الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 109، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبيّن المقطع جواز الانتقال بين المذاهب الفقهية عند تبيّن الراجح بالدليل، مؤكداً أن ذلك اتباع للحق لا تقليداً للرجال. كما يوضح أن الانتساب للسلف الصالح منهج شرعي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، بخلاف الانتساب للجماعات الحزبية المخالفة لهدي السلف.
يستعرض المقطع آداباً سلوكية كاعتدال المشي، وكراهة التلفت والتكئ والتصفيق ورفع الصوت بغير علم. ويختتم بالتأكيد على أن العلم ليس بكثرة الرواية بل نور يقذف في القلب يثمر خشية الله والعمل به.
يبيّن تميز السلف بالكلام القليل الجامع للمعاني النافعة، محذراً من الاغترار بكثرة كلام المتأخرين ودعاة فقه الواقع. ويؤكد أن أول طلب العلم الصمت والاستماع ثم العمل فالحفظ فالنشر، محذراً من التصدر للتعليم قبل الأهلية.
يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء بالتوفيق والسداد، ويختم بذكر التسبيح والاستغفار والتوبة. كما يشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فقد أخذنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في نصائحه العظيمة، بأنه لا يجعل أحد من الأشخاص يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، وينصب له شخصاً يوالي ويعادي عليه. قال المؤلف رحمه الله: في كتاب «الدر المنثور من القول المأثور»، وقال ابن تيمية رحمه الله: «وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني، مثل أن يتبين له رجحان قول على قول، فرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله، فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر أن لا يقبل ولا يتبع أحداً في مخالفة حكم الله ورسوله، فإن الله فرض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على كل أحد في كل حال». إذن هذه أيضاً من النصائح، يعني: الانتقال من مذهب إلى مذهب مراد في الفقه مثلاً، أنت أخذت بقول أحمد، ثم تبين لك أن قول الشافعي صواب، وعن مع الدليل تبين لك رجحان مذهب الآخر لأمر الدين؛ لأنك تتعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع. وقد يجتهد العالم، العالم يجتهد فيصيب ويخطئ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر». فأنت قد تأخذ بقول العلماء، ثم يتبين بسعة العلم، لاطلاعك في المسألة أكثر؛ لأنها قد ما يكون تبين لك على القول الآخر، أو في البداية لقلة علمك ترى أن هذا القول أولى من هذا القول في الأخذ، ثم يتبين لك خلافه، فتأخذ بالقول الآخر، رجحان قول على قول، فترجع إلى القول الذي ترى أنه أقرب إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فأنت مثاب على ذلك، وليس هذا من تقليد الرجال، وإنما هذا من اتباع الحق. وقال أيضاً رحمه الله: «لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً». يقول شيخ الإسلام: ليس عليك عيب أن تظهر مذهب السلف، السلف المراد به الصحابة، وكذلك من تبعهم بإحسان من التابعين وأتباع التابعين، وتنتسب إليه وتعتزي إليه، يعني تقول: أنا سلفي. هذا لا عيب فيه ولا حرج أن تقول: أنا سلفي. ومعنى «أنا سلفي»: أي أنا على طريقة السلف الصالح، على طريقة السلف الصالح؛ لأننا كذلك في كتاب الله عز وجل إشارة إليه: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ﴾. وسبيل المؤمنين حق، سبيل المؤمنين هو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقوله حجة: حتى جاء رجل، يقال: يا رجل من بلاد بعيد، فدخل على الإمام الشافعي رحمه الله، وكان في مجلسه، قال: هذا السائل لا يعرفه أحد، جاء من بلاد بعيد يسأل الإمام الشافعي عن ثلاثة أمور. فقال لهم: الحجة؟ قال: كتاب الله. قال: ثم ماذا؟ قال: السنة. قال: ثم ماذا؟ قال: اتباع سبيل السلف الصالح، إجماع الأمة. قال: من أين لك هذا؟ قال: فسكت الشافعي رحمه الله تعالى. أي أن اتباع سبيل السلف، وإجماع الأمة، ما أجمعت عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هو حجة. أما اتباع الكتاب فمعلوم، الآيات الدالة على ذلك، وهكذا اتباع السنة، الآيات الدالة. قال: من أين لك أن تقول الإجماع حجة؟ فسكت الشافعي، قال: أمهلتك ثلاثة، فإن لم تأتني بالدليل وإلا فتب إلى الله. يقول للشافعي رحمه الله: وإلا فتب إلى الله من هذا القول. قال: أمهلتك. قال: أمهلتك. ثم الشافعي... من أين هذا جاء؟ يقول للشافعي: هات الدليل على أن إجماعهم حجة، وأنه كالدليل، قال: وإلا فتب إلى الله من قولك هذا. قال: فتفكروا. ثم جاء السائل، هذا السائل بعد الثلاثة، فقال: أين الدليل؟ وقال له الشافعي رحمه الله: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ﴾. قال: لا يصلها إلا إن كان مخالفاً؟ قال: نعم. قال: فذهب هذا السائل، يعني كان الشافعي قال: تفكروا فيه ثلاثة. اليوم مقلب المصحف كل يوم عشر مرات، مقلب المصحف من البقرة إلى الناس، حتى اهتدى لهذه الآية الكريمة، فيها اتباع السلف الصالح. فإذا هذا الذي ينبغي على المكلف المسلم: يتبع سبيل السلف الصالح، الصحابة والتابعين رحمهم الله، رضي الله عنهم. إذن لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتصم به، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، بالاتفاق نقبل كل من انتسب إلى السلف، قال: «فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً». وهذه النسبة، نسبة سلفي، النسبة التي يقال فيها: سلفي، نسبة صحيحة، ليست مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي موافقة. وهذا مما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين». أيضاً يقال: سني، ويقال: سلفي. لأن السلف من مضى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لفاطمة رضي الله عنها: «نعم السلف أنا لك». فالسلف هو من تقدمك، فمن تقدمك يقال له: سلف. «كونوا خير خلف لخير سلف». فأما من يعني يقول: إن السلفية هذه بدعة، أو السلفية حزبية، فهذا مخطئ، هذا مخطئ. ليست السلفية بدعة، ولا السلفية حزبية، بل السلفية منهج، السلفية منهج هو منهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن تبعهم بإحسان، ينبغي أن يسير المرء عليه. وقولك: أنا سلفي، أي: أنا متبع للسلف، السلف الصالح، يتقدمهم الصحابة الذين نزل فيهم القرآن، والذين كذلك زكاهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وهكذا رسوله صلى الله عليه وسلم. فلا حرج أن تقول: أنا سلفي، وتعتز بذلك، ونقبل كل من يقول: أنا سلفي. بعكس لو قال: أنا إخواني، أنا تبليغي، أنا صوفي، أنا مش عارف إيش من هذه التسميات الأخرى، نقول له: لا، وأنت خالفت الطريقة. لأن نقولك: صوفي، معناه مع المتصوفة، هؤلاء لهم كيان ورئيس وحزب. وقولك: أنا تبليغي، مع جماعة التبليغ. وقولك: أنا إخواني، جهادي، وهكذا سروري، قطبي، هذه كلها جماعات متفرقة، تفرقت عن الكتاب والسنة، واختلقوا في الكتاب. وأما قولك: أنا سلفي، لا أحد يعذر عليك، لأن لو جئت تشرحها له، تقول له: أنا مع الصحابة، لأن سلفنا مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من الصحابة، مع ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وتعدد لهم من التابعين وأتباع التابعين، ومن تبعهم بإحسان. لا يوجد هذا كل من سار على هذا الطريق، وهو ما ذكره. قال القاضي أبو يعلى رحمه الله: «إذا مشيت فلا تلتفت، فإنه ينسب فاعل ذلك إلى الحمق». يعني يقال: أحمق، الذي يمشي ويتلفت هكذا ألفاً، يقال: ما له هذا؟ أحمق. والحمق يأتي بمعنى الجنون، يعني مثل المجنون يتلفت يميناً وشمالاً. بل إذا مشيت، بل يكون وجهك للأمام، لا تكثر من التلفت. قال الشيخ عبد القادر، وهو عبد القادر الجيلاني، وتنسب إليه الطريقة القادرية، ومبرأ منها، يعني اسمه للتصوف، المتصوفة، طريقة اسمها الطريقة القادرية. قال: «يكره الصفير والتصفيق». صفير معروف يكون بالفم، والتصفيق بالأيدي، يعني التصفيق للنساء. ويكره الاتكاء الذي يخرج به عن نسكه والوقار، لأنه تكبر، يعني في المجالس تتكىء مثل الجبابرة، تتكىء على جنبك ويدك مثل الجبابرة. قال: «وإهوان، أو وهوان من جلساء، إلا مع العذر، إلا مع العذر». يعني الاتكاء مع العذر لا بأس، إن كان شيء بك وجع، ما تستطيع إلا أن تجلس متكئاً، متكئاً. أما أن تستهين بجلسائك فهذا لا يحسن، يعني اتكاء يقوم فيه تكبر، لا اتكاء عادي، لأنه قد يكون هناك اتكاء عادي، والنبي صلى الله عليه وسلم قد اتكى بين أصحابه، لكن ليس اتكاء الجبابرة، أو استهانة بالجلساء. وكان متكئاً فجلس، هو بحديث أبي بكرة، قال: «ألا وقول الزور». قال: ويكره قل العلق، العلق لأنه دناءة، علق العلق لأنه دناءة، تنبغ شيء في لسانك أمام الجلساء فهو دناءة. قال: ويكره التشدق بالضحك، والقهقهة بالضحك، يعني رفع الصوت بالضحك، وقال له: قهقه. ويكره التشدق في الكلام، التشدق بأن يتقعر ويتمعر الكلام، ويخرج الحروف بصعوبة، كأنه يري الناس أنهم فصيح. قال: ورفع الصوت في غير حاجة، أن يكون رفع الصوت في غير حاجة، إلا إذا كان إعلاماً للعلم، كما في باب رفع الصوت بالعلم، يعني لكي تبلغ الذين هم بعيد، يرفع صوته بالعلم. أما غير حاجة، فقال ربنا: ﴿ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ﴾. وينبغي أن يكون مشيه معتدلاً، لا مفرطاً، يعني معتدلاً بمشيه، مشيه معتدلاً، لا مثل الذي يكون مريضاً، ولا مثل الذي يسرع إسراعاً بحيث يتعب، إذا كان معه أهل فيمشي مشياً معتدلاً، لا يسارع إلى حد يصطدم الناس ويتعب نفسه. والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحج: «فإنما البر بالتمهل». يعني بالتمهل. وإذا وجد فجوة النص كان يمشي عليه الصلاة والسلام رويداً في الحج؛ لأن الناس عن يمين وعن شمال، أمامهم وخلفهم، فلا يزاهم، لا تزاهم، يعني تسرع حد تصطدم بمن أمامك وتتعب نفسك. قال: ولا يقول بحيث يورثه العجب، بحيث يورثه العجب، يعني الفقرات يتفكر، كأنه يتفكر أمام الناس، فيقولون: هذا يتفكر ويتعبد، حتى يعجب بنفسه. ويكره في البكاء النحيب والتعدد، النحيب أيضاً البكاء لا يكون فيه نحيب، إلا أن يكون من خوف الله تعالى، كما كان يبكي رجل من القرآن. قال: والندم على ما فات من أوقاته ببطالاته. ويكره له كشف رأسه بين الناس، وما ليس بعورة مما جرت العادة بستره. أيضاً يكره له كشف رأسه، أن يمشي حاسراً، هو لا حرج، أن يمشي حاسراً، لكن الأولى والأفضل أن يكون ذا عمامة، وهي من عادات العرب، فالعمامة عادة، العمامة عادة، إلا إن قصد التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيؤجر، إن قصد التأسي فذاك، ولكن هي من حيث العمامة، العمامة هي من العادات، يعني من عادات العرب. وأيضاً الأولى بالإمام أن يكون كذلك معتماً، أن يضع شيئاً على رأسه، يعني يخمر رأسه، هذا في الإمام، هذا الأولى. وكره بعض أهل العلم أن يصلي حاسر الرأس، كما ذكره الألباني رحمه الله تعالى في «صفة الصلاة». قال: «وما ليس بعورة مما جرت العادة بستره»، أيضاً كذلك ستر العورة في المجالس. قال: «العلق كذا جاءت، ولعله العلق، وهو صنف الشجر كاللبان، يمضغ». قال: «ويخطر الخاطر، المتبختر، يقال: خطر يخطر، إذا تبختر». هذا من تفسيرات المؤلف رحمه الله تعالى لبعض ما جاء في كلام القاضي رحمه الله. هذه من باب الآداب، من باب الآداب، إنها تكون حري بطالب العلم أن يكون كذلك. قال: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي رحمه الله، الإمام معروف، يقول: «وقد خُطِر، وقد خطر كثيراً من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامهم وجدالهم وخصامهم في مسائل