الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 254، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ باب "يوم يكشف عن ساق" في صحيح البخاري، موضحاً سند الحديث عبر الليث بن سعد وصفاته من الكرم والتورع. ثم يذكر حديث أبي سعيد الخدري عن كشف الله عن ساقه وسجود المؤمنين مع الإشارة إلى تأويلات الآية المتعلقة بذلك.
يناقش المقطع تفسير آية ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾، حيث ذهب قتادة وابن عباس إلى أنها تدل على شدة الأمر لا على صفة لله. بينما رأى البخاري وكثير من أهل السنة أنها صفة ثابتة لله مستدلين بحديث "يكشف ربنا عن ساقه" الوارد في حديث الشفاعة.
يصف المقطع حديثاً عن يوم القيامة يُحاسب فيه اليهود والنصارى على شركهم، ولا ينجو إلا بقايا من أهل الكتاب المؤمنين. ثم يكشف الله عن ساقه فيسجد المؤمنون ويعجز المنافقون، مؤكداً منهج أهل السنة في إثبات صفة الساق بلا تشبيه.
يختتم المتحدث بيانه حول مسألة الصفات لأهل السنة، مؤكداً أن ما ذُكر يكفي في هذا الباب. ويختم بالشكر على الاستماع مع التذكير بأن الله أعلم بالصواب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب يوم يكشف عن ساق". قال: حدثنا آدم، وهو ابن أبي إياس العسقلاني، قال: حدثنا الليث، والليث هو ابن سعد أبو الحارث الفهمي، إمام أهل مصر، وكان تاجرًا في العسل، والزيد لم توجب عليه زكاة، أنا تاجر ولم توجب علي زكاة، وهذا لكرمه وسخائه وجوده؛ لأنه كان يخرج أمواله صدقة لله ولرسوله، أقصد صدقة لله، فكان كل أرباحه في الصدقة، وخاصة يعطي طلبة العلم، وكذلك العلماء. كان كما قال مالك: "أهدينا للِّيْث شيئًا من الكعك في وعاء، فملأ لنا الوعاء ذهبًا"، وكان مالك رحمه الله لا يأخذ من أحد إلا من الليث، وهذا لتورعه في أخذ الأموال، فلذلك كان أحيانًا يطلبه في الدين لثقته به، فكان يعطيه أكثر مما أراد. قال: حدثنا الليث. وأيضًا كما قال الشافعي: "الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به"، وأصحابه بمعنى تلاميذه، فالليث مع أنه إمام أهل مصر إلا أنه لم ينتشر مذهبه كثيرًا، وانقرض مذهبه، ومذهب مالك حلّ في مصر بعدما جاء عبد الله بن وهب، نشر مذهب مالك، عن مذهب مالك، أي فتاويه وأقواله في المسائل، فانتشر مذهب مالك في مصر. قال: عن خالد بن يزيد، هو مدني، عن سعيد بن أبي هلال، ويقال سعيد بن ميناء، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وهؤلاء كلهم مدنيون، بعد سعيد بن أبي هلال، وعطاء بن يسار هلالي مدني. قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا". فهذا الحديث، أو هذا الباب، بوّبه الإمام البخاري: "باب قوله: يوم يكشف عن ساق". وهذه الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: 42]، وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، تأولها بعض الناس على أنها ليست صفة، وقد جاء عن قتادة وعن ابن عباس تأويل هذه الآية، واستغلها كثير من أهل البدع. ف هنا قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾، قال قتادة: عن شدة أمر، وقال ابن عباس: يوم كرب وشدة. وهذا ليس من تأويل الصفة؛ لأن الآية لم تأتِ على أنها صفة، ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ نكرت ولم تضف، والآيات أو الصفات لا بد أن تأتي مضافة، إنما تثبت لله عز وجل إذا كانت مضافة له جل وعلا، وأما هذه الآية فلم تضف، وإنما قال جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ نكرها، وكذلك لم يضفها، فدل على أن ليس المراد بها الصفة. لهذا جاء عن ابن عباس أنه قال: عن يوم كرب وشدة، لأن الساق كشفت، الساق تقال في لغة العرب على شدة الأمر، وعلى أيضًا التحام الصفوف وغيرها، يقال: كشفت الحرب عن