الدرس في القات مضار وآفات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 8 صفر 1431هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول الخطيب موضوع القات ومخاطره على المجتمع اليمني، ويشير إلى تأثيراته السلبية على الضروريات الخمس. يُحذر من انتشار تعاطي القات وكيف يُعد إفسادًا للحياة ويُشكل خطرًا على هذه الضروريات.
ناقش المؤتمر أضرار القات الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، وتطرق إلى تأثيراته السلبية على الصحة الجنسية والاقتصاد الوطني. أدى تعاطي القات إلى استنزاف الأراضي الزراعية والمياه الجوفية.
ذكر بعض العلماء الذين أفتوا بتحريم القات، مثل العلامة أبو بكر إبراهيم بن مقري والعلامة حمزة الشيناوي وابن حجر الهيتمي. يُبين الخطيب أضرار القات على الدين وتأثيراته السلبية على الواجبات والحقوق.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ الْمَوْلَى جَلّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللَّهِ، أَرَوْنَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». فَهَذَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ، مَعَ أَنَّهُ مَعَ قِلَّةِ أَلْفَاظِهِ وَقِصَرِ كَلِمَاتِهِ، إلَّا أَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعِظَامِ وَالْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا دِينُ الْإِسْلَامِ، وَفَحْوَاهُ وَمَعْنَى أَنَّ الضَّرَرَ يُزَالُ. فَالضَّرَرُ فِي شَرِيعَتِنَا مَرْفُوضٌ، وَهُوَ مِنْ أَصْلِهِ وَأَسَاسِهِ مَنْقُوبٌ. وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي مَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ وَالشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ يَجِدْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ أَحْكَمَتْ بَابَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ بِمَنْعِ صُوَرِهِ وَأَشْكَالِهِ وَقَطْعِ طُرُقِهِ وَأَسْبَابِهِ. وَبِهَذَا جَاءَتْ الشَّرَائِعُ وَالْأَدْيَانُ. يَقُولُ إمَامُ الشَّاطِبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُوَافَقَاتِ: «وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ، بَلْ وَسَائِرُ الْمِلَلِ، عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَضَتْ لِلْمُحَافِظَةِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ». انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالَ: «اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ، بَلْ وَسَائِرُ الْمِلَلِ، عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَضَتْ لِلْمُحَافِظَةِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالْعَقْلُ، وَالْمَالُ، وَالنَّفْسُ، وَالْمَالُ». وَلِهَذَا وَلِغَيْرِهِ أُقِيمَتْ الْحُدُودُ، وَشُرِعَتْ الْعُقُوبَاتُ فِي سَبِيلِ الْمُحَافِظَةِ عَلَى هَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ مِنْ الْعَبَثِ وَالتَّلَاعُبِ وَالِاعْتِدَاءَاتِ. وَمِنْ الْمُؤَسِفِ أَنْ نَرَى الْكَثِيرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يُبَالُوا بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ. فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ يَقُومُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فِي حَيَاتِهِمْ الْيَوْمِيَّةِ، وَهِيَ تُؤَثِّرُ سَلْبًا عَلَى دِينِهِمْ أَوْ عَلَى عُقُولِهِمْ أَوْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. وَمِنْ ذَلِكُمْ تِلْكَ الظَّاهِرَةُ الَّتِي انْتَشَرَتْ وَطَمَتْ وَعَمَّتْ فِي بِلَادِنَا الْيَمَنِيَّةِ، ظَاهِرَةٌ مُشِينَةٌ وَصِفَةٌ ذَمِيمَةٌ تَتَابَى عَلَيْهَا الْكَثِيرُونَ دُونَ نَظَرٍ فِي خَطَرِ عَوَاقِبِهَا أَوْ مَضَارِّ تَبِعَاتِهَا. وَأَعْنِي بِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ ظَاهِرَةَ تَعَاطِي الْقَاتِ. الْقَاتُ عِبَادَ اللَّهِ، تِلْكَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أَصْبَحَتْ بِحَقٍّ هِيَ أَفْيُونُ لِلشَّعْبِ الْيَمَنِيِّ. شَبَّ عَلَيْهَا الصَّغِيرُ، وَهَرَمَ عَلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَرَبَّى عَلَيْهَا الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ. وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تُنْذِرُ بِخَطَرٍ عَظِيمٍ. هَذِهِ الشَّجَرَةُ، كَمْ جَرَتْ وَكَمْ جَرَتْ عَلَى أَتْبَاعِهَا أَنْوَاعًا مِنْ الشُّرُورِ وَالْأَضْرَارِ. فَمَا مِنْ مَجَالٍ مِنْ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ إلَّا وَقَامَ الْقَاتُ بِإِفْسَادِهِ وَإِتْلَافِهِ. بَلْ بَلَغَ مِنْ ضَرَرِهِ أَنَّهُ تَعَدَّى بِالْمَسَاسِ بِالضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَالَّتِي قَدْ قَامَتْ الْأَدْيَانُ وَالشَّرَائِعُ عَلَى حِفْظِهَا وَحِمَايَتِهَا. وَهِيَ كَمَا مَرَّتْ: الدِّينُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّفْسُ، وَالْمَالُ، وَهَكَذَا النَّسْلُ. وَإِنَّنِي عِبَادَ اللَّهِ، فِي هَذَا الْمَقَامِ، نَذْكُرُ نَمَاذِجَ سَرِيعَةً عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمَشْؤُومَةِ، وَكَيْفَ أَنَّهَا هَزَتْ هَذِهِ الْأُصُولَ الْعِظَامَ وَهَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسَ. فَمِنْ تَأْثِيرِ الْقَاتِ عَلَى الْعُقُولِ، فَإِنَّ الْقَاتَ يُحْدِثُ فِي الدِمَاغِ تَفْتِيرًا وَتَخْدِيرًا. وَقَدْ اكْتَشَفَ الْبَاحِثُونَ أَنَّ وَرَقَةَ الْقَاتِ تَحْتَوِي عَلَى مَوَادَّ مُخَدِّرَةٍ تُؤَثِّرُ عَلَى عُقُولِ أَصْحَابِهَا. وَلِهَذَا أَدْرَجَتْ الْمُنَظَّمَةُ الصِّحِّيَّةُ الْعَالَمِيَّةُ شَجَرَةَ الْقَاتِ فِي قَائِمَةِ الْمَوَادِّ الْمُخَدِّرَةِ مُنْذُ عَامِ 1973. بَلْ وَهَذِهِ النَّتِيجَةُ قَدْ خَلَصَ إلَيْهَا أَصْحَابُ الْمُؤْتَمَرِ الْإِسْلَامِيِّ لِمُكَافَحَةِ الْمُذَكِّرَاتِ وَالْمُخَدِّرَاتِ، الَّذِي تَمَّ انْعِقَادُهُ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي عَامِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ مِنْ الْهِجْرَةِ. حَيْثُ شَارَكَ فِي هَذَا الْمُؤْتَمَرِ عُلَمَاءُ وَمُتَخَصِّصُونَ يُمَثِّلُونَ عَنْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَوْلَةً إسْلَامِيَّةً. وَكَانَ مِنْ تَوْصِيَاتِهِمْ فِي هَذَا الْمُؤْتَمَرِ أَنَّهُمْ قَالُوا: «يَقْرِرُ الْمُؤْتَمَرُ، بَعْدَ اسْتِعْرَاضِهِ لِأَضْرَارِ الْقَاتِ الصِّحِّيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ وَالْخُلُقِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ، أَنَّهُ مِنْ الْمُخَدِّرَاتِ الْمُحَرَّمَةِ شَرْعًا». إِذَنْ عِبَادَ اللَّهِ، فَالْقَاتُ مِنْ الْمَوَادِّ الْمُخَدِّرَةِ. وَقَدْ نَهَى نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ. وَيَلَاحِظُ أَثَرُ هَذِهِ الْمَوَادِّ فِي حَيْثُ أَنَّهُ يُوجِدُ حَالَةَ النَّشْوَةِ الَّتِي يَجِدُهَا الْمُخَزِّنُ مَتَى مَا تَعَاطَى هَذِهِ الْأَوْرَاقَ. حَيْثُ أَنَّهُ يَجِدُ مِنْ النَّشَاطِ وَالْأَرِيحِيَّةِ، وَمِنْ الْأَفْكَارِ الْغَرِيبَةِ، وَمِنْ الْخَيَالَاتِ الْبَعِيدَةِ، وَمِنْ الشُّرُوظِ الذِّهْنِيِّ عَلَى حَدِّ زَعْمِ بَعْضِهِمْ، مَا يُنْسِيهِ مِنْ مَصَائِبِ الدُّنْيَا وَآلَامِهَا. إلَّا أَنَّهُ بَعْدَ فَتْرَةٍ، وَبَعْدَمَا يَذْهَبُ أَثَرُ الْقَاتِ، يُصَابُ بِضِيقٍ وَمَلَلٍ وَهَمٍّ. وَمَا ذَاكَ إلَّا لِانْتِهَاءِ مَفْعُولِ الْمُخَدِّرِ الْمَوْجُودِ فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ. وَأَيْضًا مِمَّا يُؤَكِّدُ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ وُجُودَ هَذِهِ الْمَوَادِّ الْمُخَدِّرَةِ فِي شَجَرَةِ الْقَاتِ، مَسْأَلَةُ الْإِدْمَانِ. فَإِنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى الْقَاتَ وَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ فَتْرَةٍ يَجِدُ مِنْ الصُّعُوبَةِ الْإِقْلَاعُ وَالِانْفِكَاكُ عَنْهُ. لِأَنَّهَا اسْتَحْكَمَتْ عَلَى عَقْلِهِ وَعَلَى فِكْرِهِ، وَسَرَتْ فِي دَمِهِ. وَلَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى صَاحِبِ الْقَاتِ إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْ شَيْئًا مِنْ قَاتِ يَوْمِهِ، كَيْفَ أَنَّهُ يَنْقَلِبُ إلَى إنْسَانٍ هَائِجٍ، مُتَقَلِّبٍ، مُضْطَرِبٍ، تَتَغَيَّرُ مَلَامِحُهُ، وَتَنْقَلِبُ طِبَاعُهُ، وَلَا يَجِدُ لَهُ قَرَارًا حَتَّى يَجِدَ حُزْمَةً مِنْ الْقَاتِ، وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى فِعْلِ وَسَائِلِ مُحَرَّمَةٍ مِنْ سِرْقَةٍ وَنَهْبٍ وَتَلَصُّصٍ. وَهَكَذَا حَدَثَ عَنْ الرِّشَاوَةِ الَّتِي تَضْرِبُ فِي جَنَبَاتِ الْيَمَنِ، وَفِي الْمَرَافِقِ الْحُكُومِيَّةِ، تَحْتَ شِعَارِ «حَقِّ الْقَاتِ». وَهُوَ بِحَقٍّ يُسَمَّى «حَقَّ الشَّيْطَانِ». فَهَذَا عِبَادَ اللَّهِ شَيْءٌ مِمَّا يُذْكَرُ مِنْ تَأْثِيرِ الْقَاتِ عَلَى الْعُقُولِ. وَأَمَّا مِنْ تَأْثِيرِ الْقَاتِ عَلَى النَّسْلِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْبَاحِثُونَ أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤَدِّي إلَى الضَّعْفِ الْجِنسِيِّ. أَلَفَّ بَعْضُ الدُكُاتِرَةِ الْيَمَنِيِّينَ بَحْثًا أَثْبَتَ فِيهِ أَنَّ ثَمَانِينَ بِالْمِئَةِ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَتَعَاطَوْنَ الْقَاتَ أَنَّهُمْ يُصَابُونَ بِضَعْفٍ جِنسِيٍّ، وَخَاصَّةً بَعْدَ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ. بَعْدَ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ. وَأَثْبَتَ آخَرُونَ أَنَّ مِنْ تَأْثِيرِ تَبْغِيضِ الْقَاتِ عَلَى الْأَجْهِزَةِ التَّنَاسُلِيَّةِ أَنَّهُ يَذُرُّ بِالسَّلَالِ، وَهُوَ الْوَدِيُّ، وَأَنَّهُ يُهْلِكُ الصُّلْبَ، وَيُبْعِثُ الْمَنِيَّ، وَأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَةِ الْإِفْرَازَاتِ الْمَنَوِيَّةِ غَيْرِ الْإِرَادِيَّةِ بَعْدَ التَّبَوُّلِ. وَذَكَرُوا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَتَاعِبِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الْجِهَازِ التَّنَاسُلِيِّ، وَمِنْ ثَمَّ فِي الْحَيَاةِ الْجِنسِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ. وَهَكَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، إنْ سَأَلْتَ عَنْ أَضْرَارِ الْقَاتِ مِنْ النَّاحِيَةِ الْمَادِيَّةِ، فَحَدَّثْ وَلَا حَرَجَ. فَقَدْ شَكَّلَ الْقَاتُ أَزْمَةً اقْتِصَادِيَّةً حَادَّةً فِي بِلَادِنَا، عَلَى مُسْتَوَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ. فَقَدِ اسْتَنْزَفَ الْقَاتُ سُرُورَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَرَاضِي الْزِرَاعِيَّةِ الْيَمَنِيَّةِ. فَقَدْ كَانَتْ الْيَمَنُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ مِنْ الْبِلَادِ الْمُصَدِّرَةِ لِلْمُنْتَجَاتِ الزِرَاعِيَّةِ مِنْ فَوَاكِهَ وَحُبُوبٍ، عَلَى مُسْتَوَى الْوَطَنِ الْعَرَبِيِّ، كَإِنْتَاجِهَا لِلْبُنِّ وَالْقُطْنِ وَالْعِنَبِ وَغَيْرِهِ. لَكِنَّهَا فِي الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ تَرَاجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ أَمَامَ اكْتِسَاحِ مَزَارِعِ الْقَاتِ لَهَا. إِذْ أَنَّ مَزَارِعَ الْقَاتِ فِي دِرَاسَةٍ حَدِيثَةٍ قَدْ شَكَّلَتْ أَنَّهَا تَحْتَوِي عَلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِالْمِئَةِ مِنْ الْأَرَاضِي الزِرَاعِيَّةِ الْمَرْوِيَّةِ. خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِالْمِئَةِ مِنْ الْأَرَاضِي الزِرَاعِيَّةِ الْمَرْوِيَّةِ هِيَ خَاصَّةٌ بِزِرَاعَةِ الْقَاتِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ إنَّهَا تَعَدَّتْ إلَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ بِالْمِئَةِ مِنْ أَرَاضِي الْيَمَنِ اسْتُهْلِكَتْ فِي زِرَاعَةِ الْقَاتِ. وَبَاقِي الْمَوَادِّ وَالْحُبُوبِ فِي الثُلُثَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ. وَسَلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ اسْتِنْزَافِ مِيَاهِنَا الْجَوْفِيَّةِ. فَفِي دِرَاسَةٍ تَحْتَ مَجَالِ الْبَحْثِ، تَحْتَ مَجَالِ بَحْثِ الْمِيَاهِ وَالْمَخْزُونِ الْمَائِيِّ، ذَكَرُوا أَنَّ كَمِيَّةَ اسْتِهْلَاكِ مَزَارِعِ الْقَاتِ لِلْمِيَاهِ الْجَوْفِيَّةِ يُقَارِبُ بِثَمَانِمِائَةِ مِلْيُونَ مِتْرٍ مَكَعَّبٍ سَنَوِيًّا. ثَمَانِمِائَةِ مِلْيُونَ مِتْرٍ مَكَعَّبٍ سَنَوِيًّا مِنْ الْمِيَاهِ، وَهَذَا مَا يُعَادِلُ سِتِّينَ بِالْمِئَةِ مِنْ مِيَاهِ الْيَمَنِ تَذْهَبُ إلَى اسْتِهْلَاكِ الْقَاتِ. وَلِهَذَا حَذَّرَ الْمُتَخَصِّصُونَ أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ وَعَلَى هَذَا الْحَالِ، فَإِنَّهُ يُنْذِرُ بِمَوْجَةٍ مِنْ الْجَفَافِ عَلَى بِلَادِنَا. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ. وَأَمَّا عَلَى مُسْتَوَى الْأَفْرَادِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْقَاتَ قَدِ اسْتَنْزَفَ أَمْوَالَ الْمُوَاطِنِينَ الْيَمَنِيِّينَ، وَأَخْرَجَ مَا فِي جُيُوبِهِمْ مِنْ أَمْوَالٍ وَنُقُودٍ. فَفِي دِرَاسَةٍ مَيْدَانِيَّةٍ فِي تَقْرِيرٍ عِلْمِيٍّ، ذَكَرُوا أَنَّ الشَّعْبَ الْيَمَنِيَّ يُنْفِقُ فِي شِرَاءِ شَجَرَةِ الْقَاتِ بِمَا يُعَادِلُ سِتَّمِائَةِ وَخَمْسِينَ مِلْيُونَ دُولَارٍ سَنَوِيًّا. سِتَّمِائَةِ وَخَمْسِينَ مِلْيُونِ دُولَارٍ سَنَوِيًّا يَذْهَبُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ. فَهَذِهِ هِيَ أَمْوَالُ الشَّعْبِ الْيَمَنِيِّ تَذْهَبُ فِي هَذِهِ النَّبْتَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ نَدْعِي الْفَقْرَ؟ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ. فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ. وَمِنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ الْكَثِيرُ، لَوْ أَنَّهُمْ طُولِبُوا بِنَفَقَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ لِوَجْهِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي أَبْوَابِ الْخَيْرِ، لَرُبَّمَا تَقَاعَثُوا. بَلْ إنَّ مِنْهُمْ لَرُبَّمَا بَخِلَ وَشَحَّ فِي النَّفَقَةِ عَلَى أَهْلِهِ وَذَوِيهِ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. إنَّهُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دُعِيَ لِرِضْوَانِهِ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ. عِبَادَ اللَّهِ، عِبَادَ اللَّهِ، لَازِلْنَا نَتَذَاكَرُ هَذِهِ النَّبْتَةَ الْمَشْؤُومَةَ، وَالَّتِي تَرَعْرَعَتْ فِي بِلَادِنَا، وَتَسَلْسَلَتْ وَتَسَلَلَتْ إلَى أَجْسَادِنَا وَأَبْدَانِنَا، ثُمَّ أَرْهَقَتْنَا فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا. وَقَدْ عَلِمْنَا فِيمَا مَضَى عِبَادَ اللَّهِ، بِاخْتِصَارٍ شَدِيدٍ، مَدَى خَطَرِ هَذِهِ النَّبْتَةِ عَلَى عُقُولِنَا، وَعَلَى أَمْوَالِنَا، وَهَكَذَا عَلَى نَسْلِنَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَاتَ يُشَكِّلُ خَطَرًا عَظِيمًا عَلَى صِحَّتِنَا وَعَلَى نُفُوسِنَا. فَكَمْ هِيَ التَّجَارِبُ الْعِلْمِيَّةُ وَالتَّقَارِيرُ الطِّبِّيَّةُ الَّتِي تُثْبِتُ بِكُلِّ جِدِّيَّةٍ أَنَّ وَرَقَةَ الْقَاتِ وَشَجَرَةَ الْقَاتِ أَنَّهَا تُهْلِكُ صَاحِبَهَا، شَعَرَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْعُرْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَطِبَّاءُ الْأَمْرَاضَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي تُخَلِّفُهَا هَذِهِ الْوَرَقَةُ. فَمِنْ أَمْرَاضِ الْقَاتِ أَنَّهُ يُسَبِّبُ تَقَرُّحَاتِ الْفَمِ وَاللِّثَةِ وَاللِّسَانِ، وَهُوَ يُؤَدِّي إلَى عُسْرِ الْهَضْمِ، وَإِلَى فَقْدَانِ الشَّهِيَّةِ، وَإِلَى الْإِمْسَاكِ. وَهَذَا بِدَوْرِهِ يُؤَدِّي إلَى الْبَوَاسِيرِ، وَيُؤَدِّي إلَى سُوءِ الْهَضْمِ. وَبِهَذَا يُفَسَّرُ حَالَةُ الْهِزَالَةِ وَضَعْفِ الْبِنْيَةِ عِنْدَ الْمُخَزِّنِينَ. وَهُوَ أَيْضًا يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَةِ نَظَبِ الْقَلْبِ، وَبِتَضْيِيقِ الْأَوْعِيَةِ الدَّمَوِيَّةِ، وَبَارْتِفَاعِ ضَغْطِ الدَّمِ. وَهُوَ يُحْدِثُ تَغَيُّرَاتٍ فِي الْغِشَاءِ الْمُخَاطِيِّ. وَهُوَ أَيْضًا يُسَبِّبُ التَّلِفَ فِي الْكَبِدِ. بَلْ مِنْ خِلَالِ الِاسْتِقْرَاءِ، أَثْبَتَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ وُجُودِ عَلَاقَةٍ بَيْنَ سَرَطَانِ الْفَمِ وَالْفَكِّ مَعَ مُدْمِنِ الْقَاتِ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ الْمَوَادِّ الْكِيمْيَاوِيَّةِ الَّتِي بِهَا يُرَشُّ هَذَا الْمَحْصُولُ، وَهِيَ مَوَادُّ مُحَرَّمَةٌ عَالَمِيًّا، دَوْلِيًّا. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأُسَاتِذَةِ الْجَامِعِيِّينَ فِي بَحْثٍ لَهُ بِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَخْلُو مِنْ مَبِيدٍ، مَهْمَا غُسِلَ وَمَهْمَا نُظِّفَ جَيِّدًا. إِذْ أَنَّ هَذِهِ النَّبْتَةَ مِنْ خَصَائِصِهَا أَنَّهَا تَمْتَصُّ، وَبِدَوْرِهَا فَإِنَّهَا تَمْتَصُّ هَذِهِ الْمَوَادَّ الْكِيمْيَاوِيَّةَ، فَتَكُونُ مِنْ أَحَدِ أَرْكَانِهَا وَمِنْ أَحَدِ خَصَائِصِهَا. وَلِهَذَا يَذْكُرُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي يَسْتَمِرُّ عَلَى تَعَاطِي الْقَاتِلِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَمَدٍ سَيَصِلُ بِهِ النَّتِيجَةُ أَنَّهُ سَيَتَعَاطَى سِتَّةَ كِيلُوَاتٍ جِرَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَادِّ الْمَوْجُودَةِ فِي النَّبْتَةِ، خِلَالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ. عِبَادَ اللَّهِ، نَاهِيكُمْ عَنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي يُحْدِثُهَا هَذِهِ النَّبْتَةُ الْمَشْؤُومَةُ، مِنْ الْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ، كَالْقَلَقِ وَالْأَرَقِ وَالِاضْطِرَابَاتِ، وَهَكَذَا حِدَّةِ الطِّبَاعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. عِبَادَ اللَّهِ، كَمْ نُحَدِّثُ وَكَمْ نُعَدِّدُ عَنْ الْمَظَاهِرِ الصِّحِّيَّةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي يَجْنِيهَا صَاحِبُ الْقَاتِلِ مِنْ جِرَاءِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وَلَوْ أَنَّ الْمُخَزِّنَ أَنْصَفَ نَفْسَهُ لَاعْتَرَفَ بِأَضْرَارِهَا. وَقَدْ قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وَهَكَذَا عِبَادَ اللَّهِ، سَلْ عَنْ أَضْرَارِ الْقَاتِلِ فِي دِينِ الْمُخَزِّنِ وَفِي اسْتِقَامَتِهِ. كَمْ مِنْ وَاجِبَاتٍ ضَيَّعَهَا؟ وَكَمْ مِنْ حُقُوقٍ أَضَاعَهَا؟ وَكَمْ مِنْ مُحَرَّمَاتٍ أَوْقَعَهَا؟ وَذَلِكَ مِنْ جِرَاءِ الْمُكْثِ الطَّوِيلِ وَالِاعْتِكَافِ عَلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، لَوْ رُبَّمَا تَمْتَدُّ مِنْ مُنْتَصَفِ النَّهَارِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَلَا تَخْلُو هَذِهِ الْمَجَالِسُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، إمَّا مِنْ غِنَاءٍ مُحَرَّمٍ، أَوْ مِنْ رُؤْيَةِ لِصُوَرٍ هَابِطٍ مُنْحَطٍّ، أَوْ لِكَلَامٍ قِيلَ وَقَالَ، وَطَعْنٍ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَبُهْتَانٍ وَغِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ وَكَذِبٍ وَزُورٍ، وَطَعْنٍ فِي الْأَحْسَابِ وَالْأَنْسَابِ. وَأَمَّا عَنْ الصَّلَاةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَرْفَعُونَ بِهَا رَأْسًا. فَذَاكَ لَوْ رُبَّمَا تَارِكُهَا كُلِّهَا، وَآخَرُ لَوْ رُبَّمَا مُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَذَاكَ جَامِعٌ بَيْنَ الشَّرِّينِ. عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ عِبَادَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ مِنْ خُبْثِهَا وَخَبَائِثِهَا أَنَّ أَضْرَارَهَا لَا يُسَعُهَا هَذَا الْمَقَامُ. وَلِهَذَا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ بَيَّنُوا خَطَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَأَلَفُوا فِيهَا الْمُؤَلَّفَاتِ، وَفَعَلُوا مِنْ أَجْلِهَا الْمُؤْتَمَرَاتِ وَالنَّدَوَاتِ، فِي سَبِيلِ تَوْعِيَةِ النَّاسِ بِخَطَرِهَا وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا. فَمِمَّنْ أَفْتَى مِنْ الْعُلَمَاءِ بِتَحْرِيمِ الْقَاتِ وَبِمَنْعِهِ، ذَلِكُمُ الْعَلَّامَةُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُقْرِعٍ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَهَكَذَا الْعَلَّامَةُ الْفَقِيهُ حَمْزَةُ الشِّنَاوِيُّ. وَهَكَذَا ابْنُ حَجَرٍ الْه