الخطبة بعنوان عقوق الوالدين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 13 رجب 1439هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن خطورة عقوق الوالدين وعقاب العاقين، حيث يعتبر العقوق من كبائر الذنوب. يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من العقوق ويبين عاقبته الوخيمة.
يشرح العقوبات المترتبة على العقوق، منها عدم دخول الجنة وعدم نظر الله إليه يوم القيامة. كما يشير إلى أن الله لا يقبل طاعات العاق لوالديه.
يُظهر أهمية بر الوالدين وفضله، ويحث على الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يشير إلى أن بر الوالدين يعود بالخير في الدنيا والآخرة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، في خطبة سابقة تحدثنا عن حقوق الوالدين، وكيف أن حقهما بعد حق الله جل في علاه إشارة ودلالة على عظيم أمرهما وعلو قدرهما، وعلمنا أيضًا أن من حقوق الوالدين القيام ببرهما والإحسان إليهما والعناية بشؤونهما والقيام بحوائجهما، ومما تعلمناه أيضًا أنه من كان بارًا بوالديه فليبشر بخيري الدنيا والآخرة، من دخول الجنان والبعد عن النيران، وبتيسير الأرزاق والأموال، وبالنجاة من الكربات والهموم والغموم والأحزان. عباد الله، وإن مما له تعلق بهذا الموضوع أن نعلم أن العكس بالعكس، فمن لم يكن بارًا بوالديه بل كان عاقًا لهما لا يؤدي حقهما، فليعلم أن الله عز وجل قد توعده بالنار وبئس القرار، والعقوق فسَّره العلماء بأنه كل سلوك يؤدي إلى أذية الوالدين، فكل سلوك، سواء أكان قولًا أو فعلًا، أدى إلى أن يؤذي أحد الوالدين، فليعلم أنه عاق لهما. عباد الله، إن ظاهرة العقوق قد انتشرت في الآونة الأخيرة، وخاصة في هذه الأزمان، حتى لا يكاد أن يخلو بيت من بيوت المسلمين إلا وتجد هذه الظاهرة، إلا من رحم الله جل في علاه، بل أخبر عليه الصلاة والسلام أن ظاهرة العقوق من علامات الساعة، فقد جاء في حديث جبريل عليه السلام أنه قال لرسول الله: «فأخبرني عن أماراتها»، فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تلد الأمة ربتها»، أي أن تلد الأمة سيدتها. وقد شرح العلماء هذا المقطع من الحديث بمعنى أن فيه الكناية عن العقوق، حتى تجد أن الأولاد، ذكورًا كانوا أو إناثًا، ينزلون الأم بمنزلة الخادمة، تعمل وتشتغل وتكد، وهم ما لهم إلا الأوامر والنواهي، كما هو حاصل في بعض البيوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله. عباد الله، كما أن الله جل وعلا رغب ببر الوالدين والإحسان إليهما أداء لحقهما، فإنه سبحانه وتعالى حرم العقوق ومنع منه، وأوعد بن عذاب شديد عليه، واعتبره جرمًا من الجرائم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يحب العقوق»، لأنها من الأخلاق الرزية ومن السلوكيات الردية. فإذا كان الله لا يحب العقوق، فهو سبحانه لا يحب العاقين، بل إن الشرع قد عد العقوق من كبائر الذنوب، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، قلنا: «بلى يا رسول الله»، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور». في هذا الحديث التحذير من العقوق من ناحيتين اثنتين، باعتبار العقوق من كبائر الذنوب ومن عظائمها ومن أشدها، والاعتبار الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل العقوق بعد الإشراك بالله جل وعلا، دلالة على عظيم هذا الإثم. فبالله عليك يا أيها العاق، أتدري ما عظيم ما كسبت وجرم ما اقترفت بعقوق لوالديك؟ وشبيه بهذا المعنى ما رواه ابن حبان في صحيحه أن رجلًا أعرابيًا قال: «يا رسول الله، ما الكبائر؟»، قال عليه الصلاة والسلام: «الإشراك بالله»، قال: «ثم ماذا؟»، قال: «ثم عقوق الوالدين»، قال: «ثم ماذا؟»، قال: «ثم اليمين الغموس». نعم، عباد الله، العقوق من كبائر الذنوب، بل إن العاق ليس أهلًا لدخول الجنة، وذلك لخبث طبيعته وانتكاسة فطرته ولعظيم جحوده ونكرانه لوالديه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بالقدر». ليس أهلًا لدخول الجنان، وإن الله سبحانه وتعالى ليجازي العاق بجنس فعله، حيث إنه أعرض عن والديه، فإن الله سيعرض عنه يوم القيامة، لأن رضى الله من رضى الوالدين، وسخطه في سخطهما، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق، والمرأة المترجلة، والديوث». الجزاء من جنس العمل، كما أن العاق أعرض عن والديه، فإن الله سيعرض عنه يوم القيامة، فتأمل يا عبد الله شديد العقاب، وانظر كيف أن العاق هو دائمًا في قائمة الأشرار، وذلك لعظيم جرمه ولعظيم ما فعل، إذ إنه ألحق الأذى بوالديه، واللذان يعتبران سببًا في وجودك والقيام على عنايتك ورعايتك والسهر على راحتك وسلامتك. فلا زال بك أذيهما بأعمارهما، وأنفق الكثير من أموالهما في سبيل نشأتك، فلما كبرت واشتد صلبك وقوي ساعدك، وظن بك أنك ستعوض والديك عما فات من خدمة ومن عمل، إذ بك يا عبد الله تلاقيهم بالعقوق، فذاك يسبهم ويشتمهم ويتطاول عليهم ويلعنهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من لعن والديه»، وآخر لربما تجرأ فطردهما من البيت واستولى على ممتلكاتهما وأموالهما، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنت ومالك لأبيك»، ليس لك حظ يا عبد الله من هذه الدنيا، أنت ومالك لأبيك. وآخرون من أهل العقوق لربما يتضايقون من أوامرهما والسعي على خدمتهما، وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، وآخرون لربما آذوهما في أحوال الوالدين لدرجة البكاء يبكيهما، وقد قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه كما في صحيح الأدب المفرد: «بكاء الوالدين من العقوق». وأعظم العقوق وأشده إذا قام الوالدان بنصح الابن وإرشاده إلى الصلاة والاستقامة، لكنه يعرض عن هذا كله، والذي قال لوالديه: «أف لكما»، أتعلمانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي؟ وهم يستغيثان الله: «ويلك آمن، ويلك آمن، إن وعد الله حق». عباد الله، إن للعقوق صورًا كثيرة، ومآلها كلها إلى هذا المعنى أن تلحق الأذى أو تدخل الحزن عليهما. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. أما بعد، عباد الله، لازموا وإياكم نستعرض مع بعض العقوبات التي يجنيها العاق على نفسه بسبب عقوقه لوالديه، فمن ذلك أن الله عز وجل لا ينظر إليه، وهكذا لا يدخله الجنة، «لا يدخل الجنة عاق»، كما قال عليه الصلاة والسلام، وأن الله سبحانه لا يحبه، «إن الله لا يحب العقوق». وأيضًا عباد الله، فإن العقوق سبب من أعظم الأسباب في منع العاق من انتفاعه بأعماله الصالحة، فكم من عاق لربما يرى في صلاته وفي زكاته وفي حجه وصومه أن يرى فيها النجاح، لا يا عبد الله، فعن عمر بن مرة الجهني رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان»، قال عليه الصلاة والسلام: «من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء»، ثم قال: «إلا أن يعق والديه». الله أكبر، عباداتك، طاعاتك، أعمالك مرهونة يا عبد الله ببرك وإحسانك مع والديك، فمهما صليت ومهما صمت وقمت، كدت أن تكون مع المقربين من النبيين والصالحين، إلا أن تكون عاقًا، فلن تدرك هذه المنازل أبدًا. ومثل هذا ما رواه الإمام الطبراني من حديث أبي أمامة الباهلي قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا»، ذهب جماعة من الشراح، وهم الجمهور، أن معنى الصرف والعدل أي الفريضة والنافلة، «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا»، لا يتقبل الله من فرائضهم شيئًا، ولا يرفع من نوافلهم شيئًا، «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا: العاق، والمنان، والمكذب بالقدر». العاق لا زال على الواجهة من أوائل من يذكرون من الأشرار، لعظيم جرمهم وعظيم ما اكتسبوه، فهم مهما فعلوا من طاعات وعبادات من فرائض ونوافل، فإنها ترد على وجوههم بسبب عقوقهم لوالديهم. عباد الله، وعلينا أن نعلم جميعًا أن العقوق دين يجب أن يوفيه صاحبه في الدنيا قبل يوم القيامة، فكما تدين تدان، فإن بذلت البر مع والديك، فإن الله عز وجل يرزقك من ذريتك من يكون بارًا معك، وإن كنت يا عبد الله عاقًا لهما، فإن الله عز وجل يسلط عليك من أبنائك من يذوقك العقوق. روى الإمام الطبراني في معجمه من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إثنتان يعجلهما الله في الدنيا»، أي ذنبان ووزران، «إثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين»، ولا زالت الأخبار تحدثنا عن هذه الحقيقة المرة، والله المستعان. فمن عق والديه، فإن الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا يعسر عليه الأمور، ويجلب عليه الهموم والغموم، ويصلط عليه من أولاده من يذيقه ألم العقوق، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون. عباد الله، كما أننا علمنا أن عقوق الوالدين من كبائر الذنوب، فعلينا أن نعلم أيضًا أن عقوق الأمهات أعظم وأشد، أعظم وأشد، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله حرم عقوق الأمهات»، ووعد البارين بهن، ومنع وهات. قال إمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: بعدما بين أن عقوق الأمهات وعقوق الآباء من كبائر الذنوب بالاتفاق، ثم قال: «هنا إنما اقتصر رسول الله على ذكر الأمهات لعظيم حرمتهن»، ثم قال: «ولأن أكثر العقوق يقع على الأمهات». يا عبد الله، لا تستغل ضعف الأم فتتجرأ عليها بالتطاول عليها والإعراض عنها، فإن أمرها وحقها أعظم من حق الأب، ففي صحيح مسلم أن رجلًا قال: «يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحبتي؟»، قال عليه الصلاة والسلام: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أبوك»، حق الأم مضاعف، ليس بالهين، ليس بالسهل. أي تتجاوز يا عبد الله فتتطاول على أمك؟ عباد الله، الله الله يا عبد الله بوالديك، كن معهم، ولا تكن عليهم، واعلم أن للوالدين دعوة مستجابة، ليس بينها وبين الله حجاب، ليس بينها وبين الله عجاب، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، ومنها دعوة الوالد على ولده». فاستغل يا عبد الله دعوة الوالدين في أن يدعوان لك بكل خير، فإن ذلك مفتاح الخير كله، وإياك يا عبد الله أن تعقهما فيدعوان عليك بدعوة تذهب عليك دينك ودنياك وآخرتك. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ويسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقموا إلى صلاتكم، رعاكم الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.