الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع أن حفظ العلم في الصدر هو الأصل والأبقى، مستدلاً بآيات القرآن وحفظ النبي صلى الله عليه وسلم للوحي، مبيناً أن العلماء هم أوعية العلم بحفظهم، وأن اعتماد الصحابة على الحفظ المتقن كان سبباً في توثيق علماء الأمة لهم وقبول روايتهم بالإجماع.
يشير المقطع إلى مكانة الحفظ في حفظ السنة والقرآن، مستشهداً بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله في الأمر بالحفظ والتبليغ، وأن الله حفظ الدين بحفاظه من الصحابة والتابعين، وأن طالب العلم الحق لا بد أن يكون حافظاً لكتاب الله وسنة نبيه.
يستعرض المقطع عناية السلف والعلماء بحفظ العلم والقرآن والسنة، مبيناً أنهم كانوا يلقبون الحفاظ بألقاب تمجيد، وأن الحفظ كان دليلاً على العلم والتقوى، مع ذكر الوسائل التي استعانوا بها كالتكرار الشديد، وتقوى الله، وتجنب المعاصي، والتحذير من بعض الأعشاب الضارة.
يختتم المتحدث حديثه عن حفظ القرآن مشيراً إلى أن الموضوع واسع ووسائله كثيرة، ويكتفي بما ذُكر لتوضيح فضله وأهميته، ثم يدعو الله أن ينفع السامعين بما سمعوا، ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الذي مضى فضل الكتابة وتقييد العلم، وكتابة العلم، وأن له شرفًا عظيمًا في ديننا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾. وطريقة ثانية وهي طريقة البيان، وهي حفظ العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾. فالبيان يكون بالحفظ، والحفظ هو حفظ العلم، له أيضًا أهمية عظيمة في ديننا. فالعلم يعرف بالحفظ، فكل حافظ إمام. وقال ربنا جل وعلا في القرآن: ﴿ بَلْ هِيَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾. فصاحب الحفظ هو العالم. وأما العلم المكتوب فإنما يحتاجه في النظر إليه، وأما العلم المحفوظ فهو الذي يبقى للعبد ويبقى للعالم. ولهذا كان بعض السلف يقول كما قال عبد الرزاق: «إنما العلم الذي يدخل معك الحمام»، إنما العلم الذي يدخل معك الحمام، ويريد به علم المحفوظ في الصدر. فللهذا كان العلماء هم أوعية العلم، العلماء هم أوعية العلم لأنهم حفظوا العلم، فالعلم هو الذي يحفظ. وأما الذي ليس بحافظ للعلم فهذا ليس بعالم، وليس بفقيه، وليس أيضًا من أهله؛ لأن الذي يعتمد على الكتب فهو كأنه يعتمد على غيره في العلم وفي المعلومات. صحيح أن الإنسان يجتهد ويحرص على قراءة الكتب، لكن لا بد من الحفظ، لا بد من هذا الحفظ. لهذا الله عز وجل لما ذكر آيات القرآن قال: ﴿ بَلْ هِيَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾. وربنا جل وعلا أيضًا جعل نبيه عليه الصلاة والسلام يحفظ القرآن، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم لم يكن يكتب، فجعل الله عز وجل له الحفظ، فيأتي جبريل ويلقنه القرآن ثم يحفظه. وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام في بداية الأمر يحاول ويجتهد أن يحفظ بسرعة، كلما تكلم جبريل بالوحي تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يحرك لسانه حتى يحفظ ما يقول، فأنزل الله عز وجل عليه: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾، أي نجمعه في صدرك، أي نجعلك حافظًا له، فلا تحرك لسانك، ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾. فالله عز وجل توكل لنبيه أن يحفظه هذا القرآن في صدره، يجعله في صدره. ومن بركة هذا الحفظ حفظ النبي صلى الله عليه وسلم صار في أمته، فأحفظ أمة للعلم هي هذه الأمة. والصحابة رضي الله عنهم جعل الله عز وجل البركة فيهم في حفظهم للعلم، فتجد أن كما ذكرنا قبل أن الصحابة رضي الله عنهم ليس فيهم من يكتب إلا القليل، لكنهم كانوا يحفظون. يحفظ الرجل قصة كاملة حصلت مع النبي صلى الله عليه وسلم، كلاما عظيما قاله النبي صلى