الخطبة بعنوان الركائز النبوية في قيام الدولة الإسلامية، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٨ شوال ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الخطيب يحث على أهمية العوامل الشرعية في بناء الدولة مستشهدًا بتأسيس النبي صلى الله عليه وسلم للدولة الإسلامية في المدينة، حيث كان بناء المسجد أول عمل قام به النبي لنشر رسالة الإسلام. هذا يشير إلى أهمية الأسس الدينية في بناء المجتمعات.
ناقش الخطيب أهمية المساجد في بناء المجتمع وتطرق إلى ركائز بناء دولة المدينة، مشيرًا إلى أهمية تنظيم العلاقة بين الراعي والرعية كما فعل النبي، وأكد على ضرورة السمع والطاعة وعدم الخروج على الحاكم إلا في حالة الكفر البواح.
ركز المقطع على الركائز الثلاث لإقامة الدولة الإسلامية: إقامة العبودية لله، تنظيم العلاقة بين الراعي والرعية، وتحقيق الأخوة الإيمانية، مؤكدًا على ضرورة توحيد كلمة المسلمين واجتماع قلوبهم لتحقيق قوة الدولة واستقرارها.
تضمن الدعاء طلبًا لله بأن يوفق بلاد المسلمين للخير ويحميها من الشر، ويولي عليهم الصالحين، ويصرف السوء عنهم ويولي عليهم خيارهم، مما يعكس الرجاء في صلاح أمور المسلمين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، لكم فرحنا والله فرحًا كبيرًا كثيرًا بما منَّ الله جل وعلا به علينا خاصة أي أهل هذه البلاد اليمنية، وعلى أهل الإسلام عامة من تحرير بلاد عدن من براثن أهل الرفض الأنجاس الأرجاس الذين كانوا قاب قوسين أو أدنى من السيطرة عليها، فحق لكل مسلم أن يفرح بذلك، كما قال ربنا جل وعلا ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ ينصر من يشاء. أي نعم، عباد الله، لولا لطف الله سبحانه وتعالى لكان الحال غير هذا الحال، وأيضًا لولا أن قام من تصدَّى لهذا المدِّ الرافضي، سواء من تصدَّى لهم من أهل بلادنا أو من تصدَّى لهم من دول الجوار، سواء من تصدَّى لهم بنفسه وروحه فعرَّض نفسه للهلاك والفنى لا لشيء وإنما لعقيدته ولدينه ولشريعة أمَّته، وكان في ذلك مبتغاه نيلُ إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة، عزِّ الدنيا أو عزُّ الآخرة. وآخرون تصدَّوا لهذا المدِّ بأموالهم وجاههم، فأنفقوا القليل والكثير لدعم أهل الثُّغور ولسدِّ حاجات أهل البيوت، فيسَّروا السُّبُل والشُّؤون لمن تعسَّرت عليهم الأمور، وآخرون تصدَّوا لهؤلاء بالإلحاح على الله بالدُّعاء وبقرع أبواب السماء، فسألوا الله جل وعلا في الليل والنهار بقلبٍ كسير وبلسانٍ ذليل أن الله جل وعلا يكشف الكُربة ويدفع البلية عن أبناء الملة والأمة. عباد الله، إلا أن فرحتنا لن تتم ولن تكمُل حتى تُطهَّر سائر البلاد اليمنية من هذه النبتة الخبيثة سبَّابة الصحابة وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أننا لا نرضى لهم أثرٌ في الوجود فضلاً أن يكون لهم مقامٌ أو مكانٌ بالجوار. وعلموا عباد الله أيضاً أن هذه المرحلة ليست هي نهاية المطاف، وإنما ما يأتي بعده من مراحل لا يقلُّ أهمية عما مضى، وأعني بذلك مراحل البناء والإعمار. إن كثيرًا من الناس لربما عقد آمالًا على بناء دولةٍ أو عاصمةٍ قويةٍ فتية، وذلك من خلال المشاريع التنموية والاقتصادية، إلا أن رؤيتهم لا تخرج عن الاتكاء على أسبابٍ ماديةٍ دنيويةٍ بحتة، وتغافل عن أسبابٍ شرعية هي السبب الأعظم في قيام الدول ونهوضها واستقرارها وفيه قوتها، وهي أدنى أولى بالاهتمام والعناية والرعاية من أي سببٍ آخر. ونظرةٌ فاحصة ونظرةٌ سريعة على بلدةٍ عريقة كانت فيما مضى من الزمان يُضرب بها الأمثال على الضعف والوهن والهوان، دولةٌ ممزَّقة مُفرَّقة، لكنها في فترةٍ يسيرةٍ وجيزة أصبحت دولةً عُظمى، دولةً عُظمى ارتمى تحت لوائها ورايتها العديد من المدن والكثير من الأقاليم، بل