ساقها، أي جاء شدتها، وخاضوا شدة الالتحام بين الصفوف. فلذلك كما قلنا: ليس لهم دليل في هذا في تأويل الصفات؛ لأن الآية لم تسق على طريقة الصفة. لكن البخاري رحمه الله، وكذلك كثير من أهل السنة، رأوا أن المراد هنا بالساق هو الصفة، فلذلك ذكرها الإمام البخاري، وذكر الحديث الذي يبين هذا. لكن الحديث واضح، لا يستطاع تأويله؛ لأنه أضاف الصفة إلى الرب جل وعلا، فقال: "يكشف ربنا عن ساقه". وهذا الحديث حدث به أبو سعيد، وأبو هريرة موجود في المجلس، وكان أبو هريرة يؤيد أبا سعيد في هذا الحديث، حتى في آخره، لما قال أبو سعيد: فقال النبي عليه الصلاة والسلام لذلك الرجل الذي هو آخر من يخرج من النار إلى الجنة: "فلك هذا وعشر أمثاله"، أو قال: "لك هذا ومثله"، فقال أبو هريرة: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "لك هذا وعشر أمثاله، وعشر أمثاله"، فكان أبو هريرة موجودًا في المجلس. فلذلك هذا الحديث حديث طويل من حديث الشفاعة، لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يقول لمن كان في الموقف: "من كان يعبد غير الله فليتبع معبوده"، فمن كان يعبد الأصنام يتبع الأصنام إلى النار، ومن كان يعبد الشمس يتبع الشمس إلى النار، وهكذا كل من يعبد من دون الله من هذه الأحجار والأشجار، ومن كان أيضًا راضيًا بذلك يتبعه في النار، فما يبقى إلا اليهود والنصارى، وكذلك هذه الأمة وأهل التوحيد. فيقول الله عز وجل: "يا يهود، قد أرسلت إليكم رسولًا"، وكذا، "فماذا قلتم؟" قالوا: "عبدناك يا رب"، فيقول: "كذبتم، إنما قلتم: عزير ابن الله"، وقالوا: "لم نشرك بك شيئًا"، فيقول: "كذبتم، إنما قلتم: عزير ابن الله"، ويقول للنصارى: "إنما قلتم: المسيح ابن الله"، فيذهب بهم إلى النار، أي اليهود والنصارى، فما يبقى إلا غبراء من أهل الكتاب، أي بعض الطوائف من أهل الكتاب ممن آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو أنه مات وهو على الدين الصحيح، مات وهو على الدين الصحيح، قالوا: غبراء من أهل الكتاب، وهذه الأمة ومنافقوها، وهذه الأمة ومنافقوها. قال: "فيأتي ربنا جل وعلا بغير صورته، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله"، أو يقول: "ماذا تنتظرون؟" فيقولون: "ننتظر ربنا"، فيقول: "أنا ربكم"، فيقولون: "نعوذ بالله أن تكون ربنا"، ثم يأتيهم بالصورة التي يعرفونه، فيقول: "أنا ربكم"، فيقولون: "نعم"، فيقول: "ماذا عندكم من علامة تعرفونه بها؟" قالوا: "الساق"، قال: "فيكشف رب العزة عز وجل عن ساقه، فيسجد كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا"، أنا كلما أراد أن يسجد يرجع ظهره، وهذا جزاء من الله عز وجل؛ لأنه كان يسجد رياء وسمعة، لا يسجد لله عز وجل تعبدًا وإخلاصًا. في هذا الحديث صراحة في إثبات الساق لله جل وعلا، وأهل السنة طريقتهم معروفة من زمن السلف: أنهم يثبتون الصفات لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، ولا يتأولونها، بل يثبتونها على ما جاءت في لغة العرب، لكن لا يشبهون صفة الله عز وجل بصفة المخلوق، بل ربنا جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. فلو قلنا: إننا أثبتنا صفة الساق، فلا نتوهم ولا نعتقد أن صفة ساق الرب جل وعلا كصفة ساق المخلوق، بل ربنا جل وعلا ليس كمثله شيء، وهذه الصفة تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، ونحن لا نعرف كيفية هذه الصفة، كيفيات الصفات مجهولة لنا، لكنها لها كيفية، لكن نحن لا نعرفها، غيبها الله عز وجل عنا، وقال ربنا جل وعلا: ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 140]. فهذا الذي نذكره لأهل السنة في مسألة الصفات، والقول أيضًا في هذه الصفة، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا.