عبودية الصلاة

الخطبة بعنوان عبودية الصلاة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٢ ربيع الآخر ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقام العبودية وأهميته

يُعد مقام العبودية من أعظم مقامات الدين، وقد خلق الله الخلق لأجله. العبودية هي الغاية من خلق الجن والإنس.

حقيقة العبودية وفضل الطاعات

العبودية لله تعني كمال الخضوع والمذلة مع غاية الحب والمحبة، وأداء الواجبات مثل الصلاة والصيام. هذه الطاعات هي أركان أساسية في الإسلام.

أهمية الصلاة والدعاء

الصلاة فريضة عظيمة يجب أداؤها بإخلاص وخشوع، وهي عماد الدين ووسيلة للاتصال بالله. الدعاء للمؤمنين والصلاة على النبي من أهم الطاعات.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن من أعظم مقامات الدين ومن أهم المنازل التي رغب فيها رب العالمين، والتي ينبغي على جميع المسلمين أن يتسابقوا إليها وأن يقبلوا عليها وأن ينتسبوا إليها ألا وهو مقام العبودية. نعم، عباد الله، إن مقام العبودية يُعتبر من أعظم مقامات الدين، وإن العبد كلما ازداد في العبودية والتعبد كلما ازداد معرفةً بالله. العبودية يا عبد الله التي من أجلها خلق ربنا جل وعلا هذه البشرية جمعاء، فإن الله لم يخلق الخلق إلا لأجل هذا المقام المنيف ولهذا المقصد الشريف، فقال سبحانه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. العبودية التي من أجلها أنزل الله الكتب وأرسل الرسل لكي يحققوا هذا المقام السامي، قال سبحانه: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. وإن الله جلَّ جلاله لم يكتف بالحث على التمسك بهذا المقام والترغيب فيه، بل إنه جلَّ جلاله قد أمر به وألزم جميع الخلق به إلزامًا، فما ينبغي لأحدٍ منا أن يخرج عن هذا المقام، كما قال جلَّ في علاه: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾، وقال سبحانه: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. وقال سبحانه: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾، وقال جلَّ في علاه: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾، يعني الموت. عباد الله، إن الله جل وعلا قد وصف بها خواص خلقه من ملائكته ورسله، فوصفهم بالعبودية. فها هو ربنا جل وعلا يصف الملائكة بقوله: ﴿بل عباد مكرمون﴾، يعني الملائكة. وهكذا وصف ربنا الأنبياء والرسل، فقال: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾. وهذا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه في أعظم المناسبات يصفه ربنا جل وعلا بوصف العبودية، فعند إنزال القرآن وصفه ربنا بذلك: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا﴾. وعند إلقاء الوحي عليه وصفه ربنا بالعبودية، فقال: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾. نعم، يا عبد الله، مقام العبودية مقام شرف، مقام شرف أن تكون عبدًا لله. واعلموا عباد الله أن حقيقة هذا المقام مقام العبودية لا يتأتى بأن يتسمى الواحد منا بأسماء فيها تعبيد لله كعبد الله أو عبد الرحمن، هذا ليس من حقيقة العباد والعبودية لله. قال العلماء: إن حقيقة العبودية لله هو أن يتصف المسلم بصفتين اثنتين، ألا وهما كمال الخضوع والمذلة مع غاية الحب والمحبة. فإن المسلم لا يكون عبدًا حقًّا وصدقًا إلا إذا كان خاضعًا محبًّا، فبخضوعه ينقاد ويستجيب لأمر ربه، وبالمحبة ينشرح فؤاده لطاعة ربه. وقد جمع ربنا جل وعلا هاتين الصفتين في قوله: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾. واعلموا عباد الله أن من حكمة الله جل في علاه أن جعل العبادات والطاعات والشرائع تتفاوت فيما بينها من حيث الحكم والإلزام. فالواجبات والأوامر في باب العبادة لها الصدارة ولها الريادة، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه». فينبغي عليك يا عبد الله أن تتبع الأوامر والواجبات فتحرص على أدائها وعلى فعلها لأنك مطالب بها ومحاسب عليها. واعلموا عباد الله أن من أعظم الواجبات التي ينبغي أن يتنافس عليها المتنافسون من أهل الإسلام في أدائها ما كان من مباني الإسلام، وأعني بها الصلاة والصيام والحج والزكاة. فقد جاء في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وأيضًا مما يدل على عظم هذه الأركان ما جاء في البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام لوفد عبد القيس: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس». عباد الله، إن من أعظم الفرائض والتي ينبغي أن تكرس الجهود وتبذل بها الأعمار والأموال في سبيل أدائها الصلاة. فكم هي الآيات التي يأمر ربنا جل وعلا عباده بوجوب العناية بها وبضرورة الحرص على فعلها، كما قال سبحانه: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾، وقال سبحانه: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾. وقال سبحانه: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾. وقال سبحانه: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾. عباد الله، إن الله جل وعلا ما مسخ إبليس وما طرده من الجنة، فمُسخ ظاهره وباطنه، تُتلَى عليه لعنات الله إلى يوم الدين، إلا لأنه أعرض عن سجدة واستكبر عن سجدة أمره ربه بها. فما ظنُّك يا عبد الله بكم هي الصلوات وكم هي الركعات وكم هي السجدات التي أعرضت عنها؟ فكيف يكون أمرُك عند الله؟ الصلاة الصلاة عباد الله، قال عليه الصلاة والسلام: «عماد الدين الصلاة، رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». فالصلاة هي عمود الدين، فلا دين لمن لا عمود له. علينا عباد الله أن نحرص على طاعة الله، وعلينا أن نتوجَّه بالعبودية لله، ومن أعظم البراهين على صدق تعبُّدك لله أنك عبد لله حقًّا وصدقًا، وذلك بالانطراح بين يدي ربك بالسجود والركوع بين يدي الله دائمًا وأبدًا. عباد الله، لقد كان من آخر وصايا نبينا عليه الصلاة والسلام في فراش موته أنه كان يقول: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم». فهذه وصية نبيكم يا أمة محمد، فكيف أنتم معها؟ فيا عبد الله، اتق الله جل في علاه، فهو الذي أمدك بالنعم، أمدك بمال وبنين، ومتعك بالعمر سنين، وأسبغ عليك نعمة ظاهرة وباطنة. وأنت بعد هذا كله تجاهر الله بمعاصيك، تجاهر الله بتركك للصلاة. ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن تاركها كافر، إلى أن تاركها مرتد، ليس من أهل الدين وليس من أهل القبلة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». فعلينا عباد الله أن نتق الله جل وعلا، وأن نُقبل على طاعته وعلى عبادته، وأن نُقبل على الصلاة. الصلاة هي صلة بين العبد وبين ربه، أصلح يا عبد الله فيما بينك وبين الله بأداء الصلاة، فإن فعلت ذلك فإن الله سيتكفل بالإصلاح فيما بينك وبين الناس. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم مغفرة للمؤمنين والمؤمنات، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.