حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 4

حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 4

الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

غار حراء: موقعه ووصفه وأهميته في بدء الوحي

يتناول المحور وصف غار حراء وموقعه الجغرافي شمال شرق الكعبة المشرفة مع بيان خصائصه الجبلية واتجاهه نحو القبلة. يوضح المقطع أن هذا الغار كان معتكف النبي صلى الله عليه وسلم ومكان بدء الوحي قبل البعثة، مميزاً إياه عن غار ثور.

حكم زيارة غار حراء وغار ثور بقصد التعبد والتبرك

يبين المحور أن زيارة غار حراء وغار ثور بقصد التعبد أو التبرك بدعة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة. يستدل المقطع بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في منع التبرك بشجرة البيعة محذراً من أن تتبع الآثار يؤدي إلى الشرك.

الفرق بين زيارة الآثار للاعتبار وزيارتها للتبرك

يفرق المحور بين زيارة الأماكن التاريخية للنظر والاعتبار وهي جائزة، وزيارتها للتبرك أو العبادة وهي منهي عنها وبدعة منكرة. يحذر المقطع من أن تعظيم الآثار والقبور كان سبباً في شرك النصارى، مؤكداً أن الصحابة لم يعظموا الأماكن بالزيارة للعبادة.

دعاء الختام والتوجيه الختامي للحضور

يختتم المتحدث المحاضرة بالدعاء بالتوفيق للخير والهداية، سائلاً الله أن يجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. ويختم الجلسة بالحمد لله والشكر للحضور على الاستماع.

