شرح مسائل الجاهلية  13

شرح مسائل الجاهلية 13

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أصل دين الكفار في التقليد

دين الكفار مبني على التقليد الأعمى، وهو اتباع من لا حجة له بغير حجة. التقليد كان أصلًا عظيمًا لجميع الكفار عبر التاريخ.

رفض الكفار لدعوة الأنبياء بسبب التقليد

الكفار رفضوا دعوة الأنبياء إلى توحيد الله مستندين إلى تقليدهم لآبائهم. هذه الفكرة كانت القاعدة الكبرى لدى الكفار على مر العصور.

تأثير التنعم والترف على البعد عن الله

التنعم والترف غالبًا ما يؤديان إلى البعد عن الله وتجاهل العبودية، بينما الفقر قد يدفع العبد للتعلق بالله. الغنى نعمة إذا شكر الله عليها.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بدعاء ينفع الله به ما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة أن دينهم مبنيٌ على أصولٍ أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم، كما قال تعالى: ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قريةٍ من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾، وقال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير﴾. وسأت إن شاء الله معنا تتمة هذه الفقرة بتمامها وطولها. الحاصل، إخواني في الله، قول المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة، أي هذه المسألة الرابعة من المسائل التي خالف نبينا صلى الله عليه وسلم ما كان عليه أهل الجاهلية. فقال: الرابعة أن دينهم مبنيٌ على أصول، دينهم أي دين الكفار، وهل الكفار لهم دين؟ نعم، الكفار لهم دين، ويعني العبادات التي التزموا بها، إذا أصنامهم وأوثانهم. مرَّ ذلك، معنى أن الدين من معانيه أنه مأخوذ من العادة، من قولهم: ديدن فلان، ديدنه، أي عادته. فالشخص إذا التزم أمرًا ما، ويقال: هذا ديدنه، أي هذه عادته، ومن هنا سمي الدين دينًا؛ لأن صاحبه يلتزم به، صاحبه يلتزم به، ويرى أنه ملزم بأدائه. قال: أن دينهم مبنيٌ على أصول، والأصول مفردها أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، إذن الكفار في دينهم لهم أصول، ومن أين جاءتهم هذه الأصول؟ هي مستحدثات استحدثوها لأنفسهم من أهوائهم، ومن تلبيس إبليس عليهم، ومن وحي الشيطان اتخذوا هذه الأصول وتبنّوها في قيام هذا الدين المحرف الضال الذي هم عليه. فقال رحمه الله تعالى: أن دينهم مبني على أصول، فأصول جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، قال: أعظمها التقليد، أعظم هذا الأصل الذي مشى عليه الكفار مسألة التقليد. والتقليد على وزن تفعيل من قلَّد الشيء، والتقليد في لغة العرب بمعنى المحاكاة، بمعنى المماثلة، بمعنى المشابهة، كل ذلك تدخل في معنى التقليد في اللغة. وعند العلماء عرّف العلماء التقليد بعِدّة تعاريف، ومن أوضح هذه التعاريف قول من قال: التقليد هو اتباع من لا حجة له بغير حجة، اتباع من ليس بحجة بغير حجة، هذا التقليد الذي جاءت الأدلة على منعه وعلى إلغائه وعلى النهي عنه. فقال رحمه الله تعالى: أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم، مسألة التقليد، وسيأتي بيانها، هذه المسألة هي أصل عظيم. لم يكن أصلًا تبنّاه أهل الجاهلية من كانوا في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، بل من كان قبلهم من القرون ومن الأمم والملل والنحل كانوا على هذه الركيزة. حكى ربنا جل وعلا في كتابه العظيم وقص لنا من حكايات الأمم أن ما من نبي أعظم ما جابه به أقومه ومن عشيرته أنهم يرفعوا شعار: إنا وجدنا آباءنا على أمة. كان ذلك في حق نوح، كان ذلك في حق هود، كان ذلك في حق موسى، كان ذلك في حق إبراهيم الخليل عليه السلام، في حق صالح، في حق نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا مصطر في كتاب الله، ما من نبي دعا أمة إلى توحيد الله جل وعلا، فكان أعظم ما يجابه به أنهم وجدوا آباءهم، وجدوا أقوامهم، وجدوا أسلافهم على هذا الدين، فهم باقون عليه لا يتزحزحون منه. فكانت هذه الفكرة وهذه الدسيسة هي القاعدة الكبرى لدى الكفار جميعًا. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: قال: فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم، كما قال تعالى: ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾. هذه الآية استخلص المؤلف رحمه الله تعالى منها العموم، أي أن جميع الكفار من أولهم إلى آخرهم كانوا على هذه الوتيرة، على هذا السلوك والسيرة، أنهم كانوا يردون على أنبيائهم بهذه الراية بهذا الشعار: إنا وجدنا آباءنا على أمة. قال علماء: من قوله تعالى: ﴿في قرية﴾، قرية عند أهل اللغة معرفة أم منكرة؟ منكرة، والنكر هنا في سياق ماذا؟ هنا في سياق النفي، قال علماء: والنكر في سياق النفي تفيد العموم، أي قرية إلا كان هذا مآلها ومنوالها. وأيضًا عندنا عموم ثاني، وهي في قوله تعالى: ﴿من نذير﴾، نذير كذلك نكرة، والنكرة كذلك جاءت في سياق النفي، فهي تفيد العموم، أي نذير، أي رسول، أي نبي، إلا وجوبه بمثل هذه العبارة. فإذا عندنا عمومان في الآية، أي قرية وأي نبي إلا كان ما يقع بينهما هو رفع هذه الدسيسة المميتة، وهي التقليد. فقال سبحانه: ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها﴾، مترفوها أهل الترف، أهل البذخ، أهل سعة العيش والبسط في الرزق، فهؤلاء هم الذين يخوضون في باطل. وقال علماء: وهذه لفتة، كما أشار لذلك أهل التفسير، من هؤلاء الشوكان رحمه الله تعالى، قال: لماذا خصص المترفون؟ وإلا الكفار هم على أصناف شتى، لكن لماذا هنا ذكر أهل الترف أنهم الذين ناقشوا وجادلوا أهل الحق؟ فيه بيان، يا عبد الله، وإضاحة لمسألة مهمة ينبغي أن يفقهها المسلم، أن التنعم والترف في الدنيا ليس بمحمدة، ليس بمحمدة يا عبد الله في كل الأوقات والأزمان، وفي كل الأحوال. حتى أصبح ينادى بها، وأصبح العبد في هذه الدنيا أعظم ما يتمناه ويرجوه في الدنيا أن يكون على سعة من الرزق، وأن يكون على عظيم من الترف. لا، يا عبد الله، لا يكون هذا حالك، ولا يكون هذا أمنيتك، ولا منوالك في طلبك لله جل وعلا، وإنما أطلب من الله ما يكون فيه صلاحك، أطلب من الله ما يكون فيه صلاحك. بلغ من العيش، أما أنك تريد سعة الرزق لدرجة التنعم، فالتنعم، يا عبد الله، قد يكون مذمومًا. يقول الشوكان رحمه الله تعالى عند هذه الآية: بيّن رحمه الله تعالى، قال: وفي ذلك بيان أن التنعم سبب من أسباب إهمال النظر، التنعم، وأراد بذلك الترف، سبب من أسباب ماذا؟ إهمال النظر، أنك لا تستبصر، أنك لا تتأمل، أنك لا تتفكر فيما ينبغي أن تتفكر فيه. فالتنعم، يا عبد الله، ليس بممدوح دائمًا، وإلا فانظر إلى حال من كان قبلنا، لأقول في سلفنا الصالح، وهم نعم الأسوة لنا، لكن انظر من كان قبلهم من الأنبياء والرسل، كيف كانت أحوالهم؟ هل كانوا في غنى؟ بل بالعكس، كان غالب هؤلاء من كان على فاقة، من كان على ضيق، من كان على ضنك، وعلى رأس نبينا عليه الصلاة والسلام. خرج من الدنيا، وكل يقد علم ما كان في حياته عليه الصلاة والسلام، لربما ربط الحجارة على بطنه لشدة الجوع، ولربما لا تولع نار في بيته لقلة الطعام والزاد عليه الصلاة والسلام. لكن مع ذلك كان عظيم الرجاء بربه سبحانه وتعالى، وهكذا أنظر لحال الناس، فرب رجل يكون على ضيق وعلى فقر وعلى مسكنة، أو على شيء من قلة في الدنيا، ومع هذه القلة في الدنيا إلا أنه عظيم التعلق بالله. يا الله، يا الله، يا الله، يدعو الله في صباحه ومسائه، في ركوعه وسجوده، في كل شيء، اللهم ارزقني، اللهم ارزقني، يدعو الله، والله يحب الملحين في الدعاء. وكونك تطرق أبواب السماء، هذه من الأعمال المحبوبة المحمودة، يا الله جل وعلا. فالعبد إذا كان على فقر أو كان على ضيق، فإنه يكون عظيم التعلق بالله جل وعلا، فلا يبطر، ولا ينفق الأموال في الحرام؛ لأنه ما عنده سعة حتى يدخل فيها في الترف، وفي اللعب. وإنما هذا الذي بحوزته يكفيه ويسد رمقه، فتجد أن أهل الفقر والمسكنة من أحسن الناس استقامة، بخلاف أهل الغنى وأهل الترف، فإن الغالب، أقول: فإن الغالب فيهم أنهم في بعد عن الله جل وعلا. فذاك الفقير لما كان يقرع أبواب السماء، يا الله، يا الله، وأراد من الله أن يفرج الله ما به من ضيق، فإذا فرج همه، وجاءته الدنيا بحذافيرها، وأصبح بسطة في الرزق، لربما تجد أن باب الدعاء قد ألغي، لا يدعو الله. لماذا أدعو الله وعندي سعة الرزق؟ فيبتعد عن الله شيئًا فشيئًا. فالحاصل، إخواني في الله، ففي هذه الآية، كما قال أهل التفسير: عظى على أن أهل الترف هم الغالب في النقاش والجدال بالباطل؛ لأن الترف والتنعم الذي فيهم، فإن ماذا؟ ينسيهم العبودية التي خلقوا من أجلها. فقال ربنا جل في علاقة: ﴿إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾. فذا التقليد المذموم. وسأت إن شاء الله تتمة لكلام المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق عن حقيقة هذه المسألة، ومن أعظم مسائل الجاهلية التي خالف نبينا فيها أصحابه. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.