الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مصطلحات التوثيق العامة كقولهم «ثقة ثقة» ودلالته على المبالغة في الثناء، ويبين أن وصف الراوي بـ«حافظ ضابط» أو «كأنه مصحف» لا يكفي للتوثيق إلا إذا اقترن بالعدالة، مستشهداً برواة كانوا حفاظاً متقنين لكن سلبوا العدالة كابن داود الشاذكوني ومحمد بن حميد الرازي.
يشرح المقطع الفروق الدقيقة بين مصطلحات التعديل مثل «حجة»، «ثقة»، «صدوق»، و«مقارب الحديث»، مستعرضًا أقوال الأئمة كابن معين وأبي داود وابن مهدي وابن الصلاح في تحديد دلالات كل لفظ. ويبين أن «الحجة» أعلى مراتب التوثيق، و«الثقة» دونها، و«الصدوق» أقل منهما، مع التنبيه إلى أن إطلاق هذه الألفاظ قد يختلف باختلاف علماء الجرح والتعديل وسياق كلامهم.
يشرح المقطع دلالات ألفاظ التعديل مثل «مقارب الحديث» والفرق بين الكسر والفتح، و«ثبت» كمرتبة تشعر بالحفظ والإتقان، و«لا بأس به» و«ليس به بأس» في مرتبة الصدوق، و«صالح» و«صالح الحديث» والفرق بينهما، وأخيرًا لفظ «شيخ» وما يفيده من كونه راويًا معروفًا لكن ليس بحافظ.
يوضح الذهبي أن وصف أبي حاتم للراوي بـ«شيخ» ليس جرحاً ولا توثيقاً قاطعاً، بل يدل على ضعف الحجة، إذ استخدمها أيضاً للمجهولين ولعلماء غير متقنين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلاة السلام على رسولنا. ما بعد: سأذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعض المصطلحات، أو أن العلماء مصطلحات عامة ومصطلحات خاصة. فذكر مسألة «ثقة»، فالأصل فيها أنه العدل الضابط، لكن قد تطلق على غير هذا الاصطلاح. وذكر المؤلف رحمه الله بعض هذه الاصطلاحات وأسبابها. ثم قال: ثانيًا: «ثقة ثقة». أولًا: هذا من المصطلحات العامة في التوثيق. قال السخاوي: «التأكيد بالحصر بالتكرار فيه زيادة على الكلام الخالي منه». وعلى هذا فما زاد على مرتين مثلًا يكون أعلى منها، كقول ابن سعد في شعبة: «ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث». يعني: إذا كانت في نفس المنوال، يعني ليس المراد أن تكرر مثلًا الكلمات، يدل على ذلك إذا كانت في نفس المعنى أو زيادة عليه. أما لو قال مثلًا: «صدوق صاحب حديث وقليل الحديث»، هذا ما يدل على الزيادة في التثبت أو في زيادة في الثناء عليه. لكن هذا: «ثقة مأمون ثبت حجة»، هذه كلها أيضًا صاحب حديث، أي يعرف الحديث. قالوا: أكثر ما وقفنا عليه من ذلك قول ابن عين: «حدثنا عمر بن دينار، وكان ثقة ثقة» بتسع مرات، وكأنه سكت لانقطاع نفسه، معنى أنه كان قليل الخطا جدًا، لهذا قال: «يا سفيان، ابن عين ثقة ثقة ثقة» إلى تسع مرات. ولهذا يقول أيضًا: «شعبة: ما رأيتم مثل عمر بن دينار في تاديته الحديث». قال أيضًا: الثالث: «كأنه مصحف»، كناية عن الحفظ والانتقان: «حافظ وضابط»، وهما لا يكفيان في التوثيق إذا لم يكونا مقرونين بلفظ «عدل»؛ لأن الحفظ والضبط قد يوجدان مع عدم العدالة، وقد توجد العدالة بدونهما، وقد تقترن بهما، وهذا كثير في