المسارعة إلى الخيرات

الخطبة بعنوان المسارعة إلى الخيرات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 7 شعبان 1432هـ ألقاها

افتتاح المجلس وفضل مجالس العلم والذكر

افتتح المحاضر المجلس بالثناء على فضل مجالس الذكر وأهل السنة، وشكر المتحدث السابق على تذكيره بالمسارعة إلى الخيرات. ثم بين عظمة مجالس العلم وحلق الذكر في بيوت الله مستدلاً بالآيات والأحاديث التي تؤكد نزول السكينة والرحمة وحفوف الملائكة على أهلها.

المسارعة إلى الخيرات ومكانة أولياء الله

يبيّن المقطع فضل المبادرة إلى الطاعات والمسارعة إلى الخيرات مستدلاً بالكتاب والسنة، ويوضح أن الدنيا مزرعة للآخرة محذراً من الفتن. ويختتم بحديث قدسي يوضح مكانة أولياء الله وتقرب العبد بالنوافل حتى يحبه الله فيكون سمعه وبصره.

استغلال الجوارح والنعم في الطاعة قبل الموت

يؤكد المقطع على وجوب استعمال الجوارح في طاعة الله وترك المعاصي، ويحث على المبادرة بالصدقة والعمل الصالح في حال الصحة والقوة قبل حلول الموت. كما يبين أن المال والأهل يفارقون الميت في القبر ولا يبقى معه إلا عمله الصالح.

الأعمال الباقية بعد الموت وأثرها في حسن الخاتمة

يستعرض المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث أعمال يبقى أجرها بعد الموت: الصدقة الجارية، والعلم النافع، والولد الصالح الداعي لوالديه. ويؤكد على أهمية المبادرة بالطاعات والمسارعة للخيرات لحسن الخاتمة مستشهداً بهدي السلف.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إنا بادئ كل ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله عز وجل الذي وفقنا وإياكم لهذا الخير، نؤدي مثل هذه الطاعة ومثل هذه الفريضة، ثم نجلس في بيوت الله عز وجل نستمع للذكر، وهكذا نستمع للخير، وهذا يا عباد الله يعتبر من نعمة الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. أيها الإخوة في الله، إن مجالس العلم وحلق الذكر لهي من أعظم ما فنيت فيه الأعمار واستغلت فيه الأوقات. كيف لا يا عباد الله، وهي تعتبر من أعظم الطاعات ومن أجل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه عز وجل؟ ولهذا إخواني في الله نجد أن الله عز وجل قد اهتم بأمر العلم وأمر مجالس العلم. فمن ذلكم يا عباد الله أنه سبحانه وتعالى أخبر عن رفعة أهل العلم، فقال جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وقال جل في علاه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ﴾، قال ابن عباس وغيره: أي بالعلم. وقال جل في علاه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. ونبينا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثبت عنه كما عند الإمام مسلم رحمه الله من حديث أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». إذا كان يا عباد الله ربنا تعالى وتقدس فرق بين الجوارح من الكلاب وغيرها بالعلم، فما ظنك بهذا الإنسان وبهذا المسلم؟ كيف لا يفوق غيره وهكذا يتميز عن غيره بالعلم؟ أباح الله عز وجل صيد الكلب المعلم ولم يبح صيد غيره من الكلاب غير المعلم. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وأمر العلم وهكذا مجالس العلم قد وردت فيه أحاديث كثيرة، وقبل ذلك آيات كريمة، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يحث أمته على مثل هذه المجالس وعلى مثل هذه الحلق التي تعمر بها بيوت الله عز وجل. من ذلكم إخواني في الله ما جاء عند الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة». السكينة يا عباد الله تتنزل على قلوب الحاضرين من الله عز وجل، انشراح الصدر وطمأنينة القلب التي تكون عند أهل مجالس الذكر وحلق العلم. قال: «إلا تنزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة». الرحمة من الله عز وجل تغشى وتعم الجميع، تغشى وتعم الجميع، ونحن يا عباد الله أحوج ما نكون إلى رحمة الله عز وجل، بل لا نستطيع أن نعيش إلا برحمة الله جل في علاه. الرحمة من الله تعم الحاضرين، ولو كان الشخص جالساً لحاجة أو لأخرى، فقد قال ربنا جل في علاه كما في الحديث القدسي: «أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم». فيقول بعض الملائكة: يا رب، فيهم عبدك فلان، رجل خطاء، ما جلس إلا لحاجة. قد يكون ينتظر صاحبه، أو قد يكون ليس هناك في البيت كهرباء، وقال ما شاء الله، المسجد فيه المراوح واللمبات وغير ذلك. عبدك فلان رجل خطاء، ما جلس إلا