الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن من يصنع المعروف للناس ويحسن إليهم، فإن الله يحفظه ولا يخزيه، مستدلاً بكلام خديجة للنبي ﷺ وابن الدغنة لأبي بكر، وقول ابن تيمية، والأحاديث النبوية: «احفظ الله يحفظك» و«صنائع المعروف تقي مصارع السوء».
يشرح المقطع أن الخزي هو الفضيحة في الدنيا والآخرة، مستدلاً بقصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه، وأن الله لا يخزي أهل طاعته وحفظ القرآن والصلاة في جماعة، بينما يفضح الكافرين والمضيعين للصلوات، مستشهداً بآية سورة التحريم التي تؤكد نجاة النبي والمؤمنين من الخزي يوم القيامة.
يؤكد المقطع أن من يسعى في قضاء حوائج الأرامل والمساكين وكافل اليتيم ينال أجراً عظيماً كالمجاهد والصائم والقائم، وأن البذل بالمال والوقت والنفس من صفات أهل الجنة، بينما الشح والأنانية مانعان من الفلاح، مستدلاً بآيات قرآنية وحديث خديجة رضي الله عنها أن الله لا يخزي من عمل معروفاً.
يختتم المتحدث حديثه بالدعاء بالتوفيق للخير والجنة، ويختتم بالشكر للمشاهدين على المتابعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى ما ذكرته السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها عندما جاء النبي عليه الصلاة والسلام من الغار، من غار حراء، قالت: وهو يرتجف فؤاده، وترتجف بوادره، حتى قال عليه الصلاة والسلام لخديجة: «لقد خشيت على نفسي». وذكرنا معنى هذا الكلام، ثم قالت له خديجة رضي الله تعالى عنها: «كلا، لا يخزيك الله أبدًا، كلا، لا يخزيك الله أبدًا». ومعنى هذا الكلام: أن الله عز وجل لا يفضحك، ولا يريد بك شيئًا تعيرك الناس به، وأيضًا يكون فيه عليك حرج وتستحي منه عند الناس. لماذا؟ لأنك تصنع المعروف، ولأنك معروف بالأخلاق الحسنة. ولهذا أيضًا حصل مثل هذا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، لما أخرجته، أو لما خرج من مكة، فلقيه ابن الدغنة، فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ فقال: أردت أن أعبد الله عز وجل، فلم تتركني قريش. فقال: «والله لا يخزيك الله أبدًا»، وذكر له مثل كلام خديجة للنبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قد تقرر عند أهل الجاهلية، أو بمعنى هذا الكلام عند أهل الجاهلية وعند غيرهم، أن من يصنع المعروف في الناس فإنه يقيه الله عز وجل، ولا يخزيه، لا يخزيه ولا يفضحه. هذا تقرر عند أهل الجاهلية، وقرر أيضًا في الإسلام. فمما يدل عليه ما جاء في حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». فقوله صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك»، أي: إذا حفظت الله عز وجل في نفسك، وفي مالك، وفي عرضك، وأيضًا بذلت للناس الخير، فإن الله عز وجل يحفظك. وكذلك أيضًا جاء عند أحمد والطبراني: عند أحمد من حديث ابن سلمة، والطبراني من حديث أبي أمامة، وصححها العلامة الألباني رحمة الله عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، صنائع المعروف تقي مصارع السوء». أي: من صنع، يصنع المعروف للناس، فإن الله عز وجل لا يجعله في موضع، في موضع يخزى فيه ويفضح فيه، بل يحفظه الله عز وجل من مثل هذه المواقف. وهذا إذا كان يصنع المعروف للناس، وهذا المعروف قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل معروف صدقة»، تصلح بين اثنين صدقة، وأيضًا ذكر الصدقة، وذكر أيضًا معاونة الرجل لأخيه أيضًا صدقة، يعاونه في دابته، ويعاونه في غيرها من الأمور، أيضًا كذلك صدقة. وسياتي معنا أيضًا ما وصفته السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها لحال النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يبعث، صلوات الله وسلامه عليه. فلذلك فالذي يصنع المعروف في الناس، ربنا جل وعلا لا يفضحه، لأن الخزي المراد به الفضيحة، «ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون»، أي: لا تجعل لي خزيًا، فضيحة في ذلك اليوم. ولهذا إبراهيم عليه السلام ظن أن من الخزي أن يدخل أباه النار، ولهذا جاء في صحيح البخاري أن نبي الله إبراهيم يقول لربه جل وعلا يوم القيامة: «يا رب، إنك وعدتني أن لا تخزني اليوم، إنك وعدتني أن لا تخزني اليوم، وأي خزي من أبي الأبعد؟ هذا خزي عظيم أن أبي يدخل النار». ظنه إبراهيم أن هذا خزي. فقال الله عز وجل لنبي الله، لخليله إبراهيم: «يا إبراهيم، انظر تحت قدميك». فنظر تحت قدميه، فرأى أباه كالضبع يتشحط دمًا، أي: أنه خبيث كافر. فلماذا تظن أن هذا خزي لك؟ لا أبدًا، لأن هذا ليس له صِلة بك، وإن كان هو أبوك في الدنيا، لكن ليس بينك وبينه صِلة لأنه مشرك كافر. فأخذ بقوائمه وألقي في النار. فلذلك فالخزي: لا يخزي الله عز وجل أهل طاعته أبدًا. لا يخزي الله عز وجل أهل القرآن الذين يحفظون كتاب الله، ويحفظون كذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام. النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في صحيح مسلم: «من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله». صلى الفجر في جماعة، أنت في ذمة الله، في حفظه، في حفظ الله، لا يخزيك الله عز وجل أبدًا، ولا يفضحه. ولكن يفضح الله عز وجل أهل السوق، وأهل الكفر، وأهل الفسوق، والمضيعين للصلوات، هؤلاء يفضحهم الله عز وجل في الدنيا والآخرة. فلذلك فالخزي في الدنيا هو الفضيحة، والخزي في الآخرة هو الفضيحة. ربنا جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فلذلك فالخزي لا يصل إلى أهل الطاعات، وأيضًا أهل المعروف، الذي يبذل بوقته، وبماله، وكذلك بنفسه للناس، ولأهل الإسلام، وللضعفاء والمساكين، ولغيرهم، يبذل نفسه وماله ووقته لهؤلاء، لن يضيعه الله عز وجل أبدًا. «الساعي في الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله»، ذاك فدى نفسه، وهذا بذل وقته، وقد يكون أيضًا بذل ماله. «الساعي في الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله»، وأحسبه قال: «كالصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر»، يقوم الليل كله ولا يفتر، وهذا يصوم النهار ولا يفطر، أي كل يوم، فهذا جزاء الذي يسعى في الأرملة والمسكين. وأيضًا كافل اليتيم، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «هو في الجنة معي في الجنة كهاتين»، لأنه كفل يتيما. وقال: «إما أنه سعى في كفالته، أو أنه كفله، أو أنه حتى كفل بعضًا أو شيئًا مما يكفل هذا اليتيم». فكل ذلك له أجره عند الله جل وعلا، وهو من بذل الخير. فلذلك أيها الإخوة الكرام، ربنا جل وعلا نبه على أمر عظيم، وهو أن المسلم، وأيضًا أهل الجنة بالصدق، هم الذين يبذلون في الله جل وعلا، هم الذين عندهم بذل، إما بأنفسهم، وإما بأموالهم، وإما أيضًا كذلك بأخلاقهم وعطائهم ووقتهم، يبذلون للخير. فلابد أن تكون نفس صاحب الجنة باذلة، ما يكون بخيلًا، ما يكون أنانيًا. الطماع غالبًا ما يفلح، الأناني ما يفلح، الذي يريد نفسه فقط، ويريد كل شيء له، هذا ما يفلح غالبًا. ولهذا قال الله عز وجل في موضعين في القرآن: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يوق شح نفسه في كل شيء: في العلم لا يبخل بالعلم، في المال لا يبخل بالمال، في العطاء، في السخاء، في الوقت، في كذلك مساعدة الناس، في كل شيء يبذل، فلا يجعل نفسه فقط يريد أن يخدم نفسه فقط، كل شيء. كما نقول: أناني. الشح هو الأنانية، الشح هو الأنانية. فمن وقى نفسه من الشح كان من أهل الجنة. ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فلذلك عباد الله، في هذا الحديث العظيم، تقرر خديجة رضي الله عنها أمرًا عظيمًا، وهو أن من عمل المعروف فإنه لا يخزيه الله عز وجل، ولا يفضحه، لا في الدنيا ولا في الآخرة. أن إذا كان مسلما فإن الله عز وجل لا يفضحه، حتى يوم القيامة، لا يخزيه الله عز وجل، لأنه حفظ الله في الدنيا، فحفظه الله في الدنيا والآخرة. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا من أهل جنته ورضوانه. والحمد لله رب العالمين. شكرا للمشاهدة. شكرا للمشاهدة.