حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 3

حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 3

الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تهيئة النبي ﷺ بالخلوة في غار حراء

بدأ الوحي بالرؤيا الصادقة، ثم حبب الله إلى نبيه ﷺ الخلاء والخلوة في غار حراء للتعبد والتفكر، فكانت هذه الخلوة من أعظم العبادات وتهذيب للنفس ومشروعة في الاعتكاف. وقد استدل بها بخلوة الأنبياء إبراهيم وزكريا عليهما السلام بدعاء ربهم في المحراب.

فضل الخلوة بالله وقيام الليل

تعد الخلوة بالله من أهم وسائل تصفية القلب ونيل الحكمة والقرب من الله، مع ضرورة الاعتدال فيها حتى لا تنفر العبد عن الناس. ويتميز قيام الليل بأنه أخلص الخلوات وأقربها للإجابة، حيث يشكو العبد همّه لربه وحده كما فعل يعقوب عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم.

أهمية الخلوة ومحاسبة النفس

تخصيص وقت للخلوة بالدعاء والبث يصفّي القلب ويقرب العبد لربه، وهي من صفات السبعة الذين يظلهم الله، مع تحذير من النفاق في الخلوة حيث يكون العبد صالحاً عند الناس وعاصياً في خلوته. كما تؤكد الآيات كسورة الحشر على محاسبة النفس في الخلوة.

خلوة النبي ﷺ كتهيئة إلهية لحمل الرسالة

كانت خلوة النبي ﷺ إعداداً إلهياً لقلبه ونفسه لتحمل الرسالة العظيمة، ليكون قدوة للناس في جميع أعمال الخير. وأكد الكاتب أن النبي هو القدوة التي أشار إليها ربه جل وعلا.

