الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الإمام البخاري عن شقيق بن سلمة أن عبد الله بن مسعود خطب مؤكداً أخذه بضعاً وسبعين سورة من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الصحابة يعلمون فضله دون ادعاء الأفضلية، وجاء ذلك رداً على من ينتقص الصحابة وتبريراً لاعتراضه على إلزام عثمان بقراءة زيد بن ثابت وحدها.
رفض ابن مسعود التخلي عن قراءته المأخوذة مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر عثمان بالقراءة بقراءة زيد بن ثابت، مؤكداً أنه من أعلم الصحابة بالقرآن حيث أخذ سبعين سورة من في النبي، ولم يعترض الصحابة على قوله.
يُبرز المقطع مكانة ابن مسعود كأحد أعلم الصحابة بالقرآن وألصقهم بالنبي ﷺ، حيث شهد له عمر بالأحقية في إملاء المصاحف، وروى مسروق كثرة دخوله على النبي حتى ظن أنه من أهله. كما أسلم صغيراً فدعا له النبي: «إنك غلام معلم»، فاستجاب الله دعاءه وصار من أفضل الصحابة وأعلمهم بالقرآن والسنة، وأجمع الناس على فضله وعلمه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله في باب القُراء من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: قال حدثنا عمر بن حفص، وعلي في الحديث الأول حفص بن عمر، وهذا عمر بن حفص وليس بينهم علاقة، وحفص بن عمر هو الحوضي بصري، وهذا عمر بن حفص بن غياث وهو كوفي. قال حدثنا أبي وهو حفص بن غياث قاضي الكوفة، وقد وُفِّق في القضاء بشهادة أبي يوسف القاضي. قال حدثنا الأعمش وهو سليمان بن مهران، وهو مُصْحَف أهل الكوفة، كان يَنْقُب بالمصحف لكثرة حفظه وقوة حفظه. قال حدثنا شقيق بن سلمة وهو أبو وائل، شقيق بن سلمة ثَقَفي، أبو وائل الكوفي مشهور بكنيته، وكذلك أكثر شهرته بكنيته. قال: خطبنا عبد الله بن مسعود، فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت راداً يقول غير ذلك. وهذه قالها عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ليس تزلفاً ولا أيضاً افتخاراً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قالها رضي الله عنه لأجل أن يعلم من يتنقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أعلم الناس بكتاب الله جل وعلا. وكذلك أيضاً قالها رضي الله عنه لما ألزم عثمان الناس أن يقرأوا قراءة واحدة، فقال: كيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله؟ ولم يكن معارضاً رضي الله عنه، وإنما كان يقول: كيف أقرأ بشيء لم أقرأه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أترك ما أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وجاء في رواية أنه قال: والله لا أدفعه، أنا لا أتركه، لا يريد المصحف، أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو السبب الذي جعله يذكر مثل هذا الكلام، فهذا يدخل في ما ألفه بعض العلماء في سبب الحديث، عما الذي جعل عبد الله بن مسعود يقول هذا؟ هو هذا السبب: لما أمر عثمان أن الناس يقرؤون بقراءة زيد بن ثابت، فقال عبد الله بن مسعود: كيف أترك قراءة أقرأني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أخذتها من في رسول الله كما أخذها زيد بن ثابت؟ فلهذا قال: والله لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله، وقد أخذت بضعاً وسبعين سورة من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في بعض الروايات قال: ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه. وهنا لم ينفِ المساواة، ولهذا قال في هذه الرواية: «ولست بخيرهم»، أنا لست أنا أفضل واحد فيهم، لا، لكن هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هو أعلم بالقرآن، لكن ما أقول أني أفضلهم وأعلمهم، لكن هناك من يساوي عبد الله بن مسعود في القراءة، ولهذا قال: «وما أنا بخيرهم». وهذا قد يكون تواضعاً منه رضي الله تعالى عنه، وإلا فقد شهد له كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن. ولهذا قال شقيق بن سلمة: فجلست في الحلق، أي حلق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما سمعت راداً يقول غير ذلك، يعني لم يسمع من يخالف ابن مسعود في كلامه هذا. ولهذا لما بلَغَ، جاء في رواية مسلم: قال فما سمعت أحداً يرد ذلك ولا يعيبه. وأيضاً جاء في صحيح مسلم أن رجلاً قال: يا أمير المؤمنين عمر، جئت من الكوفة وتركت رجلاً يملي المصاحف عن ظهر غيب، يملي المصاحف عن ظهر غيب. فغضب عمر حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه، فقال: ومن هذا؟ قال: عبد الله بن مسعود. قال: فرأيته هدأ أو سكن، رضي الله تعالى عنهم جميعاً، فقال بعد ذلك: عمر: ما أعلم أحداً أحق بذلك منه، ما أعلم أحداً أحق بذلك منه. فلا شك كما قال عبد الله بن مسعود: والله لقد علم أصحاب رسول الله أني من أعلمهم بكتاب الله. وقد كان من ألصق الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي شهد به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن مسعود كان من ألصق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من غيره، أكثر من أبي هريرة، ومن جابر، ومن عبد الله بن عمر، ومن غيرهم ممن يكثر في الحديث، وكان من ألصق الناس. وكذلك أنس، كان من ألصق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كما قلنا جاء في البخاري عن مسروق قال: ما كنت أظن عبد الله بن مسعود وأمه إلا من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من كثرة ما يدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فكان يلازم النبي عليه الصلاة والسلام ويأخذ منه الحديث ويأخذ منه القرآن، فكان من أعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد قال فيه نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنك غلام معلم»، لما أسلم في ذاك وهو صغير، فقال: «إنك غلام معلم»، فاستجاب الله عز وجل لدعوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فكان عبد الله بن مسعود من أفضل أصحاب رسول الله وعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن، وبأيضاً سنن النبي عليه الصلاة والسلام. فقال شقيق بن سلمة: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت راداً يقول غير ذلك. فهذا ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.