طرق الشيطان في الإضرار ببني الإنسان

الخطبة بعنوان طرق الشيطان في الإضرار ببني الإنسان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٥ محرم ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وسائل الشيطان لإضلال الإنسان منذ خلق آدم

يتناول هذا الفصل وسائل الشيطان لإضلال بني آدم منذ البداية، حيث حاول إغواءهم بفعل المحرمات والمعاصي وتزيين الشرك والكفر لهم. كما يشير إلى استمرار هذه الوسائل حتى الوقت الحاضر لإيقاع الناس في الشرك والكفر.

أذية الشيطان للإنسان وطرق الحماية منه

يشرح هذا الفصل كيف يمكن للشيطان أن يؤذي الإنسان ويتسلط عليه، ويقدم أمثلة على ذلك مثل التسبب في الأمراض والكوابيس والمس الشيطاني. كما يشدد على أهمية الرجاء بالله والالتجاء إليه بالأدعية والأذكار للحماية من أذية الشيطان.

أعمال الشيطان ووسائله لإفساد المجتمع

يستعرض هذا الفصل أعمال الشيطان ووسائله لإضلال بني آدم وإفساد المجتمع، مثل التحريش بين المسلمين وتفريقهم، واستخدام أعوانه في الإفساد، وتحريض الكفار على قتال المسلمين. كما يبين كيف يستعين الشيطان بالمخلوقات لإلحاق الضرر بالمسلمين.