الله عليه وسلم يحفظه بالنص: حديث الجساسة، وحديث الدجال، حديث تميم الداري حفظته فاطمة بنت قيس وهو حديث طويل، وأيضًا كذلك حديث الحديبية حفظه الصحابة، وأحاديث كثيرة طويلة جدًا كانوا يحفظونها عن ظهر غيب. ولهذا لشدة حفظ الصحابة أجمع العلماء على أن الصحابة عدول، يقبل حديثهم، أي صحابي عرف أو لم يعرف، فما دام أنه صحابي فيقبل منه الحديث، سواء كان عرفنا من هو الصحابي هذا اسمه أو حتى لم نعرف اسمه، لكن عرفنا أنه صحابي. مثلا يقول التابعي: «حدثني رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام»، فإذا كانت هناك علامة على أنه صحابي قبل حديثه؛ لأنهم كانوا يحفظون، أعطاه الله عز وجل حفظًا. كان أبو سعيد الخدري يقول لتلاميذه ومن يأخذ عنه الحديث: «احفظوا هذا الحديث كما حفظناه من النبي عليه الصلاة والسلام، كنا نسمعه ونحفظه». والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فأداه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، أو قال: ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». فللهذا فهذا العلم يحفظه ويحمله الحفاظ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الرحمن العدري، قال عليه الصلاة والسلام: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»، يحمل هذا العلم، يحمله ويحمله في صدره من كل خلف عدوله، أي من كل طبقة ومن كل ناس عدولهم، يحفظون هذا العلم ويؤدونه إلى الناس. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: «احفظوا هذا وبلغوه من وراءه»، كما قال لوفد عبد القيس، ذكر لهم الإيمان والشهادتين والصلاة، ونهاهم عن أربع، ثم قال لهم: «احفظوا هذا، احفظوا هذا العلم وبلغوه من ورائكم». فللهذا فالحفظ عظيم وفضله كذلك عظيم. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام خاصة في حفظ القرآن قال: «لو كان هذا القرآن في إيهاب لما مسته النار، فكيف وهو في صدور الذين أوتوا العلم». معنى الحديث: أن من كان يحفظ هذا العلم وعرف منزلة هذا القرآن وعظمته، فحفظه حفظًا من ناحية القراءة، وحفظه أيضًا أن لا يضيعه، فهذا الحفظ قال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تمسه النار. الذي يحفظ القرآن ويعرف عظمة القرآن فإنه لا تمسه النار. «لو كان هذا الكتاب في إيهاب» - إيهاب: جلب - «لو كان هذا الكتاب في إيهاب لما مسته النار، فكيف وهو في صدور الذين أوتوا العلم»، أي أن الجسد الذي يحمل هذا القرآن لا تمسه النار، الجسد الذي يحمل هذا القرآن لا تمسه النار. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يشيد بالحفظة، يشيد بمن يحفظ القرآن من أصحابه، وقال كما جاء في صحيح البخاري في حديث عبد الله بن عمر: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد وهو عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وسالم مولى أبي حذيفة». هؤلاء جمعوا القرآن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وحفظوه وأتقنوه، أتقنوا هذا حفظ القرآن، فأثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «خذوا القرآن من هؤلاء الأربعة: ابن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وسالم مولى أبي حذيفة». وهذا كله كما قلنا يدل على أن الحفظ لا بد منه، لا بد للعالم الحفظ، وإلا فهو ليس بعالم. بل طالب العلم لا يكون طالب علم إلا إذا حفظ، حفظ شيء من كتاب الله وشيء من سنة رسول الله، وأعظم أن يحفظ كتاب الله كله، ويحفظ كثيرًا من سنة رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، ويحفظ من الفقه، ويحفظ أيضًا من آلات العلم كالنحو والمصطلح والأصول وغيرها من هذه العلوم العظيمة، فلا بد له من حفظ، وإلا فليس هو طالب علم. وأيضًا كان السلف رحمهم الله يهتمون بالحفظ، وسبحان الله كما قلنا في درس مضى أن الله عز وجل حفظ هذا الدين بهؤلاء الرجال، سواء كان من الصحابة أو من من بعدهم، كان الواحد منهم إذا سمع حديثًا حفظه، حديث طويل قصير، كلما سمع شيئًا حفظه. كان بعض السلف، كان سفيان الثوري رحمه الله كلما سمع شيئًا حفظه، حتى أنه كان إذا ذهب إلى السوق يضع القطن في أذنيه حتى لا يسمع شيئًا من كثرة حفظه. كان بعض السلف يسمونهم بالمخصة، لماذا؟ لأنه يحفظ بسرعة. كان قتادة يسمى مصحف أهل البصرة، وعمرو يسمى مصحف أهل الكوفة، فيسمى مصاحف لكثرة حفظه. ولهذا كان أهل العلم يثنون على الحفاظ، على الحفاظ الذين يحفظون العلم، يثنون عليهم، كلما كان الإنسان أحفظ كلما كان هو أعلم وأتقى، وأيضًا يثنون عليه أكثر. ولهذا كان العلماء مثل مالك، سفيان الثوري، سفيان بن عيينة، الأوزاعي، وابن المبارك، وغيرهم من هؤلاء العلماء كانوا يحفظون العلم. أيضًا الشافعي كانوا يحفظون هذا العلم حفظًا عظيمًا، كلما سمعوا شيئًا حفظوه. الزهري رحمه الله كان يحفظ في أول ما يسمع، ومرة حدث مالك وهو تلميذه، مالك بن أنس، حدثه بحديث طويل، فقال مالك: «أعد علي». قال مالك بن أنس: «أقول أعد علي، أنا مالك الذي اشتهر بالعلم والحفظ». قال الزهري: «والله ما قلت لأحد أعد علي حديثًا، ما قلت لأحد المشايخ أبدًا أعد علي، أسمع الحديث أحفظه». فللهذا جعل الله عز وجل هؤلاء الفرسان حفظوا العلم حتى جاءنا هذا العلم غضا طريا كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام. نقرأ عندنا كتب يحفظها العلماء ويحفظها طلبة العلم حتى يحدث بها الناس وينتفع بها الناس، كل ذلك بسبب حفظ العلم. وهذا كله من الله عز وجل، حفظ ربنا جل وعلا هذا العلم: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. وكذلك كان العلماء يستعملون الوسائل للحفظ، حتى أن بعضهم كان يأكل أعشابًا لأجل أن يزيد في الحفظ، حتى أنهم كانوا يأكلون البلاذر، البلاذر هذه عشبة تأتي بالحفظ، لكن لها جوانب سيئة، حتى أن بعضهم كأبي داود الطيالسي أصيب بالفالج، أصيب بجلطة، وبعضهم أصيب بالبهق كعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأمة رحمهم الله. ويستعينون بالحفظ أيضًا بتقوى الله جل وعلا، ولهذا قال عبد الرحمن بن خراش: «قلت لوكيع بن الجراح: ما هذا الحفظ الذي عندك؟ ما تأتي بكتاب معك، ما رأيت يومًا كتابًا معك، فماذا الذي تفعل؟ قال: تفعله أنت؟ قال: نعم. قال: ترك المعاصي». قال: «ترك المعاصي هذا الدواء». كما قال الشافعي: «شكوتي إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وقال: إن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاص». وأيضًا كذلك قيل للإمام البخاري: «من أين جئت بهذا الحفظ؟ أنت تحفظ الآن ثلاثمائة ألف حديث، من أين لك هذا الحفظ؟» قال: «بتكرار العلم». وتكرار الحفظ يأتي بالتكرار، معنا ليس هناك عندي شيء وإنما أكرر العلم، وعلم الناس، وحفظ الناس. كان سفيان الثوري أحيانًا يحفظ الأطفال حتى يحفظ، وكذلك الزهري يجمع له الصغار ويحفظهم. كان الزهري له جارية، إذا حفظ حديثًا جاء إلى هذه الجارية وألقاها هذا الحديث لأجل أن يحفظه، يكرر الحديث. ولهذا أفضل طريقة عند أهل العلم في الحفظ هي التكرار، هي التكرار، سواء كان حفظ القرآن أو حفظ السنة وحفظ العلم، يكررون ويراجعون، فإن مذاكرة العلم إحياء، أو إحياء العلم أقصد مذاكرته، كما قال العلماء. ولهذا الآن تجد كثيرًا من الذين عرفوا بالحفظ كالشناقطة وغيرهم في هذا العصر، تجد أنهم يكررون المحفوظ، حتى أنه يبلغ إلى أن يكرر بخمسين مرة أو أكثر. فهذا كله من أجل أن يحفظ هذا العلم، ويستفيد الحافظ نفسه، وكذلك يفيد غيره. والكلام في الحفظ طويل، ووسائل أيضًا كثيرة، لكن هذا إن شاء الله يكفي في ذكر فضل الحفظ وأهميته. ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين.