حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 11

حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 11

الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بدء الوحي ونزول سورة العلق وحكم البسملة

يتناول المحور حديث بدء الوحي ونزول أول آيات سورة العلق على النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم دليلاً على نبوته. كما يوضح حكم قراءة البسملة في أول السور وفي الصلاة مبيناً أنها ليست آية من الفاتحة.

حكم البسملة في الصلاة وتفسير خلق الإنسان من علق

يؤكد المحور أن البسملة تُقرأ سراً في بداية كل سورة في الصلاة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. ثم يفسر قوله تعالى ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ مبيناً مراحل التكوين مستثنياً آدم وعيسى عليهما السلام.

مراحل خلق الإنسان من نطفة وإنعام الله بالعلم والبيان

يستعرض المحور خلق الإنسان من نطفة مهينة ثم تحوله إلى خصيم مجادل، مع إبراز كرم الله بخلقه بلا حاجة. ويبين إنعام الله عليه بتعليم الكتابة بالقرآن والبلسان، واختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم البيان.

جوامع الكلم النبوية واختزال القرآن الكريم

يوضح المحور أن الله منح نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ليعبر بالكلام القليل عن المعاني الغزيرة. ويشير إلى نزول هذه الآيات على النبي وقراءتها عليه من قبل جبريل عليه السلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فلازلنا في شرح حديث بدء الوحي، وقد وقفنا عند إتيان الملك، أو إتيان جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الغار، فقال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. فضمه ضمة حتى بلغ منه الجهد، ثم قال له جبريل: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. ثم في الثالثة قال له: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. ذكرنا الفوائد من هذا القول بفضيلة العلم، وكذلك فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أميا، وهذه معجزة وبرهان عظيم أن هذا الكتاب من الله جل وعلا، لأنه لو كان يخطه بيمينه ويكتب لارتاب المبطلون، كما ذكر الله عز وجل، فلذلك فنبينا عليه الصلاة والسلام كان لا يقرأ المكتوب ولا يكتب أيضا. ثم إن هذه الآية العظيمة، كما ذكرنا، هي أول ما نزل من القرآن، وفيها مسائل عظيمة، منها قوله جل وعلا: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾، أي: افتتح قراءتك، على قول أكثر المفسرين، افتتح قراءتك بالتبرك باسم الله جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾. ولهذا استحب العلماء أن السور تستفتح بالبسملة، حتى الفاتحة في الصلاة تستفتح بالبسملة. وأيضا مما يدل على هذا ما جاء في الصحيحين، لما أنزل الله عز وجل أن الله عز وجل آتاه الكوثر، لما أنزل آية أو سورة الكوثر، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم فرحا مسرورا، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إن الله أعطاني خيرا كثيرا، فقرأ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرَ ﴾، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. فدلت على أن بسم الله تقرأ في بداية السورة. وأما في وسط السور فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقرأ البسملة. قد جاء أحاديث كثيرة فيها نزول آيات، مثل ما نزل آية الكرسي، وكذلك ما نزل آخر آيتين من سورة البقرة: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﴾، فقرأهما النبي عليه الصلاة والسلام ولم يذكر البسملة. فلذلك يستحب عند قراءة أول السورة البسملة، وأما إذا قرأ من نصف السورة ونحو ذلك فيقول: قال الله تعالى، أو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقرأ. وعما في الصلاة فالبسملة يستحب أيضا في الصلاة، تقرأ مع الفاتحة، وليست آية من الفاتحة. الصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، والمراد بالصلاة هنا الفاتحة، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله عز وجل: حمدني عبدي، فلم يذكر البسملة، ولو كانت آية لذكرها مع هذا الحديث، فدل على أنها ليست آية. وأما ما ذكر في المصاحف أنها آية، فعلا تجد عندما تنظر في المصحف تجد رقم واحد: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا إنما بسبب القراءة، لأنها للكوفة، وعاصم كان يقرأ بأن البسملة آية، فلذلك جعلوها رقم واحد، وإلا في مصاحف المدينة ومصاحف مكة ليس كذلك، وهذا ليس مؤثرا على القراءة، القراءة واحدة. لكن هل البسملة آية من الفاتحة؟ ليست آية من الفاتحة، والصحيح أنها ليست آية من الفاتحة، لكن تقرأ في بداية كل سورة، وبذلك في سورة الفاتحة، لكنها آية أو بعض آية في سورة النمل، بعض آية في سورة النمل، ويقرأ بها أيضا عند كل سورة. أيضا جاءت السنة في الصلاة أنه يسر بها، فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم وأبي بكر وعمر، فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي رواية: كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، فدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يجهر بها، لكن يقرأها، يقرأ البسملة لكنها سرا، مثل استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في بداية قراءته فيقرؤها سرا، وكذلك البسملة سرا، ثم يجهر بالحمد لله رب العالمين، هكذا قال أنس رضي الله عنه وغيره. وأما الجهر بها فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يجهر بالبسملة. فقوله جل وعلا هنا: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾، أي: اقرأ واستفتح قراءتك باسم الله جل وعلا، باسم الله سبحانه وتعالى، ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾. خلق الإنسان، الإنسان هنا المراد به كل بني آدم غير آدم وعيسى، لأنه لم يخلق الله عز وجل آدم من علق، وكذلك عيسى، يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾، وكذلك خلق آدم من تراب. وأما غير بني آدم فقد خلقه من نطفة، ثم بعد ذلك صارت هذه النطفة علقة، ثم صارت العلقة مضغة. النطفة معروفة هي نطفة المني، ثم تصير علقة، والعلقة هذه قطعة الدم، قطعة من الدم تسمى علقة، وقيل أنها سميت علقة لأنها تعلق في أي شيء يبر به، على لو أتيت بقطعة دم علقة وضعتها في التراب أو تركتها في التراب فإن التراب يعلق بها، فسميت علقة. ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾، فخلق الله عز وجل الإنسان كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾. فلذلك خلق الله عز وجل يذكر الله عز وجل أنه خلق الإنسان من علق، هذه العلقة تكونت بعد ذلك خلقا للإنسان، ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾. وأحيانا يذكر الله عز وجل أنه من نطفة، ﴿ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾، فإذا هو إنسان يخاصم ويجادل، وقال مجاهد: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾، أي: هو من نطفة قدرة، ثم بعد ذلك يخاصم ربه ويجادل ربه ويكفر بالله جل وعلا، وهو خلقه من نطفة حقيرة، من ماء مهين، كما سماه الله عز وجل: ﴿ مِن مَّاءٍ مَّهِينٍ ﴾، إذا وقع في الثوب الإنسان يغسله ويمسحه ويمسحه يريد أن يزيّنه، فهو مهين عند الناس، مع أن الإنسان خلق من هذه النطفة، فقال الله عز وجل: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾، ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾. هنا أكد الفعل والأمر، فقال له: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾، الله عز وجل الأكرم، والأكرم فسره العلماء بأنه الذي يفعل المعروف ولا يريد جزاء من أحد، يفعل ويصنع المعروف، فالله عز وجل خلق الإنسان وهو لا يريد منه جزاء، لكن أبره فقط حتى لا يكون في هذه الحياة عبثا وسدى خلقه، ثم أبره بعبادته حتى لا يكون كما قال الله عز وجل عبثا أو سدى، هكذا لا يؤمر ولا ينهى، بل أبره الله عز وجل ورتب أوامره ونواهيه، ورتب على هذه الأوامر والنواهي جزاء وثواب من فضل منه جل وعلا وكرم منه سبحانه وتعالى، فهو خلق الإنسان وما كان محتاجا لهذا الإنسان، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾. ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾، أيضا هذه نعمة عظيمة، علم الإنسان كيف يكتب، يكتب ثم يقرأ. وفي سورة الرحمن قال: ﴿ الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾، الرحمن خلق الإنسان علمه البيان، فهذا البيان الذي علمه هو بيان اللسان، وهنا ذكر بيان القلم، ﴿ الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾، فعلم بالقلم أي الكتابة، وعلم البيان أي باللسان، فهو علم البيانين، الله عز وجل علم بيان الكتاب واللسان، لأن العبد إذا كان في نفسه شيء يريد أن يبينه إما أنه يكتبه وإما أنه يذكره بلسانه، فالبيان إما بالكتابة وإما باللسان، وقد يكون أيضا بالإشارات تبعا لذلك، فلذلك ذكر الله عز وجل هذه النعمة التي امتنها على الإنسان أنه علمه الكتابة، فجعله فأمره أن يقرأ وعلمه الكتابة، ﴿ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾. خلقه وعلمه ما لم يكن يعلم، وهذا أيضا من إنعام الله عز وجل على خلقه، وأيضا كذلك لنبيه عليه الصلاة والسلام أنه سيعلمه وسيعلمه البيان، وكيف علم النبي صلى الله عليه وسلم البيان؟ علمه أعظم البيان وهو قراءة القرآن وقراءة ما أنزله الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم ما تعلم الكتابة ولا أيضا يقرأ هذا المكتوب، لكن علمه الله عز وجل كما قال: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾، الله عز وجل تكفل أنه يجمع هذه القراءة في صدر النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك فهذا أعظم بيان، والنبي عليه الصلاة والسلام أعطاه الله عز وجل أعظم البيان، فهو أفصح الخلق عليه الصلاة والسلام، وأعطي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا، وأعطي جواب الكلم واختصر له الكلام اختصارا، يعني يتكلم بكلام يسير وهذا الكلام اليسير يحمل معاني كثيرة، فربنا جل وعلا أعطى نبيه جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا، وهذا من أعظم البيان والفصاحة التي أعطاها الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام. فهذا شيء مما يكون في معنى هذه الآيات التي ذكرها، التي أوحى الله عز وجل بها إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فقرأها جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.