لحاجة. فيقول الله عز وجل: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». الله أكبر يا عباد الله، رحمة من الله عز وجل. قال: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم»، أي أن من جالسهم انتفع بهم ونال من الخير الذي يناله أولئك الرجال الذين هم أهل حلق الذكر ومجالس العلم. قال: «وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وهكذا إخواني في الله جاء عند الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أصحاب الصفة، وأصحاب الصفة هم فقراء المهاجرين ليس لهم بيوت يأوون إليها، إنما كانوا يأوون إلى المسجد. قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أصحاب الصفة، فقال عليه الصلاة والسلام: «أيكم يحب أن يغدو إلى العقيق أو إلى بطحان؟» - موضعان قريبان من المدينة - «فيأتي بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم». ومعنى قوله: «ناقتين كوماوين» أي عظيمتي السنام الذي يكون على ظهرها. والناقة إخواني في الله، كل ما كان سنامها عظيم، كل ما كانت نفيسة، وكل ما كانت ثمينة، وكل ما كان الناس يتنافسون على اختنائها وجمعها. قال: «فيأتي بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم». قال الصحابة رضي الله عنهم: كلنا يحب ذلك يا رسول الله، كلنا يحب ذلك يا رسول الله. قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية فهي خير له من ناقة، فيتعلم آية فهي خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين، وثلاث يعني آيات خير له من ثلاث يعني نوق، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل». انظر يا عبد الله إلى هذا الخير العظيم الذي يتحصل عليه المسلم حين أن يجلس في بيوت الله عز وجل يتعلم آيات القرآن ويدرس أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، يتعلم العقيدة الصحيحة، يتعلم أحكام الصلاة وأحكام الزكاة وأحكام الصوم، وهكذا يتعلم مناسك الحج، وهكذا غيرها من أبواب العلم وأبواب الخير، ينال مثل هذه الأجور العظيمة، وربنا عز وجل يضاعف الأجور لمن يشاء من خلقه وعبيده. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يقول: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له من الجنة نزلاً كلما غدا أو راح». إذا جئت من أول النهار أو من آخره إلى المسجد، فالله عز وجل يعد لك يا عبد الله من الجنة نزلاً، والنزل هو ما يعد للضيف من مجلس وهكذا من ضيافة وغير ذلك. قال: «أعد الله له من الجنة نزلاً كلما غدا أو راح، كلما غدا أو راح». فهذه أجور عظيمة تجعل العبد يشمر عن ساعد الجد، وتجعل العبد يهتم بأمر العلم وتحصيل العلم. هذا العلم يا عباد الله المأخوذ من كتاب ربنا عز وجل ومن أحاديث نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم أيها الإخوة في الله، كما علمتم أن موضوع هذه المحاضرة وهذا المجلس الذي هو من مجالس الذكر وحلق العلم حول ما يتعلق بالمسارعة إلى الخيرات والمسارعة إلى الأعمال الصالحات، فينبغي علينا يا عباد الله أن نعلم علم اليقين أن الله عز وجل قد جعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة. هذه الدنيا جعلها الله عز وجل مزرعة للآخرة، من زرع خيراً وجد خيراً، ومن زرع غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. هذه الدنيا يا عباد الله جعلها الله عز وجل داراً للأعمال وخزائن للآجال. هذه الدنيا يا عباد الله جعلها الله عز وجل موضعاً وداراً لكي يتنافس المتنافسون ويتسابق المتسابقون، جعلها الله عز وجل لعباده الذين يبادرون إلى الأعمال الصالحات وإلى فعل الطاعات. ولهذا يقول ربنا جل في علاه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وهكذا يقول جل في علاه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ويقول جل في علاه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنٍ يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾. ويقول تبارك وتعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. ولما ذكر الله عز وجل جملة من أنبيائه ورسله وصفوته من خلقه، ختم تلكم الآيات بقوله جل في علاه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. أنبياء الله ورسل الله الذين رفع الله منازلهم وأعلى الله شأنهم وأعطاهم غير ذلك من المبشرات وهكذا الكرامات، قال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. أيها الإخوة في