حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 6

حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 6

الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الأخذ بالأسباب في تعبد النبي صلى الله عليه وسلم بغار حراء

يستعرض المقطع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التزود بالطعام والشراب عند اعتزاله في غار حراء، مبيناً أن الأخذ بالأسباب من العقل والفطرة والشرع، وأن تركها بدعوى التوكل نقص في الدين والعقل. كما يقارن ذلك بمنهج النصارى في إهمال الأسباب مستدلاً بآيات التزود والأمر بالأسباب.

وجوب الأخذ بالأسباب الشرعية والكونية في شؤون الحياة

يؤكد المقطع أن الإسلام فرض الأخذ بالأسباب المشروعة في الرزق والهداية والهجرة، مستشهداً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وآيات القرآن الكريم. وينبه على خطورة إهمال الأسباب بحجة التوكل كما فعل بعض الصوفية ومن ينتظر الهداية دون سعي.

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وغار ثور والرد على دعوى العلم اللدني

يسرد المقطع تفاصيل الهجرة النبوية واختباء النبي وأبي بكر في غار ثور مع الأخذ بالأسباب الظاهرة كاستئجار الدليل وخدمة أسماء وابن أبي بكر. ثم ينتقل لتكفير من يدعي الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بدعوى العلم اللدني الذي يزعم وصوله بلا تعلم.

تحريم تحليل المحرمات والالتزام بأسباب الشريعة

يحذر المقطع من جرأة من يحلل ما حرم الله معتبراً ذلك تحليلاً للمحرمات وخروجاً عن طاعة الله. ويختم بالتأكيد على أن الالتزام بالأسباب الشرعية واجب لا بد منه في شريعة الله تعالى.

