الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 572، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُشدد على أهمية ذكر الله في حياة المسلم، حيث يُعد من أعظم العبادات وأسهلها. الإكثار من ذكر الله خير من العديد من الأعمال الصالحة الأخرى.
ذكر الله يشمل جميع العبادات والدعاء والإيمان بقضاء الله وقدره، ويشمل الذكر بالقلب واللسان. أفضل الذكر ما تواطأ عليه اللسان والقلب.
الذكر لله يشمل الذكر باللسان والقلب وبث العلم ودعوة الناس إلى الخير. كثرة الذكر لا تعتبر رياء إذا ظهرت على اللسان، لكن قد يكون فيها خدش في اعتقاد الشخص إذا تركت الأعمال لأجل الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: قال حدثنا أبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، قال: أخبرنا زيد بن حباب، وهو بن حسين العقلي الكوفي، عن معاوية بن صالح، وهو الحمصي، عن عمر بن قيس، وعمر بن قيس - الله أعلم - قد يكون الملائي، قد يكون غيره، فمن حفاظها الكوفة عمر بن قيس الملائي، قال: عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله». قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، والحديث أخرجه ابن ماجه. وهذا الحديث قد ذكره الإمام النووي رحمه الله في الأربعين، وفي فضيلة ذكر الله جل وعلا، وأنه من أعظم الأمور التي من تمسك بها بلغ درجات عظيمة، ومن أكثر منها - أي في ذكر الله جل وعلا - صار من أهل مغفرة الله جل وعلا، وممن يعطيهم الله عز وجل أجرًا عظيمًا. والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا. وأيضًا جاء في حديث أبي الدرداء وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا أدلكم على ما هو خير لكم من الصلاة والصيام والصدقة، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق - أي الفضة - وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «ذكر الله». فذكر الله من أجل العبادات وأسهلها - أي أسهلها معنى أنها لا تأخذ عناء من الشخص - لكن لا يوفق لذلك إلا من وفقه الله عز وجل. ولأن من أحب شيئًا أكثر من ذكره، فالذي يحب الله عز وجل يكثر من ذكره. ولهذا فهذه الخصلة العظيمة - وهو الإكثار من ذكر الله - حتى يترطب اللسان به، حتى تكون له سجية، أو عادة، أو كأنها عادة له، فتجده يذكر الله عز وجل دائمًا في سره وفي خلوته وجلوته. ولا شك أن ذكر الله عز وجل - ما هذه العبادات العظيمة من الصلاة وغيرها - إلا شرعة لذكر الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وقال في صحيح مسلم: «ما أنزلت - ما أنزلت - ما شرع، أو قال: ما أنزلت، أو قال معنى يريد - أنه ما شرع الله عز وجل الصلاة والزكاة إلا لذكر الله - لذكره جل وعلا». فلهذا فهذه العبادات هي ذكر الله، والذكر يدخل فيه جميع العبادات، ويدخل فيها أيضًا الدعاء - الدعاء يعتبر من الذكر - سواء كان دعاء العبادة أو دعاء المسألة. وأيضًا يدخل فيه أشياء كثيرة تعتبر من ذكر الله جل وعلا. وفي قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، فالمراد - كما ذكر الشراح للآية أو المفسر للآية - أن الذكر هنا يراد به عدة أشياء. فقد يراد بالذكر هنا هو الإيمان بقضاء الله وقدره، هذا يعتبر ذكرًا تطمئن به النفوس، إذا علم الإنسان أن هذا مقدر عليه وأنه قضاه الله عز وجل اطمأنت نفسه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي قال مجاهد: الرجل تصيبه المصيبة فيرضى بقضاء الله عز