أصبحت الجزيرة العربية بأسرها تحت رئاستها وتحت زعامتها، وأعني بها المدينة النبوية، تلكم الدولة المدينة التي أدهشت العرب والعجم وأذهلت أهل الملل وسائر الأمم من سرعة نهوضها وشدة بأسها وقوة تماسكها. فما أحوجنا عباد الله إلى استخلاص العوامل والركائز الذي اعتمد عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في إخراج هذه البلدة على هذا المظهر، المدينة مفخرة الدنيا والبلاد العظمى. عباد الله، إن المتأمل في سيرته صلوات ربي وسلام عليه في كيفية بناء المدينة، إن الناظر ليتراء أسبابا ثلاثة تعتور العوامل الرئيسة التي اعتمد عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في بناء دولة قوية فتية. وأولى هذه العوامل إقامة العبودية لله سبحانه وتعالى، ويظهر هذا العامل في أول عمل قام به نبينا صلى الله عليه وسلم عند مقدمه إلى المدينة، فهو لم يحط رحاله ولم ينزل ركابه إلا على بقعة أشار إليها أن تكون مسجده عليه الصلاة والسلام. فما هي أيام منذ وصوله حتى أقام عليه الصلاة والسلام أول صرح بناه بيده عليه الصلاة والسلام ألا وهو مسجده، ألا وهو مسجده صلوات ربي وسلام عليه، ولم يكن المسجد مهمته تنحصر في اكتناف شعيرة الصلاة فحسب، بل كانت رسالة المسجد هي رسالة الإسلام هي رسالة الإسلام بكل ما تحمله كلمة الإسلام من معنى. فقد كانت المساجد وقد كان مسجده عليه الصلاة والسلام محلٌ تقام فيه الصلوات وتقام فيه الجمع والجماعات وسائر النوافل والقربات، وكان مسجده عليه الصلاة والسلام منارة للعلم والتعليم وتعطى فيه التوجيهات وتقام فيه الحلقات، وكان مسجده هو محط التائبين ومحط المنكسرين والملتجئين إلى رب العالمين، بل كان مسجده عليه الصلاة والسلام تجهز فيه الجيوش وتبعث منه السرايا والجنود، وكان في مسجده تُعطى العهود والمواثيق وتُبرم العهود. وأيضًا كان مسجده يُستقبل فيها الزوار ويُستقبل فيها الوفود، بل كان مسجده أيضًا مأوى يلتج إليه المُستضعفين من المُحتاجين والمساكين والمُنقطعين. نعم عباد الله، وهكذا كان مسجده هو مُلتقَ الأحِبَّة من عباد الله، يجتمعون في هذا المكان خمس مرات في اليوم والليلة، نعم عباد الله، كان المسجد عندهم هو كل شيء، بل كان المسجد عندهم فيه تقويمٌ ومعيارٌ لتقويم الرجال. قَالَ رَبُّنَا جَلَّا فِي عُلَاهِ ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. عباد الله، لقد كان بناءُ المسجد في المدينة كأول عملٍ يقومُ به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم في هذه البلدة، كان إيذانًا وإشعارًا بأن بقاء هذه البلدة وأي دولة إنما يكون بمدى تعلُّقها بربها ومحافظتها على شرائع دينها والإقبال على الأعمال الصالحة. قال ربنا جلَّا فِي عُلَاه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلْيُمَكِّنَّنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلْيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. نعم عباد الله، من أراد الاستخلاف والتمكين، من أراد الأمن والأمان، من أراد الاستقرار والازدهار، من أراد العزة والاستعلاء، فعليه بالإقبال بالعبودية على الله فردًا كان أو مجتمعًا. وإن الدولة متى ما أغفلت عن هذا الجانب وانشغلت عن رب الأفراد بالله وتلهت بالشهوات والملذات، فأقبلت على بناء المراقص والملاهي والحانات والخمارات وأماكن الفساد والرذيلة، فلتعلم تلكم الدولة وغيرها أنها قد كتبت الهلاك على نفسها، كما قال ربنا ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. وأما الركيزة الثانية التي اعتمد عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في بناء دولة المدينة، فكان ذلك في تنظيم العلاقة بين الراعي والرعية، وقد أولى نبينا صلى الله عليه وسلم لهذه الركيزة أولى اهتماماته