  • 17 جمادى الآخرة 1446هـ - 18/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى استمرارًا في دروسنا، وما كنا نأخذه في حديث بدء الوحي من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو حديث عائشة كما قلنا في الصحيحين، لما قالت رضي الله تعالى عنها: «أول ما بدأ الوحي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يرى الرؤية الصادقة، فكان لا يرى رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فيذهب إلى غار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد، ليالي ذوات العدد». فأخذنا في الدروس التي مضت: أولاً أخذنا الحديث كله، ثم أخذنا مراتب الوحي التي كانت تنزل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخذنا أيضًا الرؤية الصادقة التي كان يراها النبي عليه الصلاة والسلام، وما هي الرؤية الصادقة. وأيضًا قال في الحديث: «فكان لا يرى رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء»، وذكرنا فوائد الخلاء للعبد، ومن أعظمها التفكر في خلق الله جل وعلا، وعبادة الله. ثم قال: «ثم يذهب إلى غار حراء». درسنا في هذه الليلة هو عن غار حراء. غار حراء: معنى بكسر الحاء وفتح الراء ومدها ثم همزة. وقال بعض أهل اللغة: إنه يقال «حراء» ويقال «حراء»، لكن المشهور فيه أنه «حراء». وهذا الجبل والغار هو من جبال مكة، وفيه هذا الغار الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إليه. وهذا الجبل في الشمال الشرقي من بيت الله الحرام، قرابة أو قريبًا من خمسة كيلو إلى ذلك المكان في الشمال الشرقي من الكعبة، وهو أيضًا داخل في الحرم، داخل في حرم مكة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يذهب تلك المسافة، وهي قرابة الخمسة كيلو وثلاثة أميال، حتى يأتي إلى ذلك الجبل، وهو جبل حراء، ويسمى الآن بجبل النور. اشتهرت الآن تسميته بجبل النور لأنه أول ما بدأ به نور الله جل وعلا وهو الوحي، فانتشر بين الناس أنه جبل النور، وإلا فهو جبل حراء. والغار يقال فيه: غار حراء. وهذا الجبل جبل قديم من جبال مكة، ويقال أن طوله أو ارتفاعه عن سطح البحر ستمائة وأربع وثلاثين مترًا. وهو جبل فريد في شكله؛ لأن في أعلاه مثل سنام الجمل، في أعلاه مثل سنام الجمل، وهذا قد لا تجده في الجبال، لا جبال مكة ولا جبال الحجاز كلها. بل بعض أهل التاريخ يقول: إنه ليس هناك جبل كجبل حراء معنى في شكله، فهو شكله مميز. وكان الغار الذي يدخل فيه النبي عليه الصلاة والسلام متجهًا في شمال هذا الجبل، ويتجه إلى الكعبة، معنى: الذي يدخل الغار يرى الكعبة أمامه. الذي يدخل الغار يرى الكعبة أمامه. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يأتي إلى هذا الجبل، وهو جبل وعر، وطلوعه فيه شيء من الوعورة. والآن تجد بعض السلطات هناك في المملكة عملوا له شيئًا من الطرق التي توصل إلى ذلك المكان لأجل الزائرين، وسيأتي حكم زيارته إن شاء الله تعالى. فهذا الغار كما قلنا هو الذي كان يدخل فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو غار صغير. والغار هو الكهف، أو الغار هو المدخل أو المكان المحفور في الجبل يسمى غارًا، فإن كان متسعًا يسمى كهفًا. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل هذا الغار. وهذا الغار غار حراء، ليس غار ثور؛ لأن بعض الناس يخلط بين هذا وهذا. غار ثور الذي دخله النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، لما أراد أن يهاجر من مكة إلى المدينة، فكان في طريق هذا الغار، فدخل غار ثور هو وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كما هو معروف ومشهور في قصة الهجرة. وهذا جبل ثور في جنوب الكعبة، جنوب الكعبة أيضًا قرابة أربعة كيلو، وهذا في شمالها الشرقي وهو يقابله، وهي من الجبال العظيمة في مكة. فهذا غار حراء كان النبي عليه الصلاة والسلام يذهب إليه يتعبد، يدخل في هذا... يُذكر بعضها للتاريخ، وإن لم يكن بأسانيد صحيحة، ولكن يذكره بعض التاريخ: أن بعض أهل الجاهلية كان يفعل ذلك، وممن كان يفعل ذلك عبد المطلب بن هاشم، كان يذهب إلى الغار ويتحنث ويتعبد في ذلك الغار. وكان النبي عليه الصلاة والسلام أخذ سنته، وأخذ ما كان يفعل، وحبب الله عز وجل إلى نبيه عليه الصلاة والسلام الخلوة، الابتعاد والاعتزال عن الناس لأجل التعبد والتفكر، فكان يذهب إلى غار حراء فيجلس فيه الليالي ذوات العدد. وقد أجمع أهل السير أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذهب في شهر رمضان، كان يذهب في شهر رمضان. لكن هل يذهب الشهر كله أم أنه يذهب بعضه؟ فالذي جاء في الحديث أنه يجلس الليالي ذوات العدد، مجموعة من الليالي، ممكن يكون شهرًا، ممكن يكون أقل. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يذهب إلى ذلك الغار لأجل الابتعاد عن الناس، ولأنه ليس في طريق الناس. صحيح الذي يمشي إلى منى وإلى عرفات يكون عن يساره، لكنه بعيد عن الطريق القديمة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى ذلك المكان حتى لا يراه الناس، فيتعبد الله عز وجل، ولأن كثيرًا من أهل الجاهلية كان ينكر مثل هذا، وإنما يريدون عبادة الأصنام، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يذهب عنهم ويتعبد. وهذا مما جعله الله عز وجل من الأمور التي هيأ بها رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام لأجل الرسالة العظيمة، كما سيأتي إن شاء الله. فهذا هو شيء عن هذا الغار. لكن هل زيارته هذه مشروعة؟ زيارة الغار أو زيارة الجبل، هل هي مشروعة؟ أما من زار هذا الجبل لأجل التعبد أو لأجل التبرك، فإن هذا ليس من الإسلام، ولم يأتِ عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن الصحابة. النبي صلى الله عليه وسلم جاء وفتح مكة وجلس، ولم يذهب إلى غار حراء، ولا جبل ثور. وأيضًا كذلك جاء في حجة الوداع عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة، ولم يذهب إلى جبل النور كما يسمونه، أو جبل حراء، ولم يذهب إلى جبل ثور، ولا غيرها من الأماكن التي حصل فيها شيء من الخير، أو حصل فيها شيء مما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. بل كان النبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن تتبع الآثار، لأن تتبع الآثار هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم في الشرك بالله عز وجل. عظموا هذه الآثار تعظيمًا حتى صاروا يعبدونها من دون الله جل وعلا. ولهذا كان عمر رضي الله عنه حريصًا على مثل هذا. ولهذا جاء عند الدارمي وغيره بإسناد صحيح: أن عمر رضي الله عنه وهو ذاهب إلى الحج، صلى بالناس الفجر، صلى بالناس الفجر، ثم لما سلم وجد أناسًا يذهبون إلى مكان، معنى: بعد السلام خرجوا، قال: «إلى أين يذهب هؤلاء؟» قالوا: إلى الشجرة التي بايع عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية. أنا صلى في الحديبية، أو ما يسمى الآن الشرائع، فصلى النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، أو صلى عمر بالناس، فلما سلم خرج بعض الناس، فقال: «إلى أين يذهبون؟» فقالوا: إلى الشجرة التي بايع عندها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فعمر أمر بقطعها، وقال: «إنما أهلك الأمم السابقة تتبعهم آثار أنبيائهم». فلهذا لم يشرع، ولم تأتِ سنة أن الإنسان يتتبع الآثار. أن هذا المكان مثلاً جلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا المكان اعتكف فيه النبي صلى الله عليه وسلم، لا، لم يأتِ أبدًا. والنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم عندهم جبل النور، وعندهم جبل ثور، ما كانوا يذهبون إليه أبدًا. وليس هذا أنهم ما كانوا يعظمون مثل هذه الأماكن، لا، كانوا يعظمون أن هذا نزل فيها الوحي، ونزل، لكن الشرع لم يأتِ بتعظيمها. أي مثلاً: أن الإنسان يذهب إلى تلك الأماكن زيارة للتبرك أو تعبدًا، أن هذا شيء مشروع، لا. لكن من أراد أن يذهب ينظر مثلاً للنظر فقط، كيف هذا الجبل، كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصعد، ليبصر بذلك، كما قال أهل العلم: «ليعتبر»، إذا كان هذه نيته. أما إن كانت نيته أن هذا سنة مثلاً، أو تعبد، أو لأجل أن يتبرك بذلك المكان، كما يفعله كثير من الناس الآن، من يذهب إلى ذلك الغار أو إلى ذلك الجبل لأجل التبرك كما يقولون، بل هناك من يفعل الحضرات والموالد وغير ذلك من هذه الأمور التي لم تشرع في دين الله عز وجل، ولم يكن يعرفها أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ولا التابعون، ولا أتباعهم، ولا الأئمة المتبعين: لا الشافعي، ولا مالك، ولا أحمد، ولا أبي حنيفة، ولا غيرهم من هؤلاء الأئمة. ما كان يعرفون مثل هذه الأشياء التي أول من أحدثها الشيعة، ثم تبعهم الصوفية. فهذه الأشياء ليست من دين الله، بل هذه الأشياء هي التي أهلكت النصارى وبدلت دينهم، كانوا يعظمون الآثار حتى عبدوا هذه الآثار، واتخذوا تلك الصور والتماثيل التي اتخذوها في كنائسهم. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة في الحبشة تسمى مارية، أي مريم، وفيها من الصور». وهذا ذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته عليه الصلاة والسلام، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو النبي الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا تلك الصور، أي التماثيل. أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك شرار الخلق عند الله، لأنهم يعملون وسائل الشرك، والعياذ بالله». فلهذا أشرك النصارى بالله عز وجل بسبب هذه الأفعال، وكذلك غيرهم ممن كان يتتبع الآثار، كما قال عمر رضي الله عنه. فلهذا فهذه الأماكن لا يذهب إليها لأجل عبادة، ولا لأجل بركة. أما من أراد أن ينظر، فهذا شيء مباح له، أن يذهب إلى جبل إلى كذا. أما أنه مثلاً تبركًا أو عبادة، أو غير ذلك من هذه التي يتخذ أنها له أجر مثلاً في الإسلام أو كذا، لا، ليس هذا له. من أراد أن يذهب إلى زيارة لأجل ينظر: كيف كان هذا الجبل، وكيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم فيه وصعوده، فهذا إن شاء الله تعالى لا بأس، وإن لم يذهب فلا شيء عليه أبدًا. وأما إذا كان الذهاب كما قلنا للتعبد أو للبركة، فهذا منهي عنه، لأنه من البدع التي أحدثت في دين الله جل وعلا، كما ذكرنا. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيرًا.