الخطبة بعنوان بدع ومحدثات رجب، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٣ رجب ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول التحذير من البدع والمحدثات في الدين، ويستدل بحديث النبي حول من يغير سنة النبي ويبتكر بدعًا جديدة. يُبين أن كل بدعة ضلالة وفي النار.
يتناول بعض البدع والمحدثات في شهر رجب، مثل تخصيص الصلاوات والذبائح، ويبين أن هذه الأفعال لا أصل لها في الشرع وأنها منكرة ومحرمة. يشرح أن فضل رجب لا يثبت عن النبي.
شهر رجب ليس له فضيلة خاصة ولا يشرع تخصيصه بعبادات معينة. كل هذه الأمور بدع لم تثبت عن النبي ولا عن سلفنا الصالح.
يتضمن دعاءً للمسلمين بالمغفرة والهداية، ويطلب من الله النفع بما قيل، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بِدعةٍ، وكل بِدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: مرَّ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم على مقبرةٍ فقال: «أسلام عليكم ديار قومٍ مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ودِدتُ لو أنا رأينا إخواننا»، فقال الصحابة: «أولسنا إخوانك يا رسول الله؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، بل أنتم أصحابي، إخواننا أناسٌ لم يأتوا بعد»، فقالوا: «يا رسول الله، وكيف تعرف من لم يأتي بعد من أمتك؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «أرأيت لو أن رجلًا عنده خيلٌ غرٌ محجَّلة بين ظهري خيلٍ بهمٍ بهمٍ دُهم، ألا يعرف خيله؟» قلنا: «بلى يا رسول الله»، قال: «فإنهم يأتون يوم القيامة غرًا محجَّلين من آثار الوضوء، ألا ليُذَادَنَّ أقوامٌ عن حوضي كما يُذَاد البعير الضال يُذَادًا، أن يُمنعون من الحوض»، ألا ليُذَادَنَّ أقوامٌ عن حوضي كما يُذَاد البعير الضال، فأقول: «أمتي أمتي»، فيقال لي: «إنهم بدَّلوا بعدك، إنهم بدَّلوا بعدك»، فأقول: «سحقًا سحقًا»، وفي رواية: «سحقًا لمن بدَّل بعدي». عباد الله، إن هذه الكلمات العظيمة والعبارات الشديدة أطلقها نبينا صلى الله عليه وسلم على فئة من أمته عمدوا إلى سنته فغيَّروها، وإلى طريقته فبدَّلوها، واستعوضوا عنها بالمُحدثات والمُتغيِّرات، فكان حسابهم ومآلهم أن سخِط الله عليهم ورسوله، وذلك هو الخُسران المُبين. اعلموا عباد الله أن الإحداث في الدين وإيقاع التغيير والتبديل في هدي رسولنا الكريم صلواتُ ربي وسلامُه عليه ليعتبر من أعظم المُبيقات ومن أشد المُنكَرات والمُخالفات، وكيف لا، إذ أن فيه استدراكٌ على شريعة الإسلام، وفيه طعنٌ على نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام بأنهم لم يُبلِّغ الدين إلى حدِّ التمام. ومن هنا حكم نبينا صلى الله عليه وسلم على كل مُحدثةٍ، على كل بدعةٍ بالنار جملةً وتفصيلاً، وقد كان يُصرِّحُ بذلك علناً عليه الصلاة والسلام في كل خُطبةٍ يخطُب بها قائلاً: «إن خير الكلام كلام الله جل، إن خير الكلام كتاب الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٍ، وكلُّ ضلالةٍ في النار»، حكم عليها نبينا صلى الله عليه وسلم بالنار. وليس هذا الحكم ينحصر ويقتصر على البدعة فحسب، بل إن أصحابها الذين أحدثوها وابتكروها هم ليسوا بمنآ عن مغبتها وعن إثمها، فإن أرباب البدع وأهل البدع لهم وعيدٌ شديد وتهديدٌ أكيد تقشعر منه قلوب أهل الإيمان. فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني»، وما من مُبتدع إلا وهو بلسان مقاله وحاله راغبٌ عن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، قد أقبل على سنته التي ابتكرها لنفسه ولأتباعه. عباد الله، إنني في هذا المقام لأشير إشارات إلى بعض البدع والمخالفات والمنكرات والمحدثات التي تهافت عليها الناس وتكالب عليها الأفراد صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، كل ذلك بحجة دخول رجب. فمن ذلكم