عليه الصلاة والسلام، بل إنه بادر بتعجيلها بادر بتعجيلها قبل هجرته إلى المدينة، إذ به صلوات ربي وسلامه عليه قد أبرم بيعة العقبة الأولى والعقبة الثانية، والتي تعتبر اللبنة الأولى في بناء دولة المدينة، وهو لا يزال في مكة. نعم عباد الله، وقد كانت مضمون البيعتين بوجوب السمع والطاعة وتأدية كل ذي حق حقه بين الراعي والرعية، يقول جابر رضي الله تعالى عنه: «قال قال لنا نبينا صلى الله عليه وسلم: تُبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والمكسل، وأن تُنفِقوا في العسر واليُسر» إلى آخر كلامه صلوات ربي وسلامه عليه، قال جابر: «فقمنا إليه فبايعناه». واعلموا عباد الله أن هذه الركيزة كانت من أعظم الأسباب إلى رسل الصفوف بين الراعي والرعية وإعطاء كل ذي حق حقه، ولم تكن هذه العلاقة الحكيمة من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، بل إنه صلوات ربي وسلام عليه أرشد الأم عليها وحث عليها، فقال عليه الصلاة والسلام: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره». وكم هي الأحاديث الكثيرة والآثار الوفيرة التي فيها أرشد نبينا عليه الصلاة والسلام إلى ضرورة نخب الأئمة ومن ثم وجوب السمع والطاعة ما لم يأمروا بمعصية الله، وعدم الخروج عليهم وإن جاروا وإن ظلموا، إلا أن يظهر منهم كفراً بواحا لنا عندنا فيه من الله برهان وقدرنا على إزاحتهم وإخراجهم. نعم عباد الله، هذه الركيزة من أعظم الركائز التي بها تقام الدول، ومن لم يقم بها أو تهاوى في شأنها، فيكفي عبرة الواقع الملموس، يكفيك يا عبد الله نظرة يمنة ويسرة إلى بلاد المسلمين وإلى مجتمعات المسلمين وما يعيشون فيه ويدوكون من فتن ومحا ومن انسكاب لحمامات الدماء التي تدفقت من أرواحهم وأجسادهم. ما كان ذلك إلا إغفالاً لهذه الركيزة، ونبينا قد اعتماع عظيما تنظيم العلاقة بين الراعي والرعية. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدّاعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لا زلنا وإياكم نستعرض مع أهم العوامل وأهم الركائز التي اتكأ عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في بناء دولة المدينة، تلكم الدولة التي يصدق على وصفها بلاد الخيال، إذ أنها في فترة وجيزة ومدة يسيرة من مقدمه عليه الصلاة والسلام في إحدى السنوات أو بضع سنوات، حتى أصبحت دولةً عظمى ارتمت تحت لوائها المدن العديدة والأقاريم الكثيرة. وكان الغرض من تتبع هذه العوامل والركائز التعرّف عليها ومن ثم السير على حذوها حتى تصل الدول إلى حال تلكم الدولة التي يُضرب بها المثال بالقوة والسيادة والقيادة والريادة. وكان من أعظم الأسباب وأعظم العوامل والركائز التي اعتمد عليها نبينا عليه الصلاة والسلام أولاها إقامة العبودية لله، وظهر ذلك جلياً في أول عمل قام به إثر وصوله للمدينة، إذ بنى مسجده صلوات ربي وسلام عليه لكي يربط الأفراد بالله جلاً في علام. وكان ثاني هذه العوامل والركائز تنظيم العلاقة بين الراعي والرعية، ويظهر ذلك جلياً أيضاً فيما قام به عليه الصلاة والسلام من بيعة العقبة الأولى والثانية مع أهل المدينة حتى يؤد ما عليهم من حقوق. وأما الركيزة الثالثة والتي اعتمد عليها نبينا عليه الصلاة والسلام في قياف إقامة الدولة الإسلامية في المدينة النبوية، ما كان من تحقيق الأخوة الإيمانية، فقد حرص نبينا صلى الله عليه وسلم كل الحرص على هذه الركيزة، وذلك بأن يسود المحبة والأخا بين أفراد أهل المدينة، فكان ذلك بأن استطاع عليه الصلاة والسلام من إحلال الود والوئام بين أهل المدينة بما يسمى بالمؤاخاه. إذ آخى نبينا عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين الذين تركوا بلادهم وأوطانهم بين إخوانهم الأنصار، في مؤاخاه لم يسمع التاريخ بمثلها أبدا، إذ قام