وجل. وأيضًا من ذكر الله عز وجل الذي تطمئن إليه النفس أيضًا ذكر الله عز وجل في القلب - ذكر العبد ربه جل وعلا في قلبه - سواء كان ذكره في وقت المعصية أو ذكره بالتذكر بالله جل وعلا، وأن الله عز وجل مطلع عليه، وأن الله عز وجل معه، فيكون قلبه حيًّا بذكر الله جل وعلا، هذا أيضًا يعتبر ذكرًا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، فذكر الله - أي ذكروه بالخوف - بالخوف من عذابه جل وعلا، خاف الله عز وجل في ذلك الموقف، فهو ذكر الله. وكذلك أيضًا الذكر باللسان، وأفضل الذكر الذي يكون باللسان ما تواطأ عليه اللسان والقلب - ما تواطأ عليه اللسان والقلب - ذكر الله بالكلمات العظيمة، خير الكلام: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. قال النبي عليه الصلاة والسلام - كما في صحيح مسلم -: «لا يضرك بأيهن ابتدأت». فهذا أيضًا من ذكر الله جل وعلا، وهو ذكر الله عز وجل بالثناء عليه سبحانه وتعالى. وكذلك مع مواطأة القلب هذا أعظم، كما قال: «أعظم الذكر الذي يكون باللسان إذا تواطأ مع القلب». وأما ذكر الله بدون وعي من القلب، فهو يؤجر الإنسان على ذكر الله، لكن ليس مثل الذي يكون حاضر قلبه، فهذا حقيقة الذكر - أن الإنسان يذكر ربه بلسانه وبقلبه - يذكر ربه بلسانه وقلبه. فهذا أيضًا من الذكر لله جل وعلا، ومن الذكر لله عز وجل أيضًا دعوة الناس إلى الخير، وتذكير الناس بالخير والعلم، بث العلم، وأيضًا قراءة القرآن - وهو أعظم الذكر - قراءة القرآن، وغيرها من هذه الأذكار. فبث العلم أيضًا من ذكر الله جل وعلا، كما جاء ذلك في الآيات والأحاديث. وقال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فدعوة الناس إلى الخير أيضًا تعتبر ذكرًا لله جل وعلا، يذكر العبد الناس بالله عز وجل. وقد جاء في الحديث القدسي - حديث أبي هريرة - أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: قال الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». وهذا باب الذكر باب عظيم، وأيضًا فروعه كثيرة. لكن هذا شيء مما يذكر في هذا المقام معنا حتى لا يتوهم الإنسان أن ذكر الله عز وجل مختص فقط بالذكر باللسان، لا، فالمراد فيه جميع هذا. لكن هنا في هذا الحديث أراد ذكر اللسان خاصة، لأنه قال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله». وغالبًا ما يكون المسلم يذكر الله عز وجل كثيرًا بلسانه، إلا وهو قد حقق جميع الذكر، وما خرج هذا الذكر بلسانه كثيرًا إلا وهو يذكر ربه جل وعلا بقلبه، وأيضًا تعظيم الله عز وجل في قلبه، ومحبة الله جل وعلا في قلبه. فهذا ما يوفق إليه إلا من وفقه الله عز وجل بهذا. وأما الحديث المشهور عند أهل التصوف: «اذكر الله حتى يقول الناس أنك مجنون»، لا يصح، وإن كان بعض العلماء يرى أنه معناه صحيح، بسبب أن الإنسان إذا كان دائمًا يتمتم يراه الناس أنه فيه سحر أو فيه جنون أو فيه كذا. لكن الشخص الغالب إذا أراد أن يذكر الله عز وجل يحاول أن يخفي ذكره، وخاصة في الأشياء التي تخفى مثل «لا إله إلا الله» وغيرها. وإن كان مثلًا كثير الذكر وظهر ذلك في لسانه أو في تحريك شفتيه فهذا لا بأس، وليس هذا من الرياء، وإنما قد يكون أيضًا فيه خدش في اعتقاد الشخص لأن ترك الأعمال لأجل الناس خطأ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ترك الأعمال لأجل الناس خدش في الاعتقاد، وعمل العمل لأجل الناس شرك»، أو قال: «شرك في الأعمال أو شرك في الاعتقاد». والله تعالى أعلم.