  • 17 جمادى الآخرة 1446هـ - 18/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى ما ذكرته عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أول ما بدأ الوحي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرؤية الصادقة، فكان لا يرى رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح. تكلمنا على هذا، ثم قالت عائشة رضي الله عنها: «ثم حبب إليه الخلاء، فكان يختلي في غار حراء». أيضًا هذا من الأمور التي هيأ بها ربنا جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام، وهي الخلوة؛ الخلوة بالله جل وعلا، يختلي بالله سبحانه وتعالى لذكره وتفكره في مخلوقاته، وكذلك دعائه. فكان النبي عليه الصلاة والسلام حببت إليه هذه الخلوة، وهذا كما قلنا من تهيئة الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام لأجل الرسالة، فألهم نبيه عليه الصلاة والسلام أن يحب الخلاء، فكان يذهب إلى غار حراء فيتحنث ليالي ذوات العدد. يتحنث معناه يتعبد، فلم يكن معروفًا عند قريش هذا أن الإنسان يختلي بالله عز وجل. ممكن يفعلونه للعُزلة، لكن أنه يختلي بالله عز وجل ما كان معروفًا إلا عند النصارى. لكن النبي عليه الصلاة والسلام ألهمه الله عز وجل ذلك، فكان يذهب إلى غار حراء ويتحنث ويختلي بالله جل وعلا. وهذه الخلوة من أعظم العبادات، المؤمن يحتاج لهذه الخلوة بربه جل وعلا، ولهذا شرع الاعتكاف. الاعتكاف من أجل العبادات وهو خلوة بالله سبحانه وتعالى، وأُقِرَّ شرعه في أفضل الأيام وأعظم الأيام التي فيها الأجر متضاعف، شُرعت هذه الخلوة لأنها من أجل العبادات التي ينبغي للمؤمن أن يحرص عليها. ولأن هذه الخلوة فيها صفاء للقلب، وكذلك الابتعاد عن الاختلاط، وهذا يصفي نفس العبد لله جل وعلا، ويفتقر، وأيضًا يرى أنه مفتقر إلى الله، مفتقر إلى الله جل وعلا. ولهذا كان هذا دأب الأنبياء، إبراهيم عليه السلام، قال الله عز وجل عنه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48]. «أدعو ربي» أي أختلي بدعاء الله وأترككم أنتم وما تعبدون. فقال أهل العلم: هذه أراد أنه يختلي بالله ويترك ما كان عليه عباد الأصنام وعباد الكواكب. أيضًا كذلك ما ذكره الله عز وجل عن نبي الله زكريا، فهناك دعا زكريا ربه فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38]، فنادته الملائكة وهو قائم في المحراب. المحراب هذا المكان الذي يتعبد فيه الرجل الصالح، يتعبد في مكان يقال له المحراب. فالمحراب ليس هذا الذي يعرف في المساجد أو في بعض المساجد، لا، هذا ليس محرابًا، هذا يسمى الطاق، لكن لأن الإمام دائمًا يدخل فيه فسموه محرابًا. وإلا المحراب هو المكان الذي يتعبد فيه الشخص، ولو كان في بيته، كأن يكون مثلا في بيته مكان، هذا المكان يجعله للعبادة وللطاعة للصلاة، فهذا يسمى محرابًا. فجاءت الملائكة زكريا وهو في ذلك المكان، فنادته الملائكة وهو قائم في المحراب: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: 39]. وأيضًا لما طلب الآية قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41]. قال أهل العلم: أي أنه اختلى بربه. لهذا قال الله عز وجل: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11]. فكان في المحراب، المحراب كما قلنا هو مكان العبادة ومكان الاختلاء بالله جل وعلا. فلذلك أيضًا مريم بنت عمران كانت لها مكان أيضًا في المسجد، أقصد في الكنيسة، يسمى المحراب، تجلس فيه وتختلي بربها جل وعلا، كما ذكر الله عز وجل عنها: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37]، فكانت من القانتين، من المداومين للطاعة. أيضًا كذلك هذه الخلوة ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». فالخلوة هي الابتعاد عن الناس والاختلاء بالله جل وعلا، وهذه لابد للعبد، لأنها فيها تصفية قلبه، وفيها المحاسبة، فيها التفكر، وفيها أيضًا أشياء وفوائد عظيمة ذكرها العلماء في هذه الخلوة. لكن لا ينبغي أن تكون هذه الخلوة كثيرة حتى تجعل العبد بعد ذلك لا يطيق الناس ولا يحب الناس. لا، الخلوة تكون ساعة، معناها فترة زمنية، يصف العبد نفسه، يدعو الله، يذكر الله، يناجي الله. نبينا عليه الصلاة والسلام كان من أجل الناس في هذا، كان دائمًا يناجي ربه، حتى قال: «إني أناجي من لا تناجون، إني أناجي من لا تناجون». لما نهى عن أكل البصل والثوم فقال: «إني أناجي من لا تناجون»، أي أناجي الله عز وجل وأختلي به سبحانه وتعالى. وقال أيضًا كذلك: «إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني». قال العلماء: ليس الطعام هذا ولا الشراب، وإنما يطعمه الله عز وجل بما يلقي عليه من الحكمة، فيجد الإنسان أو يجد النبي عليه الصلاة والسلام من عبادة ربه والخلوة بالله، لشدة محبته وتعظيمه لله، يجد كأنه أكل، كأنه قد أكل وقد شرب، لا يجد لذلك شيئًا من الضعف أو شيئًا من الجوع، لما يغذيه الله عز وجل من الحكمة العظيمة التي أيده الله عز وجل بها. أيضًا كذلك صلاة الليل، فضلت صلاة الليل بعد الفريضة. لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الصلاة أفضل بعد الفريضة؟» قال: «قيام الليل». صلاة الليل، لماذا صلاة الليل أفضل؟ لأنها فيها خلوة. ولهذا أثنى الله عز وجل على الصحابة الذين كانوا يقومون الليل مع النبي عليه الصلاة والسلام، أي يقومون في بيوتهم، فهذا من أعظم الصلوات لأنها تكون في خلوة، الناس في هدوء، أكثر الناس نيام، حتى قد يكون أهل بيت الرجل يكونون أيضًا نيامًا، زوجته وأولاده، فيقوم لله عز وجل ويدعو ويبث أحزانه لله. ولهذا قال نبي الله يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]. فالعبد الصالح لا يذهب يشتكي عند أحد، يشتكي إلى الله، يبث حزنه إلى الله، شكواه إلى الله، كل شيء إلى الله. كان الصحابة رضي الله عنهم كما قالت عائشة: «كانوا يسألون الله حتى شسع النعل»، كانوا دائمًا في دعاء، في ذكر، في اختلاء بربهم جل وعلا. فلذلك يحتاج العبد، يحتاج لا بد يحتاج إلى خلوة، ولو في اليوم شيئًا يسيرًا، يختلي بالله عز وجل، ولو بعد صلاة أو قبل صلاة، يدعو الله عز وجل ويبث أحزانه إلى الله، فهذه تصفي قلبه وتقربه إلى الله عز وجل أكثر فأكثر. فلذلك «الذي يبكي خاليًا، ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فلذلك فعبادة الخلوة عبادة عظيمة، لا ينبغي للمسلم أن يتركها. عبادة الخلوة عبادة عظيمة، حتى أن أهل الشرك تجدهم يحافظون عليها، حتى هؤلاء الذين يتعلقون بالقبور تجدهم يحافظون على الخلوة عند القبر، تجد يخلو بالقبر ويكون مثلًا في خشوع وفي خضوع، مع أن هذا ما ينبغي أن يكون لمخلوق، وإنما يكون لله عز وجل. فلذلك الواجب على المسلم أنه يعبد الله عز وجل، وتكون هذه العبادات العظيمة من الخلوة والخشوع والخضوع لله جل وعلا. فيا أيها المسلم، ويا أيها المؤمن، ينبغي عليك أن تهتم بهذه الخلوة، فهي لها فائدة عظيمة جدًا، بل هي حياة، بل هي جنة الدنيا. جنة الدنيا هي هذه الخلوة، أن يخلو العبد بربه جل وعلا، فيجد الطمأنينة ويجد الانشراح، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فلذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله، ونقل ذلك عن الحسن البصري: «انظر أو تفقد قلبك في ثلاث مواضع: تفقد قلبك في ثلاث مواضع: عند قراءة القرآن، وفي الصلاة، والموضع الثالث قال: وفي أوقات الخلوة». وفي أوقات الخلوة، فالمؤمن إذا اختل بربه جل وعلا، معناه ما عنده أحد، راقب الله. وأما الفاجر فتجد أنه لا يراقب الله. ولهذا هناك أقوام يعبدون الله ولهم أعمال كثيرة، لكنهم عند الخلوة ما يكونون منها العبادة، لا يراقبون الله عز وجل في الخلوة. أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ثوبان أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن أناسًا من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة بيضاء، كجبال تهامة بيضاء، بيضاء أي لأن فيها إخلاصًا لله عز وجل، قال: فيجعلها ربي هباء منثورًا، تذهب هذه الأعمال، يجعلها ربي هباء منثورًا». قالوا: يا رسول الله، جلهم لنا، صفهم لنا، ألا نكون منهم؟ قال: «هم أقوام من جلدتكم، يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، ويقومون الليل كما تقومون، إلا أنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». إذا كانوا في الخلوة صاروا شياطين، إذا كان عند الناس قديسين، كما قال بعض السلف: «لا تكون عند الناس قديسًا وفي الخلوات تكون شيطانًا رجيمًا». فلذلك ينبغي، فهذه الخلوة تميز العبد الصالح والصادق لربه جل وعلا من غيره. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]. فيحتاج إلى مثل هذه الأشياء، يحاسب نفسه، ينظر ما الذي فعله في اليوم، ما الذي تركه وهو واجب عليه، ما هي الأعمال التي قام بها اليوم، يحتاج إلى مثل هذه المحاسبة، فيخلو بنفسه ويحاسب نفسه كما جاء في هذه الآية. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، والمقصود هو أن هذه الخلوة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها هي تهيئة من الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام، يهيئ قلبه ويهيئ نفسه لأنه سيحمل رسالة عظيمة، فيكون قدوة للناس عليه الصلاة والسلام، وهو كما ذكره ربه جل وعلا قدوة عليه الصلاة والسلام في كل أعمال الخير، صلوات الله وسلامه عليه. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. جزاكم الله خيرًا، جزاكم الله خيرًا. ترجمة نانسي قنقر