  • 17 جمادى الآخرة 1446هـ - 18/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فَلازلنا في شرح حديث بدء الوحي الذي جاء عن عائشة في بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأخذنا بالأمس في هذا الحديث قول عائشة رضي الله عنها: «يتحنث في غار حراء»، وهو التعبد، ليالي ذات العدد. أخذنا همية العبادة في ديننا. ثم قالت عائشة رضي الله عنها: «ثم ينزع إلى أهله، ثم ينزع إلى أهله فيتزود، ويأتي خديجة فيتزود مثلها». معنى أن النبي عليه الصلاة والسلام يرجع إلى أهله، يعني يأخذ زاد ليالي، فإذا انتهى عليه الزاد رجع إلى أهله. يعني كان النبي عليه الصلاة والسلام يتزود، يأخذ طعامًا وشرابًا معه إذا ذهب إلى الغار. وهذا مما وفقه الله عز وجل به، كذلك أنه يأخذ بالأسباب؛ لأن الأخذ بالأسباب هو عين العقل، وكذلك هو الفطرة، وكذلك هو ما أمر الله عز وجل به في شرعه. وترك الأسباب نقص في العقل، ترك الأسباب نقص في العقل، كما قال السلف. والاعتماد على السبب خدش في التوحيد. فإذن ترك الأسباب نقص في العقل وفي الدين، ترك الأسباب نقص في العقل وفي الدين، وكذلك الاعتماد على الأسباب خدش في توحيد. هذا الذي يترك أو الذي يعتمد على السبب دون مسببه، فمسبب الأسباب هو الله جل وعلا. ولهذا ربنا جل وعلا جعل هذا الكون العظيم يمشي على أسبابه، وإلا فربنا جل وعلا قادر على كل شيء. جعل للأرض رواسي جبالًا تثبتها حتى لا تميل بالناس، وإلا فربنا جل وعلا قادر على أن يمسك الأرض مثل ما مسك السماء. أيضًا كذلك الله عز وجل جعل المطر بعد الرياح: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: 22]. فربنا جل وعلا يجعل سبب الأمطار الرياح، وإلا فهو ربنا جل وعلا المسبب. وهذه أسباب كونية. وهذا الأمر موجود في كل ما خلق الله عز وجل. بل ربنا جل وعلا جعل حتى الأسباب للأنبياء، يمشون على أسباب في هذه الحياة، حتى في النصر وفي أيضًا تبليغ الرسالة. فتجد أن الله عز وجل يجعلهم على الأسباب التي تسبب ذلك الأمر الذي يحصل، وحصوله بتوفيق الله. الإنسان عليه أن يتبع السبب، لكن حصول ذلك الشيء يكون بإذن الله جل وعلا وتوفيقه. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 85]. لهذا كما ذكر ربنا جل وعلا في سورة الكهف عند ذي القرنين أنه كان يتبع الأسباب: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: 85-86]، وبلغ إلى مطلع الشمس، وبلغ بين السدين، وهو يتبع الأسباب التي تؤديه إلى هذا الأمر، وإلى الطريق التي تصله إلى تلك الأمكنة البعيدة. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام قبل البعثة وبعد البعثة. فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا قبل بعثته كان إذا ذهب يتعبد أخذ زادًا. وأما النصارى ما كانوا يأخذون زادًا في تعبده، فهو يخالف النصارى في هذا. مع أن بعض العلماء ومن أهل التاريخ يقول: إن هذه الصفة وهي التعبد والتحنث أخذها بعض أهل قريش من النصارى. لكن هذا لم يثبته بشيء يدل عليه. وإن قلنا أن هذا صحيحًا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم في الأخذ بالأسباب. النصارى ما يأخذون معهم زادًا، إلا أنه يجعل له مزرعة في ذلك المكان أو في مكان الصومعة يأكل منها، أو شيئًا مما قد يتزود به. وأحيانًا بعضهم لا يأخذ شيئًا، بل بعضهم كما ذكر بعض العلم أنه يموت وهو في الكنيسة بسبب أنه لم يتزود بشيء. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بهذه الأسباب. لا بد من التزود، الإنسان إذا أراد أن يسافر، ولو كان هذا السفر لعبادة، أراد أن يتعبد الله عز وجل في مكة في الحج مثلًا، يحتاج له أن يتزود. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197]. وذكر ابن عباس كما في البخاري: أن أناسًا من أهل اليمن كانوا يذهبون إلى الحج ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، لا يتزودون. فإذا جاءوا إلى الحج سألوا الناس. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197]. فهذا التزود هو سبب من الأسباب الشرعية التي ينبغي المسلم أن يتبعها. لا يذهب إلى أماكن بعيدة وهو ليس معه طعام، كما فعل كثير من أهل التصوف في ذلك الزمان. كان أحدهم يذهب ولا يتزود معه بشيء من الطعام ولا من الشراب، ويذهب وحده. فبعضهم يموت في تلك القفار في الصحراء، وبعضهم إذا نجا سأل الناس في ذلك المكان في الحج حتى يعطونه، أو أنه مرض حتى يرحمه الناس. وهذا كله خطأ، وهو عدم الأخذ بالأسباب الشرعية التي أمر الله عز وجل بها. الله عز وجل في الرزق قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]. وقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: 11]، وغيرها من الآيات التي فيها أن الإنسان يأخذ بالأسباب. حتى الهداية، الهداية تحتاج إلى أسباب. بعض الناس الآن يقول: الله ما هداني بعد، وهو لم يتخذ أي سبب للهداية. ربنا جل وعلا كما ذكرنا قبل، ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-10]. فلا بد من أخذ الأسباب. ذاك الذي أعطى وعنده تقوى من الله، يسر الله عز وجل له الطريق. فلا بد أن ترجع إلى الله، تقرب إلى الله. الله عز وجل يقول: «إذا تقرب عبدي مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب ذراعًا تقربت إليه باعًا». لا بد أن ترجع إلى الله، لا بد أن تتوب إلى الله، فتأتي لك الهداية. أما أنك بعيد من مساجد الله، وبعيد من ذكر الله، ومن حلق العلم، وأنت تريد الهداية دائمًا، وأنت مع أصحاب الشر، مع أصحاب الفساد، مع أصحاب الفجور، فكيف ستكون هذه الهداية لك؟ فلهذا فالهداية تحتاج إلى أسباب، يتسبب العبد. وهذه من الأسباب الشرعية التي جعلها الله عز وجل في هذا الكون، جعلها أمر الله عز وجل بالأسباب الشرعية أيضًا في دينه. وفي القرآن كثير في حال الأنبياء وفي غيره. ونأخذ فقط نبينا عليه الصلاة والسلام: كان يتبع الأسباب، يتبع الأسباب سواء كانت الأسباب الكونية أو الشرعية. ففي هذا الحديث كان يتزود عليه الصلاة والسلام حتى يذهب إلى غار حراء، ثم يرجع إلى خديجة، فتزوده تزوده بالطعام والشراب، ثم يذهب إلى غار حراء مرة أخرى، وهكذا. أيضًا إذا نظرنا مثلًا في رحلة النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، لما انتقل من مكة إلى المدينة، انظر إلى أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسباب. وإلا فربنا جل وعلا قادر على أن يسوقه من مكة إلى المدينة، بل قادر ربنا جل وعلا أن يقتل من كان في مكة أو يفنيهم، أو كذا، ويجعل العاقبة للنبي عليه الصلاة والسلام. لكن ربنا جل وعلا يعود الناس على الأخذ بالسبب. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما عزم على الهجرة جاء إلى أبي بكر في وقت الظهيرة، والناس في بيوتهم في القيلولة. جاء في وقت الظهيرة إلى أبي بكر وهو مستخفي، حتى ضرب الباب على أبي بكر. فتعجب أبو بكر، فقال: يا رسول الله، في هذه الساعة تأتيني؟ فقال له: «أخرج من عندك». فقال: يا رسول الله، إنما هي أهلك وابنتك. فكانت عائشة وأسماء عنده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «جهز لنا راحلتين». قال: الهجرة؟ قال: الهجرة. قال: والصحبة؟ قال: والصحبة، أنا سأصحبك معي. فعن حرص أبو بكر أن يكون صاحبًا للنبي عليه الصلاة والسلام في هجرته. فانظر في أخذ السبب هنا. ولما عزم النبي صلى الله عليه وسلم على أن يخرج، كتم وأخفى خروجه. وتجمع أهل مكة وشباب مكة لأجل أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، ونجاه الله عز وجل، وخرج من بينهم، وذهب إلى أبي بكر، وخرجوا. والنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا سلك طريقًا غير الطريق التي تسلك، غير الطريق التي تسلك إلى المدينة، سلك طريق الساحل. فجاء إلى غار ثور، وجلس ثلاثة أيام في غار ثور، جلس ثلاثة أيام في غار ثور حتى يعمي أبصار المشركين. يعني يبحثوا عنه، يبحثوا، فبعد ثلاثة أيام أكيد سيئسوا، يقولون: خلاص، قد وصل إلى المدينة. بل فوق هذا، عاقد أبو بكر مع رجل وهو يسمى بعبد الله بن أريقط من بني الديل، خريتًا ماهرا، يعرف الطرق، لأجل أن يوصلهم إلى المدينة بطريق غير الطريق المسلوكة. وهذا أيضًا من أخذ الأسباب. بل لما كان في الغار، كان عبد الله بن أبي بكر يأتي لهم بالطعام والشراب، ويعفي الأثر. كان يرعى الغنم، فإذا قرب من غار ثور أعطاهم. وكانت أسماء بنت أبي بكر تضع الطعام في نطاقها، يعني النطاق الذي تلبسه على رأسها، تضعه، ما عندهم شيء، فتضع الطعام في نطاقها، ونصف النطاق يكون فيه، حتى سميت بذات النطاقين. ثم كانت ترسل، ومعنى يأخذه عبد الله بن أبي بكر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإلى أبيه في الغار. كل هذا من أخذ بالأسباب. كان النبي صلى الله عليه وسلم، كان الله عز وجل يجعل نبيه يأخذ بالأسباب. وإلا الله عز وجل قادر أن يعمي أبصار هؤلاء، مثل ما أعمى أبصار غيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، خرج وأولئك شباب قريش عند بيته، لم يراه أحد، لم يراه أحد، أعمى الله عز وجل أبصارهم. وإنما يقال كما ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن الرجل من بعيد رعاه وهو يخرج، ثم جاءهم، فقال: ماذا تنتظرون؟ قالوا: ننتظر محمد. فقال: قد خرج وأنتم واقفون. فدخلوا البيت، فوجدوا رجلًا مغطى، فلما كشفوا وجدوا عليًا رضي الله تعالى عنه. فلم يقتلوا لأنهم كانوا يريدون أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، وفدى علي رضي الله عنه نفسه بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكن سلمه الله جل وعلا. ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بهذه الاحتياطات كلها، وهذه الأسباب، لأجل أنه يعلم أمته أنه لا يأتي شيء بدون سبب. لا يكون الرجل عالمًا وهو لم يتعلم. بعض المجانين الذين مثلًا يجن بمثل هذا الكلام، يقول لك: أتاني الله علمًا من لدن الله، يعني يريد مثل الخضر، أنه أعطاه الله علمًا بدون ما يتعلم. هكذا يقولون. وهذا غير صحيح. لم يأتِ أن الخضر أعطاه الله علمًا وهو لم يتعلم. بل الله ليس في الآيات ما يدل على أن الله عز وجل أعطاه علمًا ولم يتعلم هذا العلم. وإنما في الآيات أن الله عز وجل أعطاه هذا العلم. فكل علم هو من عند الله، حتى لو تعلمه فهو العالم، علمه من الله، فهو من عند الله جل وعلا. ليس أن الخضر لم يتعلم كما يقول الصوفية وغيره. فلهذا يقولون: العلم اللدني. معناه: قسموا العلم هؤلاء، غلط الصوفية، قسموا العلم إلى قسمين، يقولون: علم لدني، وعلم، علم الظاهر، أو يسمون علم الحقيقة وعلم الظاهر. علم الظاهر: قال هذا العلوم هذه التي تعلم من عند العلماء وغيره. وأما علم الحقيقة أو علم اللدني، هذا الذي يأتي لهم إلهام، الذي يأتي لهم إلهام، يقولون: حدثني قلبي عن ربي. وهذا كله باطل. فليس هناك شيء اسمه علم لدني. بل كما قال شيخ الإسلام: من ظن أنه يستطيع أن يخرج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، مثل ما كان الخضر معناه كان في شريعة موسى، فهو كافر. لأن الخضر ليس على شريعة موسى، وهو لم يخرج على شريعة موسى، ولو فعل هذا فهذا إذن من الله. لكن هنا يأتي إنسان ويقول: يأتي بشريعة، أو يقول أن الله حل لي الحرام، أو حل لي كذا، أو لي أن أفعل كذا، وهو من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا تحليل ما حرم الله جل وعلا. فلهذا فالأخذ بالأسباب لا بد منه في شريعة الله جل وعلا. وإن شاء الله نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.