الله، وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يحث أمته أن يكونوا من المسابقين وأن يكونوا من المسارعين وأن يكونوا من المبادرين إلى فعل الخيرات وإلى فعل الأعمال الصالحات التي تعود عليهم بالأجور والحسنات، وهكذا بذلكم النعيم المقيم الذي أعده الله عز وجل لعباده المؤمنين المتقين الصالحين عنده سبحانه وتعالى. جاء عند الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال، فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا». وهذا الحديث يحثنا نبينا عليه الصلاة والسلام إلى المبادرة إلى الأعمال الصالحات قبل أن يأتي زمان الفتن وأيام الفتن التي لربما يشغل فيها المؤمن عن الطاعات، وهكذا يغلب عليه الكسل والفتور بسبب هذه الفتن، فيأمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله: «بادروا بالأعمال، فتنا كقطع الليل المظلم». كقطع الليل المظلم، وانظر إلى شدة هذه الفتن وكيف أنها تعمل في الناس الأعمال الكبيرة. قال: «يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً»، يتغير فيما بين يوم وليلة، يصبح مؤمناً فما يأتي عليه المساء إلا وقد تغير حاله إلى أن يكون كافراً. قال: «ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً». ما سبب ذلك يا عباد الله؟ إنها الفتن. قال: «يبيع دينه بعرض من الدنيا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». وهكذا يا عباد الله، من حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على المسارعة والمسابقة والمبادرة إلى فعل الخيرات ما جاء عند الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «يقول الله تعالى: من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». هذا الحديث يا عباد الله يبين فيه ربنا عز وجل مدى أثر الأعمال الصالحات على أصحابها وعلى أهلها. يقول جل في علاه في هذا الحديث القدسي: «من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب». الله عز وجل يغضب لأوليائه ويعادي من عاداهم، وينتقم الله عز وجل ممن تعرض لهم بالأذية. أولياء الله عز وجل هم من اتصف بصفتين عظيمتين، ألا وهما: الإيمان بالله عز وجل وتقوى الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال جل في علاه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، يبشرون في الدنيا قبل الآخرة، تتنزل عليهم الملائكة: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. نعم بشارة من الله عز وجل لهؤلاء الذين هم من أهل الإيمان وأهل التقوى، وهكذا أهل العلم. ولهذا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى كان يقول: «إن لم يكن العلماء هم أولياء الله فلا أعلم لله ولياً». شافعي رحمه الله وغفر له، يقول: «إن لم يكن العلماء هم أولياء الله فلا أعلم لله ولياً». وهذا يدل على أهمية العلم كما تقدم في أوائل هذه الكلمة. ثم قال ربنا عز وجل: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، يعني الواجبات والفرائض، هذه من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، ثم يأتي بعدها النوافل والسنن والمستحبات. قال: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، حتى أحبه، قال: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». قال العلماء: معنى ذلك أن الله عز وجل يوفق هذا العبد إلى كل خير، فلا يسمع بأذنه إلا خيراً، لا يسمع الأغاني، لا يسمع الكذب، لا يسمع الغيبة والنميمة إلى غير ذلك مما حرم الله عز وجل. وبصره لا يستعمله إلا في الخير، لا ينظر به إلى عورات المسلمين، لا ينظر به إلى النساء العاريات المائلات المميلات. بعض الناس لربما استعمل هذه النعمة في متابعة المسلسلات ومشاهدة الأفلام، وهكذا الصور العارية وغير ذلك. لا يا عبد الله، الله عز وجل ما أنعم عليك بهذين العينين لكي تستعملهما في الحرام. قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، يعني طريق الخير وطريق الشر. استعمل هذه النعم في طريق الخير ولا تستعملها في طريق الشر. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ الله أنعم عليك بهذه النعم لا لكي تحاربه بها، وإنما لكي تؤدي شكرها، وهكذا تستعملها في طاعته سبحانه وتعالى. قال: «ويده التي يبطش بها»، يده هذه لا يستعملها إلا في الخير، لا يضرب بها الناس ظلماً وعدواناً، لا يسرق بها، لا يأكل بها حراماً، يستعملها في الطاعات والعبادات التي تنفعه يوم يلقى ربه عز وجل. وهكذا رجله، لا يمشي بهما إلا إلى خير، لا تحملانك يا عبد الله إلا إلى طاعة. فهذا معنى الحديث. قال: «ولئن سألني لأعطينه»، إذا سألت الله عز وجل أعطاك الله عز وجل ما ترنو وما تطلب. قال: «ولئن استعاذني لأعيذنه». هؤلاء يا عباد الله أولياء الله، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم. وهكذا إخواني في الله، من حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على العمل الصالح وعلى أن يبادر إلى فعل الطاعات ويسارع إلى الأعمال الصالحات، ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: «أي الصدقة أفضل؟» سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا». انظر يا عباد الله، هذا باب الصدقة وهذا باب الجود والإحسان. أي الصدقة أفضل؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، وأنت صحيح شحيح»، يعني عندك من الصحة وأنت على عافية وقوة، وهكذا شحيح، لربما ليس عندك المال الكثير، ولربما عندك مال ولكنك تحتاج إليه، لكنك تؤثر الخير وتؤثر تحصيل الأجور والحسنات على ما تشتهيه نفسك. ولهذا أثنى ربنا عز وجل على الأنصار بقوله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ومن يوق شح نفسه، النفس يا عباد الله قد يغلب عليها الشح. يا عبد الله تصدق، يقول: أنا أمامي مشروع زواج وأحتاج إلى كيت وكيت. يا عبد الله تصدق، يقول: أنا أريد أن أذهب إلى بلدي كذا وكذا. يا عبد الله تصدق، يقول: أنا عندي عمل في البيت أريد أعمر البيت، أبني غرفة أو أبني دوراً أو سكناً أو غير ذلك. قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تمهل»، لا تؤخر يا عبد الله، لا تؤخر حتى يفوت الأوان. قال: «ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم»، يعني حانت ساعة الوفاة، وهكذا مفارقة هذه الروح لهذا الجسد. «ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان»، أي قديماً، لربما، «وقد كان لفلان كذا». أين كنت يا عبد الله حين أن كنت قوياً نشيطاً، حين أن كان المال بيدك؟ لربما اشتريت به المحرمات، لربما أنفقته في الملاهي والملذات إلى غير ذلكم يا عباد الله. فهذا الحديث نبينا عليه الصلاة والسلام يحثنا فيه على المبادرة وعلى المسارعة قبل فوات الأوان، وقبل أن يندم العبد، لكن لربما كان في ساعة لا ينفع فيها الندم، ولا تغني الحسرات عن صاحبها شيئاً. وهكذا يا عباد الله، من حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على المبادرة وعلى استغلال الأوقات والأعمار في الأعمال الصالحات، ما جاء في الصحيحين من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله». أهله وماله وعمله. قال: «فيرجع اثنان ويبقى واحد». يرجع أهله وماله، الأهل الأولاد، وهكذا الإخوة وأبناء العم والأحفاد وغيرهم، يدفنون الميت ويرجعون، يرجعون فيتحاسبون ويتقاسمون. ما لك هذا يا عبد الله؟ قال: «يرجع أهله وماله». المال لا يدفن معك، السيارة عند البيت، والمال لربما في الدولاب أو رصيداً لك في موضع كذا وكذا، الذهب والفضة موجودة. قال: «فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله». أين يبقى؟ يبقى معك يا عبد الله. إذا نزلت إلى قبرك كان هو الجليس وهو الأنيس. إذا كان الأمر كذلك، فأيها أحق أن يعمر، وأيها أحق أن يستغل؟ الذي يبقى معنا في قبورنا، والذي يكون أنيسنا في قبورنا، أم الذي يرجع؟ اليوم إن عكس الأمر، لربما انشغل كثير من الناس عن العمل الصالح بسبب المال، بسبب الوظيفة، بسبب المهنة والحرفة. ينادى لربما: «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، الدكاكين مفتوحة، المزارع في مزرعته، صاحب الحرفة الفلانية لا زال في حرفته ولا زال في عمله، بل ولربما كثير من الناس لا زال منشغلاً في بيته، منشغل بالزوجة أو منشغل بالأولاد، فلربما أضاع العمل الصالح بسبب الأولاد والزوجات والأموال. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وقال عز وجل: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. فهذا إخواني في الله، النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على أن نهتم بالعمل الصالح الذي يبقى معنا، والذي يكون أنيساً لنا في قبورنا. إذا كان العمل صالحاً يا عبد الله فأبشر بالخير، يأتيك في صورة حسنة وفي منظر جميل، فتقول له: من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، أنا عملك الصالح. صلاتك يا عبد الله، صيامك، قيامك بالليل، برك بوالديك، صلتك لأرحامك، إحسانك لجيرانك، حجك وعمرتك، إلى غير ذلك يا عباد الله، أنا عملك الصالح. لكن إذا كان العمل سيئاً، ماذا سينتفع به الإنسان؟ بل يتضرر بسببه، يأتي صاحبه في صورة مزعجة وفي منظر قبيح، فيقول: من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بالشر، فيقول: أنا عملك السيئ، أنا عملك السيئ. وهكذا أيها المسلمون، عباد الله، من حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على المسارعة إلى فعل الخيرات والأعمال الصالحات، ما جاء عند الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». الأصل يا عباد الله أن عمل الإنسان ينقطع بموته. ولهذا استدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بقوله عز وجل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. استدل بهذه الآيات على أن قراءة القرآن للميت لا يصل ثوابها إليه. لماذا؟ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، يعني ما عمل في هذه الدنيا. قال: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾، سيجد سعيه في يوم القيامة. قال: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث». هذه الثلاث يستمر أجرها ونفعها لصاحبها، ولو كان في تعداد الأموات، ولو كان من أهل المقابر. لماذا؟ لأنها من كسبه، ولأنها من سعيه، ولا زال الناس ينتفعون بها. قال: «من صدقة جارية». صدقة جارية، لا زال الناس ينتفعون بها. بنى مسجداً، بنى مسجداً، بنى مسجداً، أو بنى مدرسة، لربما كانت لتحفيظ القرآن أو لتعلم العلم النافع أو غير ذلك مما ينتفع به الناس، أو عمل سقاية، أو طبع كتب العلم، وهكذا المصاحف وغير ذلك. هذه صدقة جارية يا عبد الله، لربما تموت يوم تموت، ولا زال الناس ينتفعون بهذا أو بهذه الصدقة. قال: «أو علم ينتفع به». علم تعلمه الناس، فلا زال الناس ينتفعون بهذا العلم. ألا ترى يا عبد الله أن الناس لا زال يذكرون الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد، وهكذا عائشة وحفصة وأم سلمة، وهكذا أبو هريرة وابن عمر وأبو سعيد وغيرهم من الصحابة. يذكرون ابن المسيب وابن جبير، يذكرون الشعبي ومسروق، وهكذا يذكرون الشافعي وأحمد وأبا حنيفة ومالك، يذكرون سفيان الثوري وابن عيينة، يذكرون شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وهكذا غيرهم من أئمة الإسلام. فهذا من العلم النافع الذي لا زال الناس ينتفعون به. أين البخاري؟ مات قبل ما يزيد على نحو من اثني عشر قرناً، مات البخاري ولا زال الناس يقرؤون صحيحه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى، قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهكذا غيرهم من أئمة الإسلام وأعلام هذا الدين. قال: «أو ولد صالح يدعو له». الولد نعمة، ولا سيما إذا كان صالحاً. أنت إذا مت يدعو لك ويستغفر لك، يقول: رب ارحمهما كما ربياني صغيراً، يدعو لك ويتصدق لك، فتنال خيره يا عبد الله. هذا الولد الصالح الذي تعبت فيه، فنشأته على الخير، على الطاعة، على الصلاة، على القرآن، على العبادة. أما إذا كان ليس صالحاً، فالبضاعة مزجاة، والنفع غير متوقع من مثل هذا الولد. ماذا تتوقع يا عبد الله من ولد مضيع للصلوات؟ ماذا تتوقع من ولد قد أشغف بشرب السجائر ومضغ القات؟ ماذا تتوقع يا عبد الله من ولد نشأ على محبة التمثيليات ومتابعة المسلسلات ومشاهدة الأفلام والمباريات وغير ذلك؟ ما قام بنفسه، فضلاً عن أن يدعو لك، وأن يستغفر لك، وأن يتصدق عنك يا عبد الله. قال: «ولد صالح يدعو له». ثم كذلك أيضاً يا عباد الله، العمل الصالح هذا سبب للخاتمة الحسنة، لأن يختم لك بخير. فقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما في حديثي ثوبان عند الإمام مسلم رحمه الله: «يبعث كل عبد على ما مات عليه». يبعث كل عبد على ما مات عليه. فاهتمامك ومبادرتك ومسارعتك للعمل الصالح سبب للخاتمة الحسنة. لربما يا عبد الله يختم لك بصلاة، تموت وأنت تصلي، أو تموت وأنت صائم، أو تموت وأنت في حج أو عمرة، أو غير ذلك يا عباد الله. يبعث العبد على ما مات عليه. ولهذا ذلكم الرجل كما في حديث ابن عباس في الصحيحين، الذي مات محرماً، كان على ناقته فسقط عليها، أو فسقط، فماذا؟ كسر عنقه فمات، رضي الله تعالى عنه. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يغسلوه، وأن يكفنوه في ثوبيه، وأن لا يخمروا رأسه. قال: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً». هذه الخاتمة الحسنة يا عباد الله. لهذا العبد يسأل الله حسن الختام، ويستعيذ بالله من الخاتمة السيئة. كيف حالك هذا العبد إذا جاءه الموت وهو سكران، أو جاءه الموت والقات في فمه يمضغه ويلوكه؟ كيف إذا جاءه الموت وهو يلعب الضمنة أو الكيرم؟ أو جاءه الموت وهو منهمك في متابعة الأفلام والمسلسلات والمباريات؟ كيف يبعث يا عباد الله يوم القيامة؟ كيف حال هذا العبد إذا قام من قبره؟ الخاتمة الحسنة لا بد أن نعمل لها يا عباد الله أعمالاً حتى نوفق لها ونوفق إليها. ثم علينا أن نعلم يا عباد الله أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان من أكثر الناس طاعة، ومن أشدهم مبادرة ومسارعة ومسابقة إلى فعل الخيرات. كان عليه الصلاة والسلام يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع أنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، ومع أنه عليه الصلاة والسلام صاحب الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى، مع أنه عليه الصلاة والسلام أول من يستفتح باب الجنة، يأتي باب الجنة فيستأذن، فيقول الملك: من؟ فيقول: محمد، فيقول الملك: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك، فيدخل عليه الصلاة والسلام، ثم يشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة بعده، عليه الصلاة والسلام. ومع هذا تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، أي تتورم، ولربما تتشقق، يقوم مصلياً، فتقول له: يا رسول الله، تصنع كل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟». النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه أن يكونوا من المسارعين، من المسابقين، من المبادرين إلى فعل الطاعات وإلى فعل الخيرات. فمن ذلكم يا عباد الله ما جاء في الصحيحين من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، يوم أحد، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت حتى قتلت فأين أنا؟ قال: «أنت في الجنة». قال: فألقى الرجل بثمرات كن في يده، ألقى بهذه الثمرات التي كن في يده، قال: ثم قاتل حتى قتل. منتظر يا عباد الله حتى يأكل التمرات؟ يريد الجنة، لا تؤخره هذه التمرات عن جنة عرضها السماوات والأرض. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في إحدى الغزوات: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». وهكذا جاء في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة، يعني الآية التي فيها حث على الصدقة، قال: كنا نحامل على ظهورنا، يعني كان الواحد منهم الذي ليس عنده مال يتصدق به، كان يكري ظهره، يحمل أمتعة الناس على ظهره، فإذا أعطي أجره قام وتصدق بهذه الأجرة وبهذا المال. قال: كنا نحامل على ظهورنا. قال: فجاء رجل بمال كثير، فقال بعضهم، يعني المنافقون: هذا مراء. وجاء رجل بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا. فأنزل الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ الآية. وهكذا أيضاً من هذه الأمثلة والنماذج ما جاء عند الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، والأمثلة كثيرة والنماذج عظيمة التي فيها حث على المسابقة وعلى المبادرة وعلى استغلال هذه الأعمار في طاعة الله عز وجل. وكما تعلمون أن هذه المحاضرة مشتركة، فعندنا أخونا الفاضل أبو عبد الرحمن فهد السليماني حفظه الله تعالى، فإن شاء الله عز وجل نحب أن نسمع إليه وإلى ما يلقيه، ويفتح الله عليه، وإن شاء الله عز وجل يكمل، حفظه الله تعالى، ونفعنا بما سيلقي علينا بعد الأذان، إن شاء الله عز وجل. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا المجلس من مجالس الذكر، نسمع فيه قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهكذا بحمد الله جل وعلا، مجالس أهل السنة والجماعة يدعون الناس من كتاب الله جل وعلا إلى كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذه نعمة عظيمة ومنة كبرى لمن تفطن لها، لمن تفطن لها، ولمن شكر الله جل وعلا عليها. ثم كذلك نشكر أخانا الفاضل أبا عبد الله على ما أبدأ وأظهر وتكلم وبين في هذه الكلمة المباركة، والذي جعل بين يديها التذكير بفضل مجالس الذكر، ثم انتقل إلى موضوع المحاضرة وهو المسارعة إلى الخيرات والمسابقة إليها. وقد سمعنا بحمد الله جل وعلا خيراً كثيراً، أدلة وكلام، كما سمعنا قال الله وقال رسوله، وكما سمعنا أيضاً حصل من فلان من السلف

شاركنا على