الدين فهو أعلم منا، ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض». وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، كيف كان كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وابن عباس أعلم منهم. وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم. وكذلك تابع التابعين، كلام أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم. فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، أن لا تظن أن من كان كلامه كثيراً هو أعلم من كلامه قليل. فالعلم لا يقاس بكثرة الكلام، ولا بكثرة الرواية، وإنما العلم يقاس بخشية الله، يقاس بخشية الله والعمل به. فإذا عمل به ذلك هو العلم. وهكذا، إذن خشية الله سبحانه وتعالى ذاك هو العلم. لهذا مدح الله عز وجل أهل الخشية: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾. ولما سئل الإمام أحمد عن معروف الكرخي: هل هو من العلماء؟ قال: عنده أصل العلم، خشية الله. هذا هو العلماء، هؤلاء هم العلماء. كيف لا يكون من العلماء وهم أهل خشية؟ فانظر إلى أبي بكر، وكلام أبي بكر يعني في المسائل تجده قليلاً. المتأخرون الذين جاءوا بعدهم، لهم مؤلفات كثيرة وكلام كثير، لكن من أعلم؟ أبو بكر. وهكذا عمر، وهكذا سائر الصحابة، أعلم من التابعين. قال: «فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد». إذن يعبر بعبارات وجيزة، لأنك تجد كلام السلف قليلاً، يعني تأتي العبارة فيها سطر، سطرين، ثلاثة من كلام السلف، ومصابيح، ولو شئت لتكلمت فيها بأدلتها، الكلام الكثير، يعني تحوي معاني كثيرة، وهذا من علمهم ومن فقههم. فهؤلاء هم السلف، فلا تفتن بماذا؟ بالمتأخرين الذين كثرت كلامهم وجدالهم وخصامهم في مسائل الدين. قال شارح ومصاحب الكتاب، جمال دعاة العصبية، وفقه الواقع، زعم، ودعاة الثورية: هناك من يسمون أنفسهم بأصحاب فقه الواقع، لأنهم يرون العلماء كلامهم قليل، وكلامهم في أبواب الفقه والعقيدة ودعوية، فما يتمسكون في ماذا؟ في الكلام في السياسة، وأمور السياسة، وأمور الفقه الذي يسمونه فقه الواقع، أن تتكلم في الواقع الذي يعيشه الناس، ومن فتن غيرها، وكذلك الأقوام وما يدور في الساحة، هذا يسمونه فقه الواقع. أولاً: دعاة العصبية، ظنوا أنه بكلامهم الكثير أنهم أعلم من العلماء، والعلماء أعلم منهم. فليس من يعني الإنصاف، أنصاف العلماء، لأنهم لا يدرون الواقع، بل العلماء هم أعلم من هؤلاء بواقع وبحال الناس. قال: ودعاة الثورية، أكثر كلاماً اليوم من علماء السنة السلفيين، يعني كم لهم من محاضرات، ومن خطب يعني رنانة، ومن كتب ومؤلفات، كثير يكتبون فيما يسمى فقه الواقع. وأما علماء الكتاب والسنة، فكلامهم قليل، لكن كلامهم فيه نفع للأمة، وأيضاً يتكلمون فيما يحتاج إليه الناس من أمور دينهم، ومما يقربهم إلى الله عز وجل. قال: وهؤلاء العلماء أعلم من هؤلاء الدعاة، وهذا مما لا شك فيه، فلا تركن إلى دعاة الضلالة والخسف، ممن كثر كلامهم، ولكن انظر إلى أهل العلم الراسخين في العلم، فخذ بما يقولون، فهم نصحاء للأمة. وقال أيضاً رحمه الله: فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطه للقول، والمراد قال أيضاً ابن رجب: أنه ليس كل من كثر بسطه للقول وكلامهم في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك. وقد ابتلينا بجهلة من الناس، يحتجون في بعض من توسع في القول من المتأخرين، أنه أعلم ممن تقدم، أنه أعلم ممن تقدم. يأتيك واحد ويؤلف تلك المطولات الضخمة، وليس فيها شيء تستفيد منهم، لا تستفيد منها علماً، بينما كلام السلف الراسخين والعلماء المتمكنين تستفيد منهم علماً، تستفيد من كتبهم، ولو كان كلام أقل ممن جاء بعدهم. فإذن العبرة بما يقذف الله عز وجل فيها القلوب من النور، يفهم به كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس بكثرة المقال. قال بشر بن الحارث بن نصر الحافي رحمه الله: إن عبد الملك بن مروان دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص رضي الله عنه، وسلم، وجلس، ثم لم يلبث أن نهض. فقال معاوية: ما أكمل مروءة هذا الفتى. