الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 578

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 578

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 578، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث عبد الله بن الحارث

يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديث عبد الله بن الحارث بن جزء حول مشهد لرجلين يمران على قريش وهم عراة، فيغضب النبي ويوبخهم. الحديث يدل على أهمية الحياء من الله ورسوله.

أهمية الحياء وستر العورات في الإسلام

النبي عليه الصلاة والسلام أنكر على الناس كشف عوراتهم دون حياء، مشيرًا إلى أهمية ستر العورات والحفاظ على الحواس من المحرمات، خاصة عند النساء. الحياء من الله يقتضي تجنب المحرمات.

تطبيق الحياء من الله في الحياة اليومية

يجب على المسلم أن يتجنب أكل الحرام ويحفظ عورته، ويستحي من الله حتى في خلوته، مع التركيز على أهمية الستر والحياء في جميع الأحوال.

استكمال الشرح حول استغفار النبي للمذنبين

يشرح المقطع رواية تتعلق بعدم استغفار النبي لمن يظهرون الذنوب، ويبين معاني الأحاديث ذات الصلة بهذا الموضوع، موضحًا موقف النبي من المذنبين.

  • 15 جمادى الآخرة 1445هـ - 27/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه، وعبد الله بن الحارث يعتبر من صغار الصحابة رضي الله تعالى عنه، وهو يعتبر من عداد المصريين. وكان من أصحاب الصفة. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا هارون -هارون هو ابن حمال- قال: حدثنا عبد الله بن وهب -عبد الله بن وهب المصري الملقب بديوان العلم، أخذ السنة من مالك، كذلك نشر مذهب مالك في مصر- قال: حدثنا عمر -وهو ابن الحارث المصري، وهو حافظ من حفاظ أهل مصر- أن سليمان بن زياد الحضرمي -وهو أيضًا مصري، فأنا من الحضارم من الذين جلسوا في مصر، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل كثيرًا من الحضارميين، مع أن أرسلهم إلى عمر بن العاص، لما جاء وفد الحضارميين أرسلهم إلى عمر في مصر، فكانوا هناك- قال: حدثه أن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: حدثه أنه مر وصاحب له بأيمن -أظنه أيمن ابن أم أيمن الحبشية حاضنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانت أمة لعبد المطلب، وهي التي حضنت النبي عليه الصلاة والسلام وربته، وزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أبي أيمن، زوجها بزيد بن حارثة، ولدت له أسامة- فقال: أنه مر وصاحب له بأيمن وفئة من قريش قد حلوا أزرهم، فجعلوها مخاريق يجتلدون بها وهم عراة. قال عبد الله: فلما مرنا بهم، قالوا: إن هؤلاء قسيسون، فدعوهم. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج عليهم، فلما أبصروه تبددوا -معنى كانوا عراة، وهذه العادة كانت عند قريش أو عند العرب، إذا أرادوا أن يعملوا شيئًا، يخرجون أزرهم ويجعلونها على أعناقهم أو أنهم يربطونها في رؤوسهم ثم يعملوا، يكونون عراة-. وقد حصل ذلك، أورد بعض أهل السيرة -وإن كان في أسانيدها ضعف- أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن ينقل الحجارة -حجارة الكعبة- قال أبو طالب للنبي عليه الصلاة والسلام: ضع إزارك على كتفك، فلما أراد أن يفعل خر مغشيًا عليه -أي أراد أن يفعل مثل الشباب، يخرجون أرضيتهم وأزرهم ويضعونها على أكتافهم- قال: فخر مغشيًا عليه، فلم تر عورته بعد ذلك. لكن هذا في أسانيدها ضعف، لكن ذكرها ابن إسحاق في السيرة. فكانت الظاهر عندهم عادة يفعلون هذا. قال: فلما مرنا بهم، قالوا: إن هؤلاء قسيسون، فدعوهم -على الظاهر كانوا يعرفون قسس النصارى- فلما رأوا النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه، قالوا: هؤلاء قسيسون. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج عليهم، وهم يعرفون خاصة أيمن ابن أم أيمن الحبشية -يقال أن اسمها بركة- فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبصروه تبددوا، معنى كأنهم استحوا قليلًا، لكن لم يلبسوا أزرهم، وإنما حصل لهم شيء من الاتجاع. قال: فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مغضبًا حتى دخل، وكنت أنا وراء الحجرة، فسمعته يقول: «سبحان الله، لا من الله استحيوا ولا من رسوله استتروا». وأم أيمن عنده تقول: استغفر لهم يا رسول الله. قال عبد الله: فبأي شيء استغفر لهم؟ قال عبد الله: وسمعته -أنا من هارون- عبد الله بن أحمد يقول أيضًا: سمعت هذا الحديث من هارون بن حمال -أو أقصد بن معروف، فهو روى هذا الحديث عن عبد الله بن وهب- هارون بن معروف، وليس ابن حمال، عن حمال، جدة فيقال: أحيانًا هارون بن حمال. قال: هذا حديث صحيح. وقد أخرجه أبو يعلى، فقال: حدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمر به. وفيه أنه مر وصاحب له بأم أيمن وفتية. وفيه أيضًا: فبأبي ما استغفر لهم. قال: وأخرجه البزار في كشف الأستار من طريق ابن لهيعة عن سليمان بن زياد الحضرمي به. وابن لهيعة متابع، تابعه عمر بن الحارث. فعند أحمد وأبي يعلى كما ترى. طيب هذا الحديث، النبي عليه الصلاة والسلام أنكر على هؤلاء أنهم كشفوا عوراتهم ولم يستحيوا من الله جل وعلا ولا من رسوله. وأراد عليه الصلاة والسلام أنهم استحيوا من الناس، أي أنهم كاشفين عوراتهم عند الناس. وهذا يدل على عدم حيائهم. وقد جاء في الحديث: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». لا شك أن من يظهر عورته عند الناس فليس فيه حياء. وخاصة يكمل الحياء عند العورات، كلما كان الإنسان يحب ستر عورته، كلما كان أكمل حياء من غيره. وخاصة في النساء، كلما كانت المرأة تستر عورتها وتستر ما يفتن منها، كانت أكمل من غيرها في الحياء. معنى أن بعض النساء -مثلًا- تجدها تتوسع -مثلًا- في كلامها مع الرجال، وأيضًا إذا خرجت يرى شيء من عورتها -من عورتها- من يديها، من رجليها، من كذا، فكل ذلك يدل على أن الحياء يخف عند هذه المرأة. لكن إذا كانت ابتعدت عن الرجال، وأيضًا حافظت على عورتها أن لا يراها أحد أو أن يرى شيئًا منها، فإنها أكمل حياء. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله، لا من الله استحيوا». وقد جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام -حديث عبد الله بن مسعود، وهو حديث حسن- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «استحيوا من الله». فقالوا: يا رسول الله، إنا لن نستحي من الله. قال: «من استحى من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليحذر البلى والموت» -أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- أو قال: «وليذكر البلى والموت». البلى: القبر، البلى الذي تبلى فيه العظام وتذهب، والموت يتذكر هذا. فهذا أشد الناس حياء، أنه قال: أن يحفظ الرأس وما حواه -ما حواه الرأس من العينين، وأيضًا كذلك الأذنين واللسان وغيرها من هذه الحواس التي يجب أن يحافظ عليها العبد المسلم- فإن حافظ عليها، فهو قد حفظ الله عز وجل فيها، فيستحي من الله عز وجل أن يراه ينظر إلى ما حرم الله، يستحي من الله عز وجل أن يراه يسمع ما حرم الله، أيضًا يستحي من الله عز وجل أن يراه الله عز وجل وهو يتكلم في الحرام ويأتي، وأيضًا يتكلم بما يغضب الله عز وجل، وأيضًا كذلك في غيرها من الحواس، فإنه يراقب الله عز وجل في حواسه. فهذا قالوا: يحفظ البطن وما وعى، هذا البطن هذا الوعاء لابد أن يحفظه، ويحفظه من ماذا؟ من أكل الحرام، أنه لا يأكل حرامًا، لا يأكل حرامًا، يستحي من الله عز وجل أن يراه يأكل من الحرام مما لم يحل الله عز وجل له، سواء كان من باب الكسب أنه يكسب الحرام، أو يأكل ما حرمه الله عز وجل عليه من ما غصبه أو سرقه أو أخذه بطريقة غير صحيحة -من الرشوة- وكذلك أخذه من أكل أموال الناس بالباطل، بالغصب وغيرها من هذه الأمور التي يكون فيها الأكل الحرام. فقال: وأن يحفظ البطن وما وعى، ويذكر البلاء والموت، يذكر الموت والبلاء، يذكر الموت يتذكر أنه ميت، وأيضًا أنه سيوضع في ذلك القبر، فهذا هو الذي يستحي من الله حق الحياء. فإذا ذهب شيء من هذه الأمور، فإنه ينقص من الحياء. وكذلك أيضًا كما قلنا: مراقبة الله عز وجل في العورات، فإنه أيضًا من أعظم أبواب الحياء، كلما كان الإنسان أستر لعورته، كان أقرب إلى الله عز وجل، وأيضًا أكثر استحياءًا من الله. وأما الحديث الذي جاء -حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده- في قول النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ ما نأتي منها وما نذر؟ معنى: ماذا الذي نكشف من عوراتنا وماذا الذي نستر؟ عوراتنا يا رسول الله ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك». قال: «احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك» -أي لا يجوز لك أن تري عورتك إلا لزوجتك أو ما ملكت يمينك، إلا ما اضطر إليه الإنسان من علاج أو غيره-. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت أيمانك». فقال هذا الرجل: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم مع بعض؟ فقال: «إن استطعت أن لا يرينها أحد فافعل». وجاء في بعض الروايات أنه قال: «فلا يرينها أحد». وذكر أنه إذا كان خاليًا، فقال: «الله أحق أن يستحي منه». الله أحق أن يستحي منه. لكن هذا الحديث خرج على مسألة كمال الحياء، الذي حتى فيما يكون فيه مباحًا، أنه إذا كان الإنسان خاليًا، فكشف عورته بينه وبين نفسه -مثلًا- في الحمام يغتسل أو غيره، فهذا جائز، لكن من كمال الحياء أنه لا يفعل. لهذا كان بعض السلف يستحي أن يكشف عورته حتى في الحمام، كما جاء عن نبي موسى الأشعري وغيره. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الله أحق أن يستحي منه». ثم قال: لما قيل له: يا رسول الله، القوم يكون بعضهم مع بعض؟ قال: «إن استطعت أن لا يريها أحد فافعل». يعني: حاول بقدر الإمكان أنك لا تمكن أحدًا يرى عورتك. صحيح أن الناس في مجالسهم غالبًا، وخاصة إذا كانت مثل ما كان عليه الصحابة -الأزر قصيرة وضيقة- فقد يلتفت الإنسان فيرى عورة غيره، فهذا من غير تعمد، لكن الإنسان يحرص إذا كان في مجلس أن يحرص أن لا يرى عورته أحد، أن لا يرى عورته أحد، وهذا من كمال الحياء. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى هؤلاء الفتية من قريش كانوا عراة، فقال: «لا من الله استحيوا ولا من رسوله استتر». ولما قالت له أم أيمن -بركة الحبشية- قالت له: يا رسول الله، استغفر لهم. قال: فبأي شيء استغفر لهم؟ وجاء في بعض الروايات: «فأبي ما استغفر لهم»، أي لم يستغفر لهم النبي عليه الصلاة والسلام، إما لأنهم مجاهرون، أو أنهم لم يدخلوا الإسلام بعد، والله أعلم، فقد يكون هذا، وقد يكون هذا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا من الله استحيوا ولا من رسوله». قال عبد الله بن الحارث: قال: وكنت في الحجرة -أو كنت قريب الحجرة- فسمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا من الله استحيوا ولا من رسوله استتروا». طيب هذا ما يدل عليه هذا الحديث، والله أعلم.