ﴿الْوَتِينَ﴾، نقطعنا منه الوتين. الوتين هو حبل الوريد كما قال ابن عباس رضي الله عنه. وقال بعضهم: حبل القلب، والمراد حبل الوريد هو نفسه حبل القلب، معنى الموصل، العرق الموصل من الدماغ إلى القلب. سماه الله عز وجل حبل الوريد لأن هذا الحبل أو هذا العرق إذا انقطع مات الإنسان في نفس الوقت، فإذا قطع هذا الحبل لم يتحره، أو أقصد أنه يموت في ساعته، بخلاف عندما تذبح الآن الشاة، هناك أربعة أشياء في الحلق تذبح: هذه الأربعة: المري، والحلقوم، والودجان. الودجان هم العرقان، معنى على طرفي الرقبة، والمري والحلقوم في الوسط، فتقطع هذه الأربعة الأشياء، لكن تجد أن الذبيحة تتحرك إذا ذبحها، بخلاف إذا أخذ حبل الوريد وهو حبل النقاع أو الذي يسمونه النقاع، النقاع الشوكي وهو الذي يمتد إلى الدماغ، هذا إذا قطع خلاص ما تتحرك الذبيحة، والدم يتجمد. ولهذا ذهب كثير من أهل العلم أنه لا يجوز هز الرأس عند الذبح، معنى أنه يخرج الرأس بسرعة، بل حتى عند الشافعية في قول أنه لا تجزئ هذه الذبيحة، وهذا ليس صحيحًا، وعند الحنابلة أنه لا يجوز أن يجهز على الذبيحة، معنى يخرج رأسها ويقطع عرقها، العرق الشوكي أو النقاع الشوكي، وإنما إذا انتهى أو إذا تركها يخرج الدم ثم بعد ذلك يذبح العرق. لكن هل ذبح العرق منهي عنه؟ لا، لم يثبت شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام يدل على هذا، بل قال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل"، أو قال: "كل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل". فلهذا فالإنسان متى ما ذبح وأخرج الدم من وريدين ومن حلقوم ومري يكفي، بل لو أخرجه من المري والودجين يكفيني، من ثلاثة من الأربع الأشياء. وأما الإجهاز فالأفضل أنه لا يجهز؛ لأنه يكون الدم داخل الذبيحة، معنى تكون فيه مضرة على اللحم، بخلاف من يخرج الدم. لكن أنه لا يجزئ أو أنه حرام، هذا لم يثبت فيه دليل صريح في هذه المسألة. طيب، فلهذا فالوتين هو المراد: هذا العرق الواصل بين النخاع والقلب، العرق الذي وصل بين النخاع والقلب، هذا الوتين. ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْوَتِينِ﴾، معنى أنه إذا قطعنا العرق عليه سيموت. فقال ابن عباس: نياط القلب، نياط القلب أي حبله. قال ابن عباس: طغى، أي كثر، ويقال: بالطاغية، أي بطغيانه، أنه تجاوز الحد. الطغي هو تجاوز الحد، كما قال أهل اللغة: ﴿فَلَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، طغى أي تجاوز حده. ولهذا قال هنا الإمام البخاري: يقال طغى على الخزان كما طغى الماء على قومه. طغى على الخزان: الخزان الماء، كما طغى الماء على قومه، حتى أتى إلى قمم الجبال، هذا الماء فطغى وكثر وتجاوز حده. الماء له حد معين يطغى فيه أو يرتفع فيه، أما ذلك الحد الذي طغى فيه في زمن نوح فهو طغي من قدرة الله جل وعلا وأمره سبحانه وتعالى، فطغى الماء حتى جاء إلى قمم الجبال، فظن ابن نوح أنه يستطيع أن ينجو من هذا الماء على العادة، وأن الماء لا يطلع إلى تلك الأماكن، إلى الجبال العالية، فقال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، فقال نوح: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، فلهذا طلع إليهم هذا الماء إلى قمم الجبال وأخذهم، فلم ينجو منهم أحد إلا من كان في السفينة. قال: وقوله: ﴿مِنْ غِسْلِينٍ﴾، قال: كل شيء غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، فعلي من الغسل، مثل الجرح والدبر، أنا من غسلين، أي الذي يغسل، كأنهم يغسلون. ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾، ويقال أنه هو صديد أهل النار، ما يسيله من صديد أهل النار من عرقهم، ومن فروج الممسات وغيره من هذا الصديد يسمى غسلين. ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾، كما قال الفراء: فهو ماء وسخ يشربونه وتجرعونه. وقوله: ﴿بَاقِيَةٍ﴾، ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾، أي بقية، وأنا ترى من باقية، أي من باقية. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾، أي لم يجعل الله عز وجل لهم بقية إلا من استثنى الله جل وعلا. ولم يذكر المؤلف رحمه الله هنا حديثًا مرفوعًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، فذكر الحافظ حديثًا في سنن، نبي داود، كأنه يقول أن البخاري كان ينبغي أن يذكره لأنه حديث صحيح، وأيضًا على شرط البخاري، من طريق إبراهيم بن فهمان عن محمد بن كعب عن جابر. وهذا قد أخرج البخاري حديثًا بهذا الإسناد. وهذا الحديث هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: "أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام". ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. أنا ما بين شحمة أذنه وعاتقه، عاتقه: معنى الكتف، فمعنى آخر: أو الكتف عند الرقبة. هذه المسافة، معنى مسافة سبعمائة عام، سبعمائة عام. وهنا أنبه أيضًا أن معنى قبل أيام ذكرنا حديث أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، قلت: بخمسمائة ألف، فنبهني بعض الأخوة جزاهم الله خيرًا، أنا بخمسمائة عام. وهذا أيضًا سبعمائة عام. والعلماء اختلفوا في هذا التقدير: هل هو بتقدير الدنيا أم بتقدير الآخرة؟ لأن الله عز وجل ذكر أن في الآخرة اليوم الواحد بخمسين ألف سنة، مقداره خمسين ألف سنة. فهل هذه سبعمائة بمقدار الدنيا أو بمقدار أيام الآخرة؟ فالظاهر كما ذكره ابن القيم وغيره: أنه مثل مقدار الآخرة، سبعمائة عام على مقدار يوم الآخرة، ومحتمل أيضًا أنه أيام الدنيا؛ لأنه تقريب للمعنى، تقريب للمعنى. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، شكرًا للمعنى، للمعنى.