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنه أخذ بأخلاق أربع، وترك أخلاقاً ثلاثاً: إنه أخذ بأحسن البشر إذا لقي، وبأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المؤنة إذا خول، وترك مزاح من لا يثق بعقله ولا دينه، وترك مجالسة لئام الناس، لئام الناس، وترك من الكلام كل ما تعتذر منه. إذا هذه السفات من سفات عبد الملك بن مروان رحمه الله، كان من أيضاً خلفاء بني أمية، عبد الملك بن مروان بعد أبيه مروان، أخذ الملك، وله أبناؤه الأربعة المخلدون في الملك. عبد الملك بن مروان كان لا أدب جمع، حتى مدحه عمرو بن العاص رضي الله عنه، أخلاق كانت له: أحسن البشر إذا لقي، أحسن الحديث إذا حدث، يعني هذه سفات الرجل الذي يكون ذا شهامة ومروءة وعقل ودين وورع. قال: وبحسن الاستماع، يعني إذا كان هناك حاجة لكلام تكلم، وإذا كان هناك حاجة للاستماع استمع. وأيضاً يلقى الناس بالبشر، بوجه طلق، ويترك المزاح، من من لا يثق بعقله ولا دينه، ويترك مجالسة اللئام، وأيضاً من الكلام الذي يعتذر منه، فلا يأتي بكلام ما يعتذر منه. هذه سفات خيبة في عبد الملك بن مروان رحمه الله. قال: غندر الكلام، السديد الغليظ، والمقصود هنا: ترهيد، طيب، ترهيد من الكلام كل ما تغندر، تعتذر، تغندر منه، الغندر. قال: الكلام السديد الغليظ، والمقصود ترهيد كلام الغليظ المذموم، والله أعلم، هذا كان غندر أو اعتذر منه، إذن ترك الكلام الذي هو مذموم. قال محمد بن نصر الحارثي رحمه الله: «أول علم الصمت، ثم الاستماع له، ثم العمل به، ثم حفظه، ثم نشره». هذه من الآداب التي تعلم طالب العلم، ما هي أول آداب طالب العلم؟ أول آداب طالب العلم: الصمت، أن يكثر الصمت، يستمع، ثم يستمع للعلم، ثم يعمل به، يعني علم ثم يعمل به، ثم يحفظ هذا العلم، آخر شيء يبلغ، لأنه خلاص قد حفظه وقد عمل به، وآخر شيء يبلغ. فهكذا يكون العلم، ما يكون بكثرة المسائل، وإنما يكون بالصمت والاستماع، عسل الاستماع يستزيد من الفوائد، ثم يعمل بها ويحفظها، ثم ينشرها. قال أبو القاسم: «لأيكم إذا حدث لك علم، فأحدث فيه عبادة، ولا يكون مكان تحدث به الناس». يعني احرص على العمل بالعلم، إذا حدث لك علم، يعني استفدت علماً من قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحدث عنده عبادة، يعني اعمل به. كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى، مر به حديث، الإمام أحمد مر به أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام ديناراً، احتجم وأعطى الحجام ديناراً، فقام وأتى بحجام، قال: احجم لي، فحجم الإمام أحمد، وأعطى الحجام ديناراً، وقيل له: يا إمام، قال: فذكر الحديث، حدثني فلان أن النبي صلى الله عليه وسلم حجم قبلاً، وأعطاه ديناراً، أعطى الحجام ديناراً، فتأسى رحمه الله. فمر به الحديث، فعمل بهذا الحديث، وهذا من حسن العمل، أن المسلم إذا مر به ما يقربه إلى الله عز وجل، يهديه له عبادة، لا يكون همه فقط التبليغ، أنك تحدث به ولا تعمل به. قال أبو الطيب سهل محمد السعلوكي رحمه الله: «من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه». طيب، يقول السعلوكي رحمه الله: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه. الكلام يقول على هذا، وهو: أهل التصدر الذين يتصدرون قبل أوانهم، هؤلاء يضعون أنفسهم مواضع الحرج، ومواضع الخطر، ومواضع الزلل، ومواضع الانتقاد، يعني يكونون عرضة للانتقاد وللهوان بين الناس. فإن شاء الله تعالى نترك هذا الكلام على هذا الأثر، إن شاء الله إلى درس قادم. أسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر