الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 72، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض هذا المحور تقسيم عبارات الجرح والتعديل إلى ألفاظ وحركات، مبيناً الفروق بين المصطلحات العامة والخاصة بأئمة معينين. كما يوضح دلالات الألفاظ المركبة مثل «ثقة ضعيف» وعبارات الجرح الشديدة ك«فيه نظر» عند البخاري.
يناقش المحور تمييز النقاد بين ضعف العدالة وضعف الضبط في الرواة، مبيناً غموض بعض ألفاظ الجرح والتعديل. ويوضح معنى كلمة «ثقة» عند الأئمة كابن معين حيث تُراد بها الاستقامة والعدالة لا الضبط بالضرورة.
يبيّن المحور منهج ابن حبان في التوثيق والتشديد، حيث يتشدد فيمن في روايته نكارة ويتساهل في توثيق المجهولين الواردين في كتب البخاري وابن أبي حاتم. ويقارن هذا المنهج بمنهج العجلي وابن المديني وأحمد بن حنبل في شروط التوثيق.
ينقل المحور أقوال النقاد في توثيق الرواة وتجهيلهم، مستعرضاً قول ابن المديني في راوٍ بأنه مجهول أو لا يعرفه. ويشير إلى موقف الإمام أحمد بن حنبل في التثبت وعدم إطلاق الأحكام على الرواة المجهولين جزافاً.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد، قال: الباب الثالث من عبارات الجرح والتعديل، وفيه فصلان: الفصل الأول: معاني بعض عبارات الجرح والتعديل، والفصل الثاني: مراتب الجرح والتعديل. إن بعض المعاني التي جاءت عن السلف أو عن أهل الحديث، أئمة الجرح والتعديل، قد ألف فيها اللكنوي؛ ألف كتاب «رفع التكميل بمعاني الجرح والتعديل». وأيضاً أبو الحسن المصري ألف في هذا كتاب «شفاء العليم بألفاظ الجرح والتعديل». وذكر بعض العلماء - كالعراقي وغيره - بعض هذا. أيضاً ابن الصلاح ذكر بعض المعاني، وأطال العراقي أيضاً في ذكرها. طيب. قال: تقسيم عبارات الجرح والتعديل. ذكر هذه الشجرة، وسيفصل في الكلام. قال: الفصل الأول: معاني بعض عبارات الجرح والتعديل. سلك أئمة الجرح والتعديل منهجين في الدلالة على جرح الرواة وتوثيقهم: هما الألفاظ والحركات. أولاً: الألفاظ. ألفاظ الجرح والتعديل: منها ألفاظ مشهورة متداولة كثيرة الاستعمال، ومنها ما هو قليل الورود. إن هناك ألفاظاً مستعملة: ثقة، مثلاً، ضعيف. هذه الألفاظ مستعملة دائماً. لكن هناك ألفاظ قليلة الورود، وهذا الذي يستفصل عن معناه بعض الأئمة، يبين معناه في بعض كتبه، وبعضهم لا يبين معناه، لكن يستقرئ العلماء كلامه في هذا. مثلاً قول البخاري: «فيه نظر». فـ«فيه نظر» عند البخاري، غالباً يُعرف بالاستقراء أن «فيه نظر» هذه كلمة جرح شديد. وإلا فالأصل أن «فيه نظر» هذا جرح ليس شديداً، وسيذكره إن شاء الله تعالى في المصطلحات الخاصة. قال: فالألفاظ المتداولة بكثرة، منها ما هو مصطلح عام، وبعضها مصطلحات خاصة ببعض الأئمة. ليس ما هو مصطلح عام كل واحد يذكره، بل هناك مصطلحات خاصة ببعض الأئمة ذكروها في كتبهم. مثلاً: «شيخ» عند أبي حاتم، و«مقبول» عند الحافظ ابن حجر. فهذه المصطلحات اختص بها بعض الأئمة، سيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها. قال: فمن المصطلحات العامة في التوثيق بالألفاظ: ثقة. قال: وهو العدل الضابط. هذا هو الإطلاق المشهور. إن هذا الذي تعارف عليه العلماء: عندما يقال ثقة، فهو العدل الضابط. لكن استعملت هذه الكلمة في غير هذا، قالوا: قد تطلق صفة الثقة على من كان مقبولاً ولو لم يكن ضابطاً. ولهذا بعضهم يقول: ثقة ضعيف، معنى يجمع بين الثقة والضعيف. وهذا يوجد في بعض كلمات الأئمة، كيعقوب بن شيبة وغيره، يذكر أنه ثقة في الحديث وهو ضعيف. كيف ضعيف؟ المراد به: ضعيف في الحفظ، والثقة المراد به هنا العدالة، المراد به ما يتعلق بالعدالة: هو عدل، لكن حفظه ضعيف. فيعبر بعض العلماء بهذا، وبعضهم - وغالب العلماء - يعبر بأن الثقة هو العدل الضابط. وإذا أراد أن يلين، يقول: لين الحديث، أو ضعيف الحديث، ما يفرقون بين العدالة والضبط. فغالباً ما يميزون: هل ضعفه من العدالة أو من الضبط؟ وحيان يميز، مثلاً يقول: سوء الحفظ، مغفل، أوهامه كثيرة، وكذا فاحش الغلط. هذا يبين أنه من الضبط. أو كذاب، فاسق، وغيره، هذا يتبين أنه من العدل. لكن بعض الألفاظ تجد أنه لا يتبين: هل أراد العدل أو الضبط؟ وبعض الألفاظ يعرف أنه أراد العدالة ولم يرد الضبط. قال: وقد يراد بها الاستقامة، ما بلغ الموثق من حديث الراوي، لا الحكم على الراوي نفسه، لأنه في نفسه بتلك المنزلة. إن يقول: فلان ثقة، ولا يقصد الثقة هنا أنه ضابط في الحديث، لا يقصد العدالة، يقصد العدالة. ولهذا بعضهم يقول: فلان ثقة، رأيته يفعل كذا وكذا. إن يستدل بشيء على عدالته، يستدل بشيء على عدالته أو علمه، ولا يستدل على ضبطه، كيف هو في الضبط. ولهذا قد يراد بها الاستقامة. قال: لهم ما يدل على ورود كلمة ثقة على غير المعنى المشهور، أمران ذكرهما الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلم رحمه الله، وهما: الأول: أن جماعة - ما يجمعون بينها وبين الضعيف، أو بينها وبين التضعيف. وهذا كما قلنا حاصل عند يعقوب بن شيبة، يجمع بين الثقة والضعيف معاً: كلمة الثقة وكلمة الضعيف. وهذا يدل على أنه تقي في دينه، ضعيف في حفظه. الثاني: أن أئمة الحديث لم يقتصروا على الكلام في من طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحد في من لقيه مرة واحدة، وسمع منه مجلساً واحداً أو حديثاً واحداً، وفي من عاصره ولم يلقه، ولكنه بلغه شيء من حديثه. معنا: بعضهم يطلق، يقول: ثقة. لكن بعضهم - كمحمد بن معين وغيره - كان يقول: والله لا أعلم، يقول: ما أعلم إلا خيراً. ما أعلم إلا خيراً. وهذه كلمة عظيمة: معنا ما أعلم فيه شيء أتكلم عليه، أو أضعفه، أو آخذ عليه. ما أعلم إلا خيراً. وهذا غالباً يريد العدالة، يريد العدالة في الدين، ولا يريد الضبط. طيب. قال: قاله فيمن عاصره ولم يلقه، ولكنه بلغه شيء من الحديث. وفي من كان قبله بمدة قد تبلغ، قد تبلغ مئات السنين، إذا بلغه شيء من حديثه. ومنهم من يجاوز ذلك. معنا: بعضهم يوثق من كان من التابعين، إذا بلغه أن حديثه مستقيماً، لما قلنا. هذه القاعدة ذكرها الإمام المعلمي عن ابن معين، وعن ابن سعد، وعن العجلي، وابن حبان، وأيضاً حتى النسائي. يقولون: إن معناه يأخذون بهذه القاعدة: أن من كان من كبار التابعين، وإن لم يوثق، لكن وجدوا حديثه مستقيماً، وثقوه. أحياناً يتكلم الإنسان على رجل قد مات من آلاف السنين، أو أقصد: من مئات السنين. كما قال سفيان... أو يحيى بن معين أقصد، قال: «إنا لنتكلم على أناس قد وضعوا رحالهم في الجنة». قال: «إنا لنتكلم على أناس قد وضعوا رحالهم في الجنة». فقرأ بعض العلماء هذه على عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، ابن أبي حاتم. فقرأت عليه هذا قول ابن معين: «إنا لنتكلم على أناس قد وضعوا رحالهم في الجنة»، فبكى بكاءً شديداً، حتى لم يستطع أن يدرس في ذلك اليوم، ما استطاع أن يحدث الناس، لما سمع هذا أو هذا الكلام. وهذا صحيح، وهم كذلك، لكنهم ليسوا لأجل الهوى، أو لأجل أنهم يتكلمون في الناس، وإنما لأجل الدين، ولأجل حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى يؤخذ عن الثقات. قال: فابن حبان قد يذكر في الثقات من يجد اسمه في تاريخ البخاري من القدماء، وإن لم يعرف ما روى، وعن من روى، ومن روى عنه. ولكن ابن حبان يتشدد، وربما تعنت في من وجد في روايته ما استنكره، وإن كان الرجل معروفاً مكثراً. ولهذا بعضهم يستغرب، يقال: كيف ابن حبان متشدد ومتساهل في نفس الوقت؟ متساهل في المجهولين، ومتشدد في من وجد في حديثه شيء من النكارة. إذا وجد في حديث الراوي شيء من النكارة، تجده يشدد في العبارة. وأما إذا لم يجد شيء من النكارة في حديثه، فتجد يوثقه، حتى لو لم يعرف عمن رواه، أو أحياناً يقول: لا أعرفه ولا أعرف أباه، وتجد أنه يضعه في الثقات. فعنده كأنها قاعدة: من ذكره ابن أبي حاتم والبخاري في كتبهم، ولم يذكروا عنه شيئاً، فإنه يوثقه؛ لأن الأصل في الناس عنده العدالة، الأصل في المسلمين عنده العدالة. وهذا لم يوافق عليه. قالوا: العجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، لكن العجلي يختص بالتابعين. ما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغ... لم يبلغ عنهم إلا حديث، عنه إلا حديث واحد. معنا: يوثقونه لأجل استقامة حديثه. إما أن يكون الحديث له شواهد، ليس حديث منكر، بل قد روى عنه... روى عن هذا الصحابي أكثر من واحد هذا الحديث، أو الحديث نفسه قد جاء عن جماعة من الصحابة، وعن صحابي آخر. قالوا: لا، بل من لا يوثق من تقدمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، وتكثر، حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكاً لذلك الراوي. وهذا تجده في فعل ابن المديني وأحمد. ولهذا دائماً ابن المديني يقول: لا أعرف فلان، أو هذا مجهول، وتجد أنه يوثقه ابن معين وغيره. وابن المديني يقول: مجهول، أو لا أعرفه. أيضاً الإمام أحمد، كما قلنا، لا يقول مثلاً: إنه إذا لم