عباد الله ما يعتقده الناس في شهر رجب وأنه شهرٌ معظم، شهرٌ مُقدَّس، شهرٌ ميَّزه الله جل وعلا عن باقي الشهور بالخيرية والأفضلية، فهو عندهم شهرٌ تُقَسَّمُ فيه الخيرات وتتنزَّل فيه الرحمات والبركات، وأن على الناس أن يلتمسوا خيره وبركته في أيامه ولياليه. وهذا كلُّه عباد الله مما لا أصل له، فما رجب إلا شهرٌ من الشهور، ليس له فضيلة وليست له خصيصة سوى أنه من الأشهر الحرم، ولم يثبُت في حقه فضلٌ عن نبينا عليه الصلاة والسلام. قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: «ولم يثبُت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ في فضل رجب»، بل عامة المأثور عن نبينا صلى الله عليه وسلم كذب. وبمثل ذلك ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه تبيين العجب بما ورد في فضل رجب قائلا: «ولم يثبُت في فضائل رجبٌ شيء». فاعلموا عباد الله أن المواسم الفاضلة والأيام المباركة إنما ما ردُّها إلى الله ورسوله، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، فما لأحدٍ من البشر أن يحكم على حقبةٍ زمنية لا بشرفٍ ولا بقدسية، وإنما ذلك إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وأيضاً عباد الله من المُحدثات التي أحدثها الناس في رجب تخصيصهم لبعض الصلاوات فيه كصلاة الرغائب ونحوها، وهذه من البدع التي تتابع العلماء على إنكارها وإبطالها. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى وهو من أئمة الشافعية: «وهذه الصلاة بدعةٌ مذمومةٌ منكرةٌ قبيحةٌ، لا تغتر بذكرها في قوت القلوب والإحياء». ومن مثل ذلك ما يتداوله الناس عن قصة ابن السلطان الذي كان يسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، فلما مات رُؤية عليه علامات الصلاح في المنام، فسئل نبينا صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صلوات ربي وسلام عليه: «إنه كان يصلي في رجب»، وعلى إثر هذه القصة سارع الكثير من الناس إلى أداء الصلاة والمحافظة على النوافل في رجب خاصة. قال صاحب السنن والمبتدعات رحمه الله تعالى معلقًا على قصة ابن السلطان: «وهذه قصة مكذوبة مفتراه يحرم قراءتها وروايتها». فيا سبحان الله، إذا كان روايتها وقراءتها من المحرمات، فما ظنك بالذي يصدقها والذي يعمل بها، فإنه أشد حرمًا وأعظم جرمًا. وهكذا عباد الله من المحدثات التي أحدثها الناس في رجب ما كان من أمرهم من ذبح الذبائح وصنع الولائم لا لسبب وإنما احتفالًا بدخول رجب، وهذه الفعلة قد ذهب جماهير العلماء إلى عدم مشروعيتها. بل جاء من السنة ما يدل على النهي عن هذا الفعل عن تخصيص رجب بذبيحة ووليمة، فمن ذلك ما رواه النسائي في سننه من حديث نبيشة رضي الله تعالى عنه قال: «أن رجلاً قال: يا رسول الله إنا كنا نعتر في الجاهلية في رجب، فماذا تأمرنا؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «اذبحوا لله في أي شهرٍ كان، وبروا لله وأطعموا». وثبت كذلك في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا فرع ولا عتيرة»، وفسِّرت العتيرة بأنها الذبيحة في رجب. فلا يجوز أن يخص هذا الشهر بشيءٍ من الذبائح، وألحق العلماء الذبيحة ما كان على من والها من إطعام الطعام ومن توزيع المشروبات. قال ابن رجب رحمه الله تعالى كما في لطائف المعارف: «وشبيه الزبح في رجب اتخاذه موسما وعيدا لأكل الحلوى ونحوها». وللأسف هذا مما يشاهد فعله وخاص في بيوت الله، أن تفتح المساجد فتوزع فيها المطعومات وتقسم فيها المشروبات، وذلك من البدع العظام التي حكم عليها العلماء بأنها من المنكرات. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لا زلنا وإياكم نستعرض أهم الأعمال وهي من المنكرات والمحدثات التي تهافت عليها الناس في أدائها في رجب. فكان مما ذكر أن يعتقد الناس أن في رجب فضيلة وقدسية، وهذا مما لم يثبت، وثانياً أن يخصوا فيها الصلاة أو أن يكثروا من إيقاع النوافل فيها، وذلك لم يرد عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا من إيقاع الذبائح ومن صنع الولائم أو من توزيع الأطعمة والمشروبات وغيرها من أنواع الحلوى، وكل ذلك فيه صريح النهي عن سلفنا الصالح. وأيضاً عباد الله مما أحدثه الناس من الأعمال عند دخول رجب أو في شهر رجب ما كان من أمرهم من الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، ويقع ذلك في أواخر رجب. فإن هذا الاحتفال هو بدعة من البدع، فإن ليلة الإسراء والمعراج على القول الصحيح من العلماء لم يعرف يومها ولم يحد شهرها، بل إن ابن حجر رحمه الله تعالى أوصل اختلاف العلماء في تحديد ليلة الإسراء والمعراج إلى عشرة أقوال. فهي ليلة غير معلومة بالتحديد، فضلاً أن يقام من أجلها الاحتفال، فنبينا هو من هو صلوات ربي وسلامه عليه صاحب الحادثة، لم يحتفل قط بليلة الإسراء والمعراج، فكيف لأمثالنا من الخلوف أن نحتفل بما لم يحتفل به نبينا صلى الله عليه وسلم. قال أبو شامة من أئمة الشافعية كما في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث: «وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، فإن ذلك عند أهل التعديل والتجريح هو عين الكذب». وأيضاً عباد الله مما أحدثه الناس في رجب ما كان من إيقاعهم بالصيام فيه، إذ أننا نجد أن شخصاً من الناس لربما تمر عليه الأيام والليالي فلا يُحدِث فيها صوماً، لكن متى ما أهل عليه هلال رجب أقبل هو وسائر أسرته على مزيد من الصيام. وما ذلك منهم إلا اعتقاد من أن الصيام في رجب مشروع، وهذا يا عبد الله مما لم يثبُت عن نبينا صلى الله عليه وسلم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد مُبَيِّنًا حال نبينا عليه الصلاة والسلام في رجب فقال: «فما صام رجب ولا استحبَّ صيامه». فلا يُشرع الصيام في رجب يا عبد الله، وعلى هذا لنا أُسوَةٌ في فعل سلفنا الصالح من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، على إنكارهم على الناس من تخصيص رجبٍ بالصيام. فقد كان الصديق رضي الله تعالى عنه يُنكر على أهله الصيام في رجب، وذكر ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يضرب أكفَّ الناس في رجب حتى يضعونها في الجفان، ويقول: «كُلُوا، فإنما هو يومٌ يعظِّمه أهل الجاهلية». وجاء كذلك عند ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح من طريق محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب أنكر ذلك وكرهه. وهكذا قال النووي رحمه الله: «ولم يثبت في رجب نهيٌ ولا ندبٌ في صيامه»، أي أن رجب ليس هناك ما يدلُّ على الحث على صيامه. وهكذا قال علي بن إبراهيم رحمه الله تعالى: «ولم يثبت إنما روي في فضل صيام رجب إما موضوع أو ضعيف أو مما لا أصل له». إنك يا عبد الله لو يممت يمنةً ويسرى لتسمع وتحقق في تلكم الأحاديث المروية كذبًا وزورًا في فضل صيام رجب، فإنك لا تخرج عن هذه الأحكام الثلاث. وهكذا عباد الله النقولات في هذا الباب كثيرة، وكلُّها تدُل على أن رجب لا يُخَص بصيامٍ مخصوص لذاته وبعينه. وهكذا عباد الله فإن رجب رعاكم الله شهرٌ كباقي الشهور، لا يُخَصُّ بعبادةٍ، لا بِصلاةٍ، ولا بِصيامٍ، ولا بِنَفَقَةٍ، ولا إِطْعَامٍ. قال الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه العظيم الفوائد المجموعة: «إن من البدع ومن المُحدثات أن الناس يُقبلون على رجب بالعبادات». فإن رأيت من نفسك إقبالًا على الطاعات في رجب، اعلم يا عبد الله أنك على مُحدثةٍ من المُحدثات. عباد الله، إن الله ما ضيَّق علينا، فإن المواسم الشريفة والأيام المُباركة لها مجالها ولها نصوصها نرجع إليها، ورجبٌ ليس منها. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مُجيب الدعوات. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.