الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 576

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 576

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 576، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

غزوة مؤتة وأحداثها العسكرية

كانت غزوة مؤتة أول غزوة للمسلمين ضد الروم، تولاها ثلاثة أمراء متتاليين قبل أن يتولاها خالد بن الوليد الذي أنقذ الجيش بخدعته. أثنى النبي على الشهداء الثلاثة وعلى خالد بن الوليد ووصفه بأنه سيف من سيوف الله.

تعزية النبي لآل جعفر ومواساته لهم

عزى النبي صلى الله عليه وسلم آل جعفر بعد وفاته، وأمرهم بعدم البكاء عليه، واهتم بابني أخيه عبد الله ومحمد، وأثنى على تشابه عبد الله معه في الخَلق والخُلق. أوضح أن التعزية لا تقتصر على فترة معينة.

دعاء النبي لعبد الله بن جعفر وبركته له وتوضيح أجر المهاجرين

دعا النبي لعبد الله بن جعفر بالبركة في ماله وصفقة يمينه، مما جعله تاجرا موفقا. وأخبر أن أهل السفينة الذين هاجروا إلى الحبشة لهم أجران، أجر الهجرة وأجر الصبر.

  • 15 جمادى الآخرة 1445هـ - 27/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله: المسند عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما، قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا وهب بن جرير، وهب بن جرير بن حازم البصري، قال: حدثنا أبي، وهو أبو وهب جرير بن حازم، قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد، وهو مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن جعفر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة، وهذا الجيش هو في غزوة مؤتة، غزوة مؤتة وهي أول غزوة يغزو المسلمون الروم، أنا أول غزوة يقاتلون فيها الروم. فبعث النبي عليه الصلاة والسلام جيشا إلى أطراف الشام، قال: فاستعمل عليهم زيد بن حارثة، فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة. قال: فلقوا العدو، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه. وأتى خبرهم النبي عليه الصلاة والسلام، أنا فتح الله عز وجل عليه، أي أنه لم ينتصر عليهم ويهزمهم، وإنما أخرج هذا الجيش من ذلك الجيش العظيم، جيش الروم، أخرجهم بخسائر كثيرة، أنا خسر أشياء وقتل كثير، أنا صار القتل فيهم حتى أن خالدا قال: قاتلت حتى انقطع علي ثمانية أسياف، فما كان معي إلا صفيحة يمانية، الأسياف كلها منكسرة من كثرة القتل في الروم. ثم لما رأى خالد أنهم كثير ولا يستطاع قتل هذا العدد الكبير، فعمل حيلة وأوهم العدو أنهم، أي أن أهل الإسلام قد تلقوا معونة من إخوانهم، معنى كأنه جاء جيش آخر، فأوهمهم بذلك، فرجع كأنه يتلقى الجيش الآخر، ثم خرج رضي الله تعالى عنه من مكان المعركة دون أن تكون هناك خسائر بعد ذلك، لأن الأمراء كلهم قتل، قتل زيد، وقتل جعفر، وقتل كذلك عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنهم، استشهدوا في مؤتة. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة بموتهم، جاءه الوحي فأخبره بموتهم رضي الله تعالى عنهم. قال: فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه. وأما ما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره أن الجيش جيش خالد، أي بعد موت، لما جاءوا إلى المدينة، فقال بعض القوم: جاء الفرارون، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل جاء الكرارون». هذا الحديث في إسناده ضعف، وإلا فهو صحيح، النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على خالد، فقال: ثم أخذ الراية سيف، قال: سيف الله ورسوله. وجاء في رواية: سيف من سيوف الله، فأخذ الراية خالد بن الوليد، فنجى الله عز وجل به أهل الإسلام. قال: ففتح الله عليه، وأتى خبره النبي عليه الصلاة والسلام، فخرج إلى الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده». وجاء في بعض الروايات معنا من حديث غير عبد الله بن جعفر، أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: فاستشهد زيد فاستغفر له، ثم أخذ الراية جعفر فاستشهد فاستغفر له، أن أمر الناس بالاستغفار لهم، فلا بأس أن الإنسان المسلم أن يقول: استغفر له، أو استغفر له، هذا ما في شيء، النبي صلى الله عليه وسلم قاله، قالها في قتل، أو في من استشهد في موته. قال: ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، قال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه. فأمهل ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، وهذا الحديث أصله في صحيح مسلم، وأن بعضهم أوجد في صحيح مسلم لما أمهل النبي صلى الله عليه وسلم آل جعفر بعد موته، أمهلهم ثلاثا، قال: ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابني أخي». واستدل أيضا كثير من العلماء بهذا الحديث على أنه لا بأس أن الإنسان يعزي أخاه بعد ثلاث، لأنه اشتهر عند كثير من الناس أن التعزية تكون في الثلاثة الأيام الأولى، وهذا خطأ، ليس هناك ما يدل على هذا أبدا، ليس هناك ما يدل على أن التعزية تكون ثلاثة أيام، وإنما التعزية مفتوحة، فأي وقت يرى هذا الذي مات عليه الميت، فإنه يعزيه. وقد جاء في الحديث: حديث عبد الله بن عمر «من عزى مصابا فله مثل أجره»، فلهذا فيعزيه ولو بعد فترة، ولو بعد حين، المهم أنه متى ما لقيه يعزيه ويواسيه. فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء بعد ثلاث وعزى آل جعفر، وأيضا واساهم، وواسى امرأته أسماء بنت عميس، ولم يدخل البيت، وإنما دعاهم حتى جاءوا إليه، قال: فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابني أخي». وجاء في الحديث: العيلة التخافين عليهم، العيلة معنى الفقر، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة، معنى العيلة معنى الفقر، معنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس زوجة جعفر، ووالدة عبد الله بن جعفر ومحمد، وكذلك والدة أيضا محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم جميعا، لأن أبا بكر الصديق تزوج أسماء بعد أن مات جعفر، وبعد أن مات الصديق رضي الله تعالى عنه تزوجها علي، تزوجها علي بن أبي طالب، ولهذا تربى محمد بن أبي بكر الصديق تربى عند علي بن أبي طالب، وهو أخو جعفر، أخو عبد الله بن جعفر ومحمد من أمهم. قال: فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابني أخي»، قال: فجيء بأبني، كأن أفرخ، الأفرخ معنى جمع فرخ، والمراد به ابن أو ولد الدجاجة، فقال: ادعوا لي الحلاق، فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا. ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي»، فأنا يشبه خلقي، أي يشبه النبي صلى الله عليه وسلم في خلقه، وكذلك أيضا يشبه في أخلاقه، ولهذا كما ذكرنا قبل الأمس أن عبد الله بن جعفر كان فيه أخلاق عظيمة، أخلاق عظيمة قد لا توجد إلا في الأنبياء، من كثرة الكرم والسخاء. ولهذا اختلف كما ذكر الجاحظ في البيان أو في غيره، ذكر أن العرب اختلفوا: أيهم أكرم العرب، هل عبد الله بن جعفر أم الحسن بن علي أم عرابة الأوسي؟ عرابة الأوسي معنا، قالوا: من هو أكرم العرب فيهم؟ ثم ذكروا لهم أشياء من العجائب في العطاء والكرم والسخاء. وذكر الجاحظ أن أوسي العرابي معنا كان أكرم في هذه القصص التي ذكرت، لكن القصة لا تدل على أنه أكرم من الآخر، أن كان فيهم كرم عظيم وسخاء، يعطون ما عندهم، حتى أن عبد الله بن جعفر لما سأله رجل وكان معه ناقة، فأعطاه الناقة، لم يكن معه شيء، فأعطاه الناقة وأعطاه ما معه من المال. وهكذا الحسن كان أيضا من خيرة الناس ومن أكرم الناس. فقال: «وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي». وهذه أيضا قد قالها النبي صلى الله عليه وسلم في أبيه، فكما في الصحيحين لما تخاصموا على بنت حمزة، كل واحد يريد، فمعنى تخاصم علي وجعفر وزيد بن حارثة، فزيد قال: هي بنت أخي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين زيد وحمزة، وعلي قال: هي بنت عمي، وقال جعفر: هي بنت عمي وخالتها عندي، ثم أثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وذكر في جعفر أنه قال: «أما جعفر فقد أشبه خلقي وخلقي»، فدل على أن جعفر أيضا خلقه كان مثل النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يشبه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أخلاقه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي»، ثم أخذ بيدي فأشالها، فقال: «اللهم أخلف جعفرا في أهله»، أنا أخلف له معنى أخلف له الخير، فقال: «اللهم أخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه»، قالها ثلاثة مرار، لهذا كان عبد الله بن جعفر تاجرا موفقا، وكان يتاجر ويكسب كثيرا، ويعطي عطاء من هذا المال، فجعله الله عز وجل يكتسب من المال، وكذلك يعطي ما لا يحصى من المال من كرمه وسخائه. قال: «اللهم أخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه»، وأن بصر سلم، دعا خاصة لعبد الله، قالها ثلاثة مرار. قال: فجاءت أمنا، فذكرت له يتم أبنائهم، هي أسماء بنت عميس رضي الله عنها، البحرية التي هاجرت إلى الحبشة. لما دخل عمر رضي الله عنه بعد أن جاء جعفر ومن معه من الحبشة، فدخل عمر على حفصة، فوجد عندها امرأة، فقال: من هذه عندك يا حفصة؟ قالت: هذه أسماء بنت عميس، قال: الحبشية هذه، البحرية هذه، عن هذه التي جاءت من الحبشة، وجاءت من البحر. ثم قال عمر رضي الله عنه: «نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم»، فغضبت أسماء بنت عميس، وقالت: لا يا عمر، كنتم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويكسي عاريكم، وذكرت له أشياء عظيمة، ونحن في أرض البعداء، وإني سأذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أخبره بما قلت، وما قالت، فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبرته بما قال عمر، وما قالت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل أهل السفينة لهم أجران»، قال: بل أهل السفينة لهم أجران، معنى أجر الهجرة، وأجر أيضا كذلك أنهم ببعداء، معنى في أرض بعيدة، ويثبتهم الله عز وجل على دينه. قال أبو موسى رضي الله عنه: ورواه الحديث الصحيحين، فقال: كنا نأتي، كان الأشعريون يأتون أسماء يسألونها عن هذا الحديث، يسألون عن هذا الحديث، لأن الأشعريين جاءوا مع جعفر في السفينة. فقال: فجاءت أمنا، فذكرت له يتم أبنائهم، وأبوهم مات، قال: وجعلت تفرح له، أنا كأنها تكلمه بهذا، وكأنها تشتكي من هذا الأمر، معنى كيف من الذي سيعولهم وهم صغار، وأبوهم قد استشهد. فقال صلى الله عليه وسلم: «العيلة تخافين عليهم؟ العيلة» كما قلنا الفقر، قال: «العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة». ولهذا تربوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بأبناء جعفر رضي الله تعالى عنهما وعنهم. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وقال أبو داود: حدثنا عقبة بن مكرم وابن المثنى، وهما بصريان، قال: أخبرنا وهب بن جرير، قال: أخبرنا أبي، قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم، أنا أتاهم في اليوم الرابع، فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم»، ثم قال: «ادعوا لي ابني أخي»، فجيء بنا كأن أفرخ، فقال: «ادعوا لي الحلاق»، فأمره فحلق رؤوسنا. أنا هنا عقبة بن مكرم وابن المثنى اختصرا الحديث، وروى الإمام مسلم بهذا الحديث بطوله.