دور الشيطان في التفريق بين الأحبة والحماية منه

يناقش هذا الفصل دور الشيطان في التفريق بين الأحبة وتسببه في الشحناء والفراق والطلاق، ويشير إلى ضرورة عدم الغضب على الأهل عند حدوث ذلك. كما يدعو إلى الاستعاذة بالله من عمل الشيطان ويختتم بالدعاء والصلاة على النبي محمد والحث على إقامة الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. اعلموا عباد الله أن الله جل وعلا لما خلق آدم وجد آدم نفسه قد أحيط بحالةٍ من التشريف والإكرام، إذ أن الله جل وعلا قد خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، إلا أن هذا التشريف والإكرام كان مِدعاةً لاستياء الشيطان وتضجُّره، إذ أنه يرى نفسه أحق من آدم بهذا التكريم والتشريف، قال: «أنا خيرٌ منه، خلقتني من نار وخلقته من طين»، إلا أن الحسد أكل قلبه والغيظ ملأ نفسه، فأبى أن ينصاع لأمر ربه فما سجد لآدم، فأُطرِد من الجنة وأُخرِج منها مذمُومًا مدحورًا. وعلى إثر ذلك قطع إبليس اللعين على نفسه عهدًا ووعدًا عند الله أنه لآدم ولذُريَّته بالمرصاد انتقامًا له، وما كان من أجله أبتُلي باللعنة والإخراج من الجنة، فقال: «بعزتك لأغوينهم أجمعين»، وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمِ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾. عباد الله، إن الشيطان بعد ذلك اتخذ كافة الوسائل منذ ذاك الزمن إلى أن تقوم الساعة، وما همُّه وما مقصده في هذه الدار في دار الدنيا إلا الإضلال لبني آدم وإبعادهم عن ربهم وجرهم إلى المصير الذي قد أُعدَّ له، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. ولقد اتخذ الشيطان كافة الوسائل المُتعدِّدة والمُختلفة لإضلال بني آدم وللإضرار بهم، فمن ذلك أولاً أنه حاول أن يوقعهم فيما لا يُرضِ الله جل وعلا، فزيَّن لهم فعل الحُرُّمات والمُحرَّمات من مُخالفاتٍ ومنهيات من معاصٍ وذنوبٍ ومُوبِيقات، كما قال ربُّنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال سبحانه: «الشيطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ»، وما سعى إليه الشيطان من الحرومات أن يوقع الناس في الشرك والكفر، إذ أنه الأمر العظيم والخطب الجسيم والذي لا عذاب بعده إلا العذاب السرمدي الأليم، وهو العمل الذي لا يحبه الله ولا يرضاه ولا يرضى لعباده الكفر. فسعى الشيطان بكل طريقة إلى إيقاع الناس في هذا المحرم العظيم، كما قال جل في علاه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾، و ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». ولأجل هذا عباد الله حاول إبليس أن يتخذ وأن يبحث عن الوسائل المعينة إلى إسقاط الناس وإبقائهم في دائرة الكفر والشرك، ومن ذلك أنه قام وتجسد في الأصنام والأوثان، فأصبح يخاطب أهلها على ألسنة الأصنام والأوثان ويقضي بهم بعض الحاجات إمعاناً في إضلالهم. روى أبو يعلى بإسناد صحيح، وهو في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين من حديث أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه قال: «لما فتحت مكة بعث نبينا صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى نخلة -اسم موضع- إلى نخلة حيث فيها العزة صنم ووفن من أعظم أصنام العرب، فأتاها خالد رضي الله تعالى عنه فإذا هي عبارة عن سمرات شجرات فقطع السمرات وهدم البيت، ثم رجع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام فقاله نبينا عليه الصلاة والسلام: «ماذا رأيت؟» قال: «لم أر شيئا»، قال: «ارجع فإنك لم تصنع شيئا»، فرجع خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه فإذا بالسدنة -وهم الحجاب- فإذا بالسدنة يمعنون في الجبل يمعنون في الجبل ويقولون: «عوريه يا عزة، خبليه يا عزة»، فأتاها خالد رضي الله تعالى عنه فإذا هو بامرأة سوداء عارية ناشرة بشعرها تحثو على رأسها التراب، فلما رآها خالد رضي الله تعالى عنه عممها بالسيف فقضى عليها، فلما رجع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام وأخبره بالخبر قال عليه الصلاة والسلام: «تلك العزة، تلك العزة»، نعم عباد الله ما كانت عزة إلا شيطانة تتلاعب بالعرب تتكلم على أنها صنم من الأصنام فتقضي بهم بعض الحوائج. ولا يزال الشيطان يتخذ من هذه الألعاب مع جهلة المسلمين لإيقاعهم في براثن الشرك، فلربما تجسد أو اختفى الشيطان عند قبر رجل صالح فيتكلم على لسانه أو عند تابوت أو عند ضريح فيعتقد الناس في هذا الميت بالاعتقادات العظيمة فيصرفون له الطاعات والعبادات كما نرى في هذه الأزمان ولا يخفى. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال: ومن هؤلاء ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق حي أو ميت فيتمثل الشيطان بصورة ذلك المستغاث به فيقضي له بعض حاجاته فيظن هذا الرجل أن هذا المستغاث هو نفسه الرجل الميت أو أنه ملك قد قدم عليه»، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «إنما ذاك شيطان تمثل بصورته أضله لما أشرك بالله أضله لما أشرك بالله». وإن شيطان عباد الله إذا ما استطاع أن يوقع الناس في الشرك الصراح وفي الكفر البواح فلا أقل فلا أقل أن يشكك على الناس دينهم وأن يشككهم في ربهم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأتي إلى أحدكم فيقول له: من خلق السماء؟ فيقول: الله، ثم يقول له: من خلق الأرض؟ فيقول العبد: الله، فيقول: ومن خلق الله؟»، قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا وجد أحد منكم من ذلك فليقل: آمنت بالله وبرسله، آمنت بالله وبرسله». فهكذا الشيطان عباد الله إن أعظم ما يريدهم من العباد أن يوقعهم في الشرك وفي الكفر، وأيضًا عباد الله من أعمال الشيطان التي يريد من خلالها الإضرار ببني آدم وخاصة من أهل الإسلام أن يتسلط عليهم بالأذية أن يتسلط عليهم بالأذية فيؤذيهم. ولأدل على ذلك بما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «ما من مولود من بني آدم يولد إلا ومسه الشيطان إلا ومسه الشيطان فيستهل صارخا فيستهل صارخا من مس الشيطان له، ما من أحد إلا وقد أذاه الشيطان عند مخرجه»، قال: «ما من مولود من بني آدم إلا ومسه الشيطان حين مولده فيستهل صارخا من مس الشيطان إلا مريم وابنها». وإن الشيطان عباد الله لما أقدره الله جل وعلا من الجريان في بني آدم إذ أنه يجري من الجسد مجرى الدم في العروق، فإن لربما أضر على جسده وعلى بدنه فأصابه ببعض العاهات والأمراض، وحتى المخاوف من كوابيس ونحو ذلك. قال عليه الصلاة والسلام: «الرؤيا ثلاثة: بشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف الشيطان يخوفك يؤذيك في منامك فيعطيك من الكوابيس ما تعيش معه في أرق وفي هم وفي قلق»، وهكذا في حال اليقظة لا ربما ابتلى جسدك ببعض، أو بعض الأمراض والآفات والعاهات. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، وفي قراءة: «بنصب وعذاب»، قال العلماء: أي بألم ومرض. وهكذا ما ثبت في السنن بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «الطاعون -وهو المرض الفتاك- الطاعون من وخز أعدائكم من الجن»، وهكذا ما تجده المرأة من الدم النازل في غير موعده، وهو ما يعرف بالاستحاضة، إنما هو من أذية الشيطان لها. فقد قال عليه الصلاة والسلام عن الاستحاضة: «إنما هو ركضة من ركضات الشيطان»، قال العلماء -كالسندي رحمه الله تعالى في حاشيته-: «قال: أي أن الشيطان يضرب برجله في الرحم يضرب برجله في الرحم فيفتق منها عرقا فيفتق منها عرقا فيسيل الدم»، بل إن الشيطان عباد الله لربما تمكن من الاستحكام على جسد الآدمي بأكمله فأخرجه عن طبيعته وعن اعتداله كما يقع في حالات الصرع والمسه وشبهه. ثبت في السنن عند ابن ماجه بإسناد صحيح أن عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه قدم على نبينا عليه الصلاة والسلام فقاله نبينا: «ما جاء بك؟» قال: «قلت: يا رسول الله قد عرض علي شيء في صلاتي فما أدري ما أصلي»، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما ذلكم الشيطان، أدنه»، قال: «فدنوت منه وجلست على صدور قدمي»، فقام عليه الصلاة والسلام فضرب بصدري بيده، وتفل في فمي وقال: «أخرج عدو الله، أخرج عدو الله، أخرج عدو الله»، فعلها ثلاثة، ثم قال عثمان: «اذهب لا أعملك»، ثم قال عثمان: «فلا عمري فما وجدت بعد ذلك شيء». عباد الله، إن المسلم إذا علم أنه عرضه إلى تسلط الشياطين عليه وعلى بدنه وجسده، أو أنه قد تسلط عليه فعلا فآذاه في بدنه وجسده، فلا يعني ذلك يا عبد الله أن تستسلم له أو أن تخضع لوساوسه أو أنك تخنع لمخاوفه. بل عليك يا عبد الله أن تكون عظيم الرجاء بالله جل وعلا بدعائه والتضرُّع إليه جل في علاه، وأن تأخذ بالأسباب الشرعية الكثيرة الكثيلة بحمايتك من خبثه ومن أذيته، من أدعية وأذكار وأوراد ورقية. روى الإمام أحمد في مسنده أن رجلاً سأل عبد الرحمن بن خنبش فقاله: «كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كادته الشياطين؟» فقال عبد الرحمن: «جاءت الشياطين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأودية وانحدَرت من الجبال ومعهم شيطان في يده شُعلةٌ من نار أراد أن يحرِق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرُعِب نبينا عليه الصلاة والسلام من هذه الهجمة الشرسة من الشياطين تدفَّقت من كل حدبٍ وصوبٍ على نبينا»، قال الراوي: «قال: فتأخرت -أي تأخر نبينا عليه الصلاة والسلام- فجاءه جبريل وقال: يا محمد، يا محمد، قل ما أقول، قل ما أقول: أعوذُ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرُج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير، يا رحمن»، قال الراوي: «فأُطفئت النيران وهزمهم الله». نعم عباد الله، متى ما دُمت مع الله فإنك على قوة، إن كيد الشيطان كان ضعيفًا. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لا زلنا وإياكم نستعرض بعض الأعمال الشيطانية التي يقوم بها إبليس أخزاه الله، وذلك لإيقاع الضلال والإضرار ببني آدم، فكان من أعماله أنه يوقع الناس فيما لا يحبه الله ويرضاه من المخالفات والمنهيات، وأنه كذلك يحاول أن يتسلط على بني آدم في جسده وفي جسمه فيُؤذيهم. وإن الشيطان عباد الله لربما لهذا الغرض -أي الإضرار ببني آدم- لربما استعان بأعوانه واستعان بأوليائه لكي يعينونه على الإفساد والإضرار ببني آدم، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَأْزُهُمْ أَزًا﴾، روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «أن يُحرِّضهم على محمدٍ وأصحابه»، فإن الشيطان يدفع بأهل الكفر ومن كان على شاكلتهم إلى مهاجمة أهل الإسلام مهاجمة أهل الإسلام. وعلى ذلك يُفسَّر ومع ذلك التفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ لَا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾، قال أهل التفسير وأهل السير: «على أن الشيطان في غزوة بدر تشكَّل بصورة سوراق بن مالك، وأخذ يُحرِّض أهل قريش على مُقاتلة نبينا عليه الصلاة والسلام، يحرص على الإفساد والإضرار بأهل الإسلام بأن يدفع بأهل الكفر ومن كان على شاكلتهم من أهل الأهواء». وبهذا نعلم ويفسِّر ما نراه من صنيع الكفار في شرق الدنيا وفي غربها، ومن كان على شاكلتهم من أهل البدع والأهواء في ضرب الإسلام والمسلمين، وما ذاك إلا أن الشيطان استحوذ عليهم يَعِدُهم ويُمَنِّيهم، وما يَعِدُهم الشيطان إلا غُرورا. قال العلماء: «ومن وعد الشيطان أن يُعِدَهم بالنُصرة على من خالفهم فلهذا يندفعون ويستميتون على قتال أهل الإسلام»، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأيضًا عباد الله لو ربما استعان الشيطان حتى يضر بالمسلمين أنه قد يستعين ببعض الكائنات والمخلوقات، روى الإمام البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح أن فأرة كانت تجرُّ فتيلة مصباح فيه نار تجرُّ فتيلة، فقامت جاريةٌ أرادت أن تزجُرها، فقالها نبينا عليه الصلاة والسلام: «دعيها، دعيها»، فإذا بالفأرة تجرُّ الفتيلة حتى ألقتها على نبينا عليه الصلاة والسلام فوقعت الفتيلة على خُمرة كان يقعد عليها يقعد عليها نبينا صلى الله عليه وسلم فأحرِق منها موضع درهم. فأحرِق منها موضع درهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا نمتم إذا نمتم فأطفئوا سروجكم، فإن الشيطان يدلُّ مثل هذا على مثل هذا فتحرِقكم»، إن الشيطان يدلُّ مثل هذا على مثل هذا فتحرِقكم الخبيث يستعين بالكائنات والمخلوقات لإنزال الضرر على بني آدم على الإنسان من أهل الإسلام. ومما يسعى إليه الشيطان إلى تحقيقه أنه لربما أوقع بينهم العداوة والبغضاء وألقى بينهم الشحناء والكراهية بين صفوف المسلمين، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، وقال سبحانه حاكيًا عن يوسف: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾. بل إن هذا المقصد -ألا وهو التفريق بين الناس- لربما هو أعظم مقصد للشيطان بعد إيقاع الشرك، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم»، قال إمام النووي رحمه الله تعالى: «التحريش بالخصومات والشحناء وبالحروب والفتن». عباد الله، إن الشيطان لتأدية هذا الغرض الخبيث التفريق بين الأحبة وتشتيت وحدة الصف والكلمة، وأن يفرق بين الأحباب من أرحام وأقارب ومن أصدقاء وجيران لربما من أجل هذا العمل ما اكتفى بنفسه بل يستعين بغيره. ثبت في صحيح مسلم حديث جابر قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه -يبعت أعوانه- يبعث سراياه، فأعظمهم فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، فيجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى قال قولا عظيما»، فيقول الشيطان: «ما صنعت شيئا»، ثم يجيء آخر فيقول: «ما زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين أهله -حتى فرقت بينه وبين أهله-»، فيقول الشيطان -وهو فرح بذلك-: «نعم أنت، نعم أنت»، وفي رواية: «فيلتزمه ويحضنه: نعم أنت». نعم عباد الله، أعظم آمال الشيطان في هذه الدنيا بعد الشرك أن يجعل أهل الإسلام على قلوب متنافرة، يفرق بين الأرحام، بين الأصحاب، بين الوالي والرعية، وبين الزوجين، وبين الأولاد. ولربما إذا احتاج الشيطان أن يدخل بنفسه إلى التفريق دخل، روى الإمام البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: «إن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما يفرشه أهله ويهيئونه، فيلقي عليه الحجر والشوك والشيء حتى يظن أنه من فعل أهله ليغضبه على أهله»، فمن وجد منكم شيئا من ذلك فلا يغضب على أهله، إنما هو من عمل الشيطان، إنما هو من عمل الشيطان. كم من شحناء، كم من فراق، كم من طلاق قد قام بين الزوجين، وما كان إلا من دسيسة دبرها الشيطان بينهم ففرق بين الأحبة، فقال عليه الصلاة والسلام: «فمن وجد شيئا من ذلك فلا يغضب على أهله، إنما هو من عمل الشيطان»، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.