الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 256، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُبيّن المقطع أن سورة المعارج تُعرف أيضًا بـ «سَأَلَ سَائِلٍ» وأنها مكية، وعدد آياتها أربع وأربعون في معظم القراءات وثلاث وأربعون في قراءة اليحصبي وابن عامر، مع توضيح أن الاختلاف في العد يعود إلى تحديد أطراف الآيات لا إلى زيادة أو نقص في النص. ثم يشرح معاني «الفصيلة» بأنها أقرباء الرجل وعشيرته، و«الشواء» بأنها الأطراف (اليدين والرجلين وجلدة الرأس) التي تُنزع وتحترق يوم القيامة، مع إشارة فقهية إلى أن جرح الرأس المأموم يوجب ثلث الدية.
يشرح المقطع معنى «نَازِعَةً لِلشَّوَى» بأنها تنزع الأطراف وتبقى الجوف، ويفسر «عِزِينَ» بالجماعات والحلق مستشهداً بحديث أبي ثعلبة الخشني عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتماع وعدم التفرق. ثم يناقش قراءات «يوفضون» بمعنى يسرعون و«نصب» بمعنى الأصنام أو الأنصاب التي تُعبد، مبيناً أن المعنى يصور سرعة الكفار نحو لا شيء حقيقي بل لهول الموقف.
يصف المقطع حال الناس يوم الحشر كأنهم جراد منتشر أو فراش مبثوث يهرعون خائفين من النار نحو صوت الداعي، ويذكر أن المؤمنين يخرجون قبل النار متجهين إلى الشام مهاجرين بدينهم. كما ينقل قراءة زيد بن ثابت لـ «نصبًا» بمعنى الأصنام التي كانوا يعبدونها في الدنيا فيهرعون إليها يوم القيامة.
يعلن المتحدث عن انتهاء الجلسة أو المقطع الحالي، مختتماً بالشكر والحمد لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة «سَأَلَ سَائِلٌ». وغالبًا في كتب السنة سُميت هذه السورة بـ «سَأَلَ سَائِلٍ»؛ البخاري والترمذي وغيرهما من كتب السنة. وفي المصاحف: أكثر المصاحف تسمى بـ «المعارج»، وسماها بعضهم «الواقعة»؛ أنها فيها «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ». لكن أكثر ما اشتهرت بـ «المعارج» و «سَأَلَ سَائِلٍ». وهي مكية. كم آية هذه المعارج؟ من يعرف كم آية؟ أربع وأربعون آية في جميع القراءات، إلا في قراءة اليحصبي: فيها ثلاث وأربعون. عبد الله بن عامر وهو قارئ أهل الشام: فيها ثلاث وأربعون. وكما قلنا: أن هذا ليس فيه -عندما نقول مثلاً: هذا أربع وأربعون وهذا ثلاث وأربعون- ليس المراد أنهم يختلفون في شيء من الآيات، وإنما فقط في انتهاء الآية: هل انتهت أو هي تابعة للتي بعدها؟ يختلفون أحيانًا في هذا. وأحيانًا يكون مثلاً في بداية الآية: هل هي تابعة للتي قبلها أو آية وحدها؟ خاصة الحروف المقطعة. قال رحمه الله: «الفصيلة»: أصغر آبائه، قرب إليه ينتمي. من انتم وفصيلته التي تؤويه. الفصيلة: يقول: أصغر آبائه، أنا من أعمامي، وكذا الفصيلة. هي غالبًا بمعنى القربة والعائلة التي ينتمي إليها. قال: «للشواء»: أي اليدان والرجلان والأطراف. «نَزَّاعَةً لِلشَّوَى»: ليس الشواء كما نطلقها، المراد بها البطن، لا، المراد بها الأطراف؛ أطراف الإنسان. «نَزَّاعَةً لِلشَّوَى»: أي تقطع الأطراف، وأيضًا تحرقها. قال: «الشواء»: الشواء: اليدان والرجلان والأطراف، وجلدة الرأس يقال لها شواء. وما كان غير مقتل فهو شَوَان. «شَوَان»: معنى شواء: ما كان غير مقتل. أو قال: وما كان غير مقتل. معنى «غير مقتل»: الأماكن التي غير مجوفة. وأما الأماكن المجوفة فغالبها مكان مقتل. مثلاً: الرأس، وكذلك البطن والصدر، فهذه أماكن مقاتل. معنى: إذا طُعن فيها غالباً تقتل. بخلاف الأطراف: الرجلين، واليدين، وجلدة الرأس. جلدة الرأس غالباً ما تقتل، حتى لو كانت في الدماغ، وهي التي تسمى المأمومة. سماها الفقهاء: المأمومة. جاء في حديث عمرو بن شعيب: «وفي المأمومة الثلث». فغالباً ما تقتل، لكن إذا تجاوزت ودخلت جوف الرأس فغالباً تقتل. إذا صارت الطعن في المأمومة في الدماغ، عن اخترقت الدماغ، فهذا غالباً تقتل. غالباً كذلك أيضًا ما يكون في البطن والصدر وغيرها من الأماكن المجوفة. فقال: «نَزَّاعَةً لِلشَّوَى»: أي تنزع أطرافه ويبقى جوفه. قال: «عِزِينَ»: الذين جعلوا القرآن عِزِينَ. «عِزِينَ» و «العُزُون»: الحلق والجماعات، واحدها «عِزَّة». المراد به: التفرق. جعل القرآن مفرقًا، كل جماعة مع بعضها. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما تفرق، كما في حديث أبي ثعلبة الخشني: «نزلنا واديًا فتفرق الناس في الشعاب وعند الأشجار، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: مَا لَكُمْ عِزِينَ؟ مَا لَكُمْ عِزِينَ؟ اجتمعوا». قال أبو ثعلبة: فاجتمعنا حتى أنه كان يأخذنا بساط واحد، بساط الحصير، من كثرة اجتماعهم وتداخلهم، حتى أن بعضهم -حتى الحصير قد يكفيهم- وهم جمع. وهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام -أقصد في حديث أبي ثعلبة-: «مَا لَكُمْ عِزِينَ؟» أو متفرقين. فلما اجتمعوا، فالاجتماع خاصة في تلك المناطق، أو في تلك المواضع: عند الحروب، عند كذا. ما ينبغِي للمسلمين أن يتفرقوا، بل يجتمعوا، حتى إذا دهمهم العدو فيكونون مجتمعين، ويصدّون هذا الذي قد بدأهم به العدو. وهذا كان قبل في مسائل المسايفة بالسيف. وأما الآن فالتفرق غالباً يكون أنفع للجيش، واجتماعهم ما يكون أنفع؛ لأنه تأتي قذيفة أو كذا فتأخذ أكثر من واحد، أو تأخذ جماعات إذا كانوا في مكان واحد. فالمقصود هو معرفة وخبرة الحرب، وما يكون نفعًا للجيش. فلذا لما رآهم صلى الله عليه وسلم قد تفرقوا، نصحهم أن يجتمعوا. طيب. فقال: «وَعِزِينَ»: والعُزُون: الحلق والجماعات، واحدها عِزَّة. ولم يذكر أيضًا الإمام البخاري في هذه السورة حديثًا. وأيضًا هنا قرأ: «كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفَضُونَ». «الإفاضة»: الإسراع. «الإفاضة»: الإسراع. وهذا كما ذكر للحافظ أنه كلام الفراء. قال: «وقرأ الأعمش: فَاسْتَبِقُوا إِلَى نُصُبٍ». «إلى نصب»: أي لا شيء منصوب، استبقوا إليه. قال: «وقرأ زيد: إِلَى نُصُبٍ مَعْنَاهُ إِلَى نُصُبٍ»: أي الآلهة من الأنصاب التي كانت تُعبد. والصحيح أنه: «إِلَى نُصُبٍ يُوفَضُونَ»: يسرعون. كأنهم إلى نصب يوفضون، يعني: كأنهم يسرعون إلى شيء معين، وهم لا يسرعون إلى شيء معين، وإنما فقط هول ذلك الموقف. وهذا في الحشر: لما يُحشر الناس، فهم كما وصفهم الله عز وجل: «كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ» -كالفراش المبثوث- «كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفَضُونَ». يتنقل هنا وهنا، وأيضًا يتصادم الفراش. لما ينتشر، ينتشر كله في مكان واحد، لكن فراش يذهب هنا وفراش يذهب هناك، ثم بعد ذلك ينصبون حول الصوت، بمعنى: يذهبون حول الصوت. أول ما تأتي الفزعة ويخرجون من قبورهم -أو بعض العلم يقول: هذا قبل البعث، قبل الصَّعْق، عندما تحشرهم النار- فهم ينتشرون، كل واحد يذهب إلى مكان، لكن كلهم معًا؛ لأن النار تحشرهم. والمراد أنه كل واحد ما يدري إلى أين يذهب، فقط يخاف من النار التي تأتي بعده. يعني: خاف أن تلتهمه النار فيجري ولا يدري أين يجري. وهذه النار تأتي غالبًا للظلم. وأما أهل الإيمان فغالبًا يخرجون قبل أن تأتي النار. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يركب الرجل مع الرجل في بعير، والثلاثة في بعير، والأربعة في البعير، والعشرة في بعير». كلهم يخرجون، حتى كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، جاء في حديث عبد الله -المسعود-: «أن يقل الظهر معنا ما يجدون حتى الإبل يركبونها». فلذا تكون المجموعة في الإبل. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: «الثلاثة الأفواج»، ذكر منهم: «ناس راغبين راهبين». قالوا: وقسم: راغبين راهبين. منهم من يرغب في تلك الأماكن، وهي الشام؛ لأن أهل الإيمان يكونون هنا، فيسافر إليه ويذهب إليه، يرغب إليه. منهم راهب: أي يفر بدينه من الفتن، يخاف أن يفتن في هذه البلاد التي هو فيها، فيذهب إلى الشام؛ لأن قعر أهل الإيمان هناك. قعر أهل الإيمان في آخر الزمان يكونون في الشام. أي: مكان الإيمان يكونون في الشام. فلذا الناس يخرجون: «كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفَضُونَ». و «نُصُب»: معنى: كأنهم إلى شيء يسرعون إليه. لكنهم يسمعون الداعي فيستجيبون لهذا الداعي، ولهذا الصوت، فيجرون خلف هذا الصوت الذي يأتيهم، كما ذكر الله عز وجل. فهذا في الحشر يحصل كما ذكر الله عز وجل: «كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفَضُونَ». طيب. أيضًا قال هنا: معنى هذا أو الكلمات التي ذكرها. لكن ذكر أن زيد بن ثابت قرأها: «نُصُبًا»: «كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفَضُونَ». معنى: لأجل العبادة، يتعبدون الأنصاب أو الآلهة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى شكرًا.