الرواة. فمن أمثلة هؤلاء: الشاذكوني، حافظ كبير، يقارن بأحمد وبغيره من الحفاظ، لكنه ليس بعدل، حتى اتهم بالكذب. كذلك محمد بن حميد الرازي، حافظ كبير، لكنه أيضًا ابتلي بشهوة الحديث، معنى يأخذ كتب الناس ويحدث بها، وهذا معنى ابتلي بشهوة الحديث حتى أردته إلى مثل هذه الأمور. كذلك الجعابي، كذلك ابن عصيدة، كذلك يحيى الحماني. كثير من هؤلاء حفاظ قد بلغوا القمة في الحفظ، لكنهم سلبوا العدالة. قال: «من أمثلة ذلك أن أبا سليمان بن داود الشاذكوني من حفاظ الكبار، إلا أنه كان يتهب بشرب النبيذ وبالوضع، حتى قال البخاري: هو أضعف عندي من كل ضعيف». بل ليس النبيذ فقط، بل كان يشرب الخمر. يعني: ليس النبيذ على رأي أهل الكوفة، إذا كان على رأي الكوفة هذا قد عذر الناس، أهل الكوفة كان وكيع يشرب، يعني ما من أحد من أهل الكوفة كان يشرب إلا القليل، كسفيان الثوري وعبد الله وعبد الله بن إدريس وهؤلاء، وإلا أكثرهم، حتى وكيع، وكيع كان حافظًا كبيرًا إلا أنه يشرب النبيذ على رأي أهل الكوفة. أي: النبيذ الذي تغير عما كان عليه النبيذ، النبيذ جائز. لكن المراد بالنبيذ الذي تغير، وإن قلت: حنفيًا، قالوا بإباحة الطلاء، وهو الشراب المحرم، يسمونه الطلاء لنبيذ الشعير؛ لأنهم الحنفية ما كانوا يرون النبيذ المحرم إلا إذا كان من تمر أو من عنب، ولا يرونه مسكرًا إلا إذا أسكر. أنا إذا كان حتى مثلًا إذا كان نبيذ شعير لا يرون أنه مسكرًا إلا إذا أسكر، إذا أسكر فهو مسكر، وهذا غير صحيح. أنا آخذ لك شوطًا فيه. طيب، قال: لكن قال ابن الصلاح: «لما ذكر الفاض المرتبة الأولى من التعديل، وكذا إذا قيل في العدل إنه حافظ وضابط، ومراده أن اللفظين حينئذ قد أطلقا في حق معلوم العدالة، هذا لا بأس إذا كان أطلقت على معلوم العدالة، ما في شيء». وأحيانًا يطلقها بعضهم أيضًا، يقول: «هذا فلان حافظ»، أي: مع عدالته، بدون ما يذكر العدالة، لكنها تأخذ من معنى الكلام؛ لأنه إذا كان فيه جرح لبينه. ولهذا تجد مثلًا يقولون: بعضهم يقول: «ما رأيت أحفظ من الشاذكوني»، يذكرون حفظه فقط. وقال السخاوي: «الظاهر أن مجرد الوصف بالإتقان كذلك، قياسًا على الضبط، إذ هما متقاربان، لا يزيد الإتقان على الضبط سوى إشعاري بمزيد الضبط»، أنا لا يدخل في العدالة. وقوله: «حجة»، وهو أقوى من «ثقة»، وما يدل على ذلك أن الآجري سأل أبا داود عن سليمان بن بنت شرحبيل، قال: «ثقة كما يخطئ الناس». قال الآجري: «قلت: هو حجة؟» قال: «الحجة أحمد بن حنبل»، أنا هو لا حجة. قال: قول عثمان، وهذا أيضًا مثل قول شعبة: «لو أردتم... لو أردت لو كنت أحدث معنا... لو حدثت عن ثقة لما حدثت إلا عن بعض هذه الشيعة معنا». يقول: «لو أردت أن أحدثكم عن ثقة ما حدثتكم إلا عن بعض هذه الشيعة معنا»، يريد الأعمش ويحيى بن سعيد القطان لأنهم معنا كانوا على التشيع، معنا يريد أنه ما حدثتكم إلا عن أناس قليل كانوا على الثقة. ولهذا أيضًا قال عبد الرحمن بن مهدي: «الثقة شعبة». وهذا أيضًا قول أبي داود: «الحجة أحمد بن حنبل». قال: وقول عثمان بن أبي شيبة في أحمد بن عبد الله بن يونس: «ثقة وليس بحجة». وهذا كلام باطل، معنا أقصد معنا كلام ما يقبل من عثمان. أحمد بن عبد الله بن يونس الأربوعي معنا رجل حافظ كبير، وأما عثمان لو أن المؤلف لم يذكر هذا لكان أفضل؛ لأن عثمان بن أبي شيبة يشدد في كلامه. ولهذا قال أبو حاتم: «علي بن المديني قال في عثمان وعفان: ومن ذا الذي رضي عنه؟» معنا ما يرضون عن أحد. لأن بعض العلماء الآن يذكر قوله: «ليس بحجة»، يريد إيش؟ لا، معناه أحيانًا يريد: لا يحتج به، لا يحتج به حديثه إذا فرد. لهذا يقولون: «ليس بحجة»، والمراد أن بعضهم يرى حجة، مثل ما قال: «الحجة أحمد بن حنبل»، أي أن الحجة هنا: من كان إمامًا حافظًا كبيرًا لا يسأل بعده إذا حدث، ولا يشك في حديثه، إن كان من هذا القبيل لا بأس. لكن غالبًا من يقول: «ليس بحجة»، معناه أنه لا يحتج بحديثه إذا فرد؛ لأنه في حفظه شيء. قال: قول ابن معين في محمد بن مسعر: «ثقة وليس بحجة». قال: كلمة «صدوق»، وصف بالصدق على طريق المبالغة، وهو دون «ثقة». قال ابن الصلاح: «ومشهورًا عن عبد الرحمن بن مهدي القدوة في هذا الشأن أنه حدث فقال: حدثنا أبو خلدة، أنا خالد بن دينار، فقيل له: كان ثقة؟ قال: كان صدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خيرًا، وفي رواية: كان خيارًا، الثقة شعبة وسفيان». قال: فوصف ابن مهدي أبا خلدة بما يقتضي القبول، ثم ذكر أن هذا اللفظ «ثقة» يقال لمثل شعبة وسفيان، فدل على التفريق بين «الصدوق» و«الثقة». فالصدوق كلمة أقل من الثقة. لكن قد تجد بعض العلماء يطلقها على من كان ثقة أو من كان حافظًا، مثل أبي حاتم مثلًا أطلقها على مسلم بن الحجاج، فقال: «صدوق»، ومسلم حافظ كبير. هل المعنى أراد ينتقص مثلًا مثل أبي حاتم مسلم لما حصل بينهم، بين الذهلي والبخاري وغيره؟ الظاهر ليس كذلك؛ لأن الإمام مسلم قد عرض كتابه عليهم، فالظاهر أنه أراد أن هذا اللفظ «صدوق» أي: مبالغة في الصدق، مبالغة في الصدق. قال: قوله: «مقارب الحديث»، معنا بالكسر، وتقال أيضًا بالفتح. «مقارب» اسم فاعل، أي: حديث مقارب. قال السابع: «محل الصدق»، نفض يدل على أن صاحبه محله مرتبته مطلق الصدق. لكن تجد أن هذه غالبًا ما يطلقون عليها إلا إذا شكوا في حفظه، إذا شكوا في حفظه أو تكلموا في حفظه يقولون: «محل الصدق»، فلهذا تأتي «محل الصدق» بعد «الصدوق». قال: «مقارب الحديث» بالكسر اسم فاعل، أي: حديث مقارب لحديث غيره من الثقات. وبفتح «مقارب» اسم مفعول، أي: حديث يقاربه حديث غيره. وبعض العلماء كالبلقيني جعل الأولى تعديلًا، وجعل الثانية جرحًا، فرق بين الأولى والثانية، جعل الأولى: «مقارب» أي: حديث يقارب حديث الثقات، و«مقارب» أي: أن حديثه يقاربه الناس وهم الضعفاء. قال: والمراد يقارب الناس في حديث ويقاربونه، أي ليس حديثه بشاذ ولا منكر. ومن ذلك ما رواه الترمذي قال: إسماعيل بن رافع، قد ضعفه بعض أصحاب الحديث، وسمعت محمدًا يعني