الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 574، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث هذا الفصل عن ترجمة إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية، حافظ كبير وأحد مشايخ الإمام مسلم والنسائي، ويذكر بعض تفاصيل حياته وأبنائه وتلاميذه ومكانته العلمية. كان ابن علية من كبار الحفاظ والعلماء.
يشرح هذا الفصل معنى نسبة الشخص إلى غير نسبته الحقيقية، ثم ينتقل إلى شرح حديث صحيح رواه ابن ماجه والإمام أحمد عن شفاعة رجل من أمتي، ويبين معنى مصطلح الحديث الحسن الصحيح الغريب واختلاف العلماء في تفسيره. يوضح أهمية فهم هذه المصطلحات في الحديث النبوي.
يشرح هذا الفصل أهمية الشفاعة يوم القيامة، حيث يذكر أن رجلًا من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم سيدخل الجنة بشفاعته عددًا أكبر من قبيلة بني تميم، ويبين أن الشفاعة ثابتة وثابتة خاصة لأهل الكبائر، ويذكر أدلة من الأحاديث النبوية على ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند عبد الله بن أبي الجذعاء رضي الله عنه، وهو معدود في الشاميين من الصحابة الذين كانوا في الشام. قال الترمذي رحمه الله تعالى: والترمذي اسمه محمد بن عيسى بن سَوَيرة الترمذي البخاري، أن ترمذ تعتبر من بخارى، وتعتبر أيضًا كذلك من خراسان. قال: حدثنا أبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، وهو الحافظ الكبير، حافظ الحفاظة للبصرة، إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن مقسم، واشتهر بابن علية، يقال: إنها أمه، ويقال: جدته، لكنه كان يكره أن يقال له ابن علية. ولهذا بعض الحفاظ أو بعض العلماء -الشافعي وغيره- يقول: إسماعيل بن إبراهيم الذي يقال له ابن علية، وهذا من باب التعريف، ولو كان يكره، لكن إذا لم يُعرف إلا به فلا بأس. وقد استعمله أهل الحديث، فكانوا يجد بعضهم يكره اللقب، لكن يأتون به لأجل التعريف؛ لأن إسماعيل بن إبراهيم كثير، فلهذا يُعرفون به بابن علية. وله ثلاثة أبناء: محمد وعمر وإبراهيم. أما إبراهيم الكبير فهو جهمي ضال، خرج عن مسار أبيه، واتبع بعض مشايخه، وهو عبد الرحمن بن كيسان الأصم، كان جهميًا على طريقة جهم، فتبعه إبراهيم وأخذ طريقته، وترك طريقة أباه، طريقة أبيه. وأما محمد وعمر فهما من مشايخ الإمام مسلم، وكذلك النسائي. قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، وكان حافظًا كبيرًا، حتى كان أهل الكوفة يقولون لأهل البصرة: هاتوا حفاظكم، ونأتي بحفاظنا، وجنبوا إسماعيل بن إبراهيم، أي: لا تقولوا إسماعيل بن إبراهيم. وجاء أيضًا بعضها قالوا: جنبوا إسماعيل بن إبراهيم وحماد بن زيد، أي: أنكم عندكم حفاظ، وعندنا حفاظ. وهذا لكثرة العلم، كثرة الحفظ، أو كثرة أهل العلم وحفاظهم في ذلك الزمان. أما في زمن أتباع التابعين، اشتهرت -اشتهرت- الكوفة والبصرة بالعلم، حتى صارت أفضل بين المدينة ومكة. ولهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز». أي: لو لا أن مالكًا كان في المدينة، وسفيان بن عيينة في مكة لذهب علم الحجاز. لماذا؟ لأن الناس توجهوا إلى البصرة والكوفة، فصار أكثر الحفاظ هناك، وتعقد المجالس الكبيرة في البصرة والكوفة. فلهذا كان أهل الكوفة يقولون لأهل البصرة: سموا حفاظكم، ولنسمي حفاظنا، وجنبوا إسماعيل بن إبراهيم، أي: إسماعيل بن إبراهيم لا تُبخلوا به. قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء، خالد الحذاء هو أبو المنازل، وقيل له حداء، ليس لأجل أنه كان يصنع الأحدية، وإنما قيل له حداء لأنه كان يجلس إلى الحدائين. وهذا مما يذكره أهل الحديث فيمن نُسب إلى غير نسبته، أنا نُسب إلى شيء بعيد، وهو حداء، ليس لأجل أنه من الحدائين أو من من يصنع الحداء، وإنما كان يجلس عنده. وأيضًا كذلك أبو مسعود البدري -الصحابي عقبة بن عمرو- قيل له بدري، ليس أنه شهد بدرًا، فهو لم يشهد بدرًا، لكنه سكن بدرًا، فقيل له بدري. فهذا فيه نسبة إلى غير ما هو ظاهر؛ لأن إذا قيل للشخص بدري فمعنى أنه شهد بدرًا، لكن قيل لأبي مسعود البدري لأنه كان يسكن بدرًا. قال: أن خالد الحذاء عن عبد الله بن الشقيق قال: كنت مع رهط بإيلياء -إيلياء معنى فلسطين- فقال رجل منهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يدخل الجنة لشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم». قيل: يا رسول الله، سواك؟ قال: «سواء». هل هناك رجل غيره؟ قال: «سواء». فلما قام قلت: من هذا؟ قالوا: هذا ابن أبي الجذعاء. قال الشيخ: هذا حديث، أو قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وهذه الألفاظ قد اختلف العلماء فيها، وما الذي يقصد به بقول: حسن صحيح غريب؟ فالضابط الذي عول عليه العلماء أن الغريب لأنه بإسناد واحد، وحسن وصحيح هذه التي شكّلت. إما أنه كما قال الحافظ: أنه كثيرًا يشرب الحسن بالصحة، ويشرب الصحة بالحسن. وإما كما قال الحافظ ابن حجر: أنه إذا كان بإسنادين فأحدهما إسناد حسن، صحيح، قال: حسن صحيح. وهذا في منزل أكبر، هذا إذا تبين بإسنادين. وإذا تبين أنه بإسناد واحد فهو من باب الشك، فهو من باب الشك، معناه: أنه حسن وصحيح، لكن هذا الإسناد الذي ذكره إسناد الصحيحين، معناه: إسناد في قمة الصحة، فهو حسن صحيح، معناه: أنه في مرتبة الصحة أو أكثر. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيح على شرط مسلم. الحديث رواه ابن ماجه، والإمام أحمد. وقال الإمام أحمد: ... . قال الحافظ المزي في «تحفة الأشراف»: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، منهم سفيان الثوري، وبشر بن المفضل، وعبد الوهاب الثقفي، ويزيد بن زريع، وعلي بن عاصم، أي: الواسطي أولًا، كلهم رواه عن خالد الحذاء. قال: وخرجه أيضًا الدارمي، فقال رحمه الله: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا وهيب عن خالد به. أي: وهيب أيضًا من حفاظ البصرة، هؤلاء أكثرهم من حفاظ البصرة، وبعضهم من حفاظ أهل الكوفة، سفيان الثوري، وكذلك بشر بن المفضل أولًا من أهل الكوفة، وعبد الوهاب ويزيد من أهل البصرة، وعلي بن عاصم من أهل واسط، وهيب من أهل البصرة. قال: وخرجه أبو يعلى، فقال: حدثنا صالح بن حاتم بن وردان، قال: حدثنا يزيد بن زريع، وهو أبو خالد البصري، قال: حدثني خالد الحذاء به. طيب، هذا الحديث فيه كرامة عظيمة لرجل من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر من هذا الرجل، لكنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك من أمته من يدخل الجنة بشفاعته أناس مثل أو أكثر من بني تميم. بني تميم تعتبر من أكبر القبائل، قبائل العرب، وأكبرها انتشارًا إلى الآن، أنا أكبر من أكبر القبائل التي انتشرت قديمًا وحديثًا، أنا إلى الآن بني تميم تجد أنهم منتشرون جدًا. وهم قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أشد الناس على الدجال. بني تميم وهم -كما قلنا- من العرب من أكثر القبائل العربية، إلا أنه يدخل بسبب شفاعة رجل أكثر منهم. وهذا يدل على أن الله عز وجل يشفع الرجل الواحد يشفعه في أمة عظيمة. وذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الشهيد يشفع لسبعين من أهله، أن الشهيد يشفع بسبعين من أهله. ولا شك أن الصديق سيكون أكثر منه؛ لأنه أفضل وأرفع درجة منه. فهذا الرجل يعتبر من الصديقين الذي يدخل الجنة بشفاعته، أو يدخل الجنة بشفاعته أكثر من بني تميم. وهذا دليل من الأدلة المتكاثرة لأهل السنة أن الشفاعة واردة وثابتة يوم القيامة. وأن الرجل الواحد أيضًا استحقها، أو تكون لمن عنده ذنوب ومعاصي؛ لأن الذي ليس عنده ذنوب ومعاصي لا يحتاج إلى الشفاعة، لا يحتاج إلى الشفاعة إلا في رفع درجاته. لكن هنا هذه الشفاعة في دخول الجنة دل على أن عنده هناك ذنوب منعته من دخول الجنة، فجاءت الشفاعة وأدخلته الجنة. وقد جاء في الصحيحين وغيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر -كما في حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس- أنه: ناسًا يخرجون بالشفاعة من النار، وقد امتحشوا، أن صاروا حممًا، صاروا مثل الصخرة من حرقهم في النار، ثم يخرجون إلى الجنة، فيغمسون في ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فثم يدخلون الجنة. وأيضًا كذلك يخرج بالشفاعة أناس لم يعملوا خيرًا قط، أي: ما عرفوا بالخير. في حديث أنس يقول الله عز وجل: «شفعَت الملائكة، وشفعَت الأنبياء، وشفع الصالحون، فما بقيت إلا شفاعة أرحم الراحمين جل وعلا». فما بقيت إلا شفاعة أرحم الراحمين، فيأخذ رب العزة جل وعلا قبضة من أهل النار، فيقول: «يخرجهم من النار لم يعملوا خيرًا قط»، لم يعملوا خيرًا قط، فيدخلهم الجنة. ومعنى لم يعملوا خيرًا قط -على الصحيح من تفسير العلماء- أنهم ما عرفوا بالخير، ما عرفوا بالعمل الصالح، ما عرفوا إلا بالشر، ما عرفوا إلا بالشر. فلهذا فالشفاعة ثابتة، وخاصة التي أنكرها المعتزلة والجهمية، وهي الشفاعة لأهل الكبائر. وقد جاء في الترمذي أن النبي -حديث أبي هريرة- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. فالشفاعة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواتر. وقد ألف العلماء في شفاعة، ومن ألف شيخنا مقبل من هذا الوادي، ألف كتابًا في حديث الشفاعة. فهذا شيء مما يذكر بهذا الحديث. سنكتفي به، والله تعالى أعلم. شفاعة، شفاعة، ثم شفاعة، شفاعة، شفاعة.