الأنصار بعرض ما يملكونه على إخوانهم المهاجرين من مال ومتاع وعقارة وتجارة، بل كل ما يملكونه كان يعرضونه على إخوانهم حيث حتى يقتسموه فيما بينهم. نعم يا عبد الله، إنها الأخوة الإسلامية الأخوة الإيمانية التي حرص حرص نبينا على إيجادها لأنها سبب من أعظم الأسباب في نهوض الدولة وفي قيامها وفي قوتها. وكان من طريق المؤاخاه استطاع نبينا عليه الصلاة والسلام من إيجاد مجتمع فريد فريد في نوعه، مجتمع لم يكن بينهم بغضاء ولا شحناء ولا إحن ولا عداوة، شعب ومجتمع قائم على مبدأ التكافل والتعاون، ساد بينهم المحبة والإخام. فأوجد ذلك مجتمعا موحدا أسه وأساسه توحيد كلمة المسلمين واجتماع قلوب المؤمنين، كما قال ربنا جل في علام: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. وإن هذه الركيزة يا عبد الله لا تتأتى إلا بإبعاد أسباب الفرقة والاختلاف والانقسامات، وعرأس ذلك ما كان قد وجل في مجتمعاتنا من ظهور التجمعات والجماعات والتكتلات والأحزاب السياسية أو الدينية أو غيرها، إذ كانت هذه المظاهر من أعظم الأسباب في فساد الأخوة الإسلامية التي أرادها الله جل في علاه بين المسلمين. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، نعم يا عبد الله، فظهرت هذه التجمعات وهذه التكتلات، فأصبح كل فرد من أفرادها ممن يدين لها ويحمل تحت رايتها همه وشغله أن ينفع حزبه وأن ينفع أصحابه ومصالحه، ما فكر في أمته ولا فكر في شعبه. وهذه البلاد ما وصلت إلى حالة من الفساد إلا عندما ظهرت تلكم التعددية الحزبية. عباد الله، نبينا عليه الصلاة والسلام منذ مقدمه للمدينة آخى بين الجميع، ما فرق بين مهاجري وأنصار، جعل الكل على قلب رجل واحد، فلما كان ذاك قامت تلكم الدولة. عباد الله، إن هذه الركائز الثلاث ينبغي أن تكون في حسبان كل أحد أراد أن يبني دولة فتية قوية يحسب أعداؤها لها ألف حساب، ينبغي أن يولي لها الاهتمام الأكبر، إقامة العبودية لله، تنظيم العلاقة بين الراعي والرعية، تحقيق الأخوة الإيمانية. وكم جمع نبينا عليه الصلاة والسلام بين هذه العوامل الثلاث في أكثر من حديث، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا، وأن تناصحوا من والله والله أمركم، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا». يا عبد الله، في الثلاث، قوله عليه الصلاة والسلام: «أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا» فيه إقامة العبودية لله، وقوله: «وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» فيه تحقيق الأخوة الإيمانية، وقوله: «وأن تناصحوا من والله والله أمركم» فيه تنظيم العلاقة بين الراعي والرعية. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال وهذه الثلاث تجمع قواعد الدين وأصوله، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم بها مصالح الدنيا والآخرة». ولتعلم العكس بالعكس، فإن أي دولة أرادت أن تقوم على خلاف هذه الركائز الثلاث، فلتعلم أن قيامها سرعان ما سيصيبه الضعف، بل لربما أصابه الانهيار. يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «قال ولم يقع خلل ولم يقع خلل في دين الناس ولا في دنياهم إلا بالإخلال بهذه الثلاث أو ببعضها». فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. الله مغفر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. الله من أراد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء فاشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرا عليه يا رب العالمين. اللهم ولي علينا خيارنا ولا تولي علينا شرارنا، اللهم ولي علينا خيارنا ولا تولي علينا شرارنا، اللهم ولي علينا خيارنا ولا تولي علينا شرارنا. أقول قولي هذا، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.