البخاري يقول: «هو ثقة، مقارب الحديث» أو «مقارب»، يعني يقارب حديثه الثقات. والذي فرق بينهما هو البلقيني كما ذكر الحافظ ابن حجر، فرق بين الكسر والفتح. لكن كلام ابن الصلاح يدل على أن الكسر والفتح كليهما بمعنى الثقة، كليهما بمعنى الثقة. قال: التاسع: «ثبت»، سكون موحدة. «الثابت»: الثابت القلب واللسان والكتاب والحجة. أنا يقال: «فلان ثبت»، أي: ثقة، وهي تقارب الثقة، ولهذا يكررون الثقة بالثبت: «ثقة ثبت»، لكن فيها شيء مشعر بالحفظ، يشعر بكثرة الحفظ أو بضبطه بإتقانه، أنا يتثبت في روايته. قال: العاشر: «لا بأس به» أو «ليس به بأس»، لفظان في مرتبة «الصدوق». قال الصنعاني: «فإن قيل إنه ينبغي أن يكون "لا بأس به" أبلغ من "ليس به بأس" لأصالة لا في النفي أو لعراقة لا في النفي». أنا «لا بأس به» معنى أنه أبلغ أو معنى من ناحية التعديد. قال: ويجاب بأن في العبارة الأخرى قوة من حيث قوة النكرة في سياق النفي، فساوت الأولى في الجملة. ولهذا غالبًا ما يفرقون بينها: «لا بأس به» و«ليس به بأس». لكن يفرقون بين «ليس بالقوي» و«ليس بقوي»: أنا «ليس بالقوي» أي: ما عنده كمال القوة، و«ليس بقوي» معنى أنه ليس عنده قوة، فهي أبلغ من الأولى في التضعيف. وقال العراقي: «أرجو أنه لا بأس به»، نظير ما أعلم به بأس، والأولى أرفع؛ لأنه لا يلزم من عدم العلم حصول الرجاء بذلك. قال: «صالح» و«صالح الحديث». أنا إن شاء الله ننتهي في المصطلحات العامة. ذكر ابن حجر أن عادت الأئمة إطلاق «الصلاحية» حيث يريدون بها الديانة، أما حيث يريد بها الصلاحية في الحديث فيقيدونها به، معنى: «صالح الحديث»، وإلا غالب «صالح» معنى: الرجل صالح، معنى فيه صلاح. قال: «إلى الصدق»، ما هو؟ أي أنه ليس ببعيد عن الصدق. قال: شيخ في المرتبة الثالثة من التعديل عند ابن أبي حاتم، يكتب حديثه وينظر فيه. سيأتي إن شاء الله تعالى مراتب الجرح والتعديل عند العلماء. قال أبو حازم القطان: قوله: «أبو حاتم قد سئل عنه يعني عبد الحميد بن محمود، شيخ»، هذا ليس بتضعيف، وإنما هو إخبار بأنه ليس من أعلام أهل العلم، وإنما هو شيخ وقعت له روايات وأخذت عنه. الغالب أن كلمة «شيخ» هي تعتبر من التعديل، لكن استعملها أبو حاتم نفسه في غير التعديل، أن يستعملها في المجاهيل، يقول: «هذا شيخ»، وكأنه شيخ عرف عنه العلم، لكنه لم يعرف بالتثبت في الحديث ولم تعرف بالحدقان في الحديث، فهو شيخ علم. ويطلق أيضًا العلماء «الشيوخ»، مرتبة الشيوخ، يريدون به أنه ليس بحافظ، ولهذا يقولون مثلًا: «أبان بن يزيد العطار شيخ في قتادة وفي يحيى بن أبي كثير»، فالمراد بالشيخ أنه ليس بحافظ، ليس من حفاظ أصحاب قتادة، وإنما من طبقة الشيوخ. لكن قال الحافظ الذهبي: قوله يعني أبا حاتم: «شيخ»، ليس هو عبارة جرح، ولكن أيضًا ما هي عبارة توثيق، وبالاستقراء يلوح لك أنه ليس بحجة. وكما قلنا أن أبا حاتم أطلق هذه الكلمة أيضًا حتى على المجاهيل، وأطلق كذلك على من هم من أهل العلم الذين ليس عندهم إتقان.