شرح لمعة الاعتقاد 43

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الاحتجاج بالقدر ومسؤولية الإنسان

يناقش مفهوم الاحتجاج بالقدر ويفند استخدامه كحجة لترك أوامر الله، ويبين مسؤولية الإنسان أمام الله بإرسال الرسل وأنزل الكتب. يشرح أن إبليس كان أول من احتج بالقدر.

مدى صحة الاحتجاج بالقدر وتطبيقاته

يتناول مدى صحة الاحتجاج بالقدر وتوضيح أنه ليس دائمًا صحيحًا، ويستخدم غالبًا لتبرير المعاصي. يبين أن أهل السنة يتفقون على الاحتجاج به في المصائب فقط.

الاحتجاج بالقدر في حالات المعاصي والمصائب

يناقش مسألة الاحتجاج بالقدر في المعاصي والمصائب، ويخلص إلى بطلان الاحتجاج به في المعاصي بينما يمكن قبوله في المصائب لأنها من الله.

تحذير من التعلق بالقدر وعفو الله

يُنبّه على خطورة التعلق بالقدر أو عفو الله كعذر للاستمرار في المعاصي، مما يؤدي إلى الهلاك، ويشير إلى تأجيل الحديث عن الاستطاعة لدرس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله، وصحبه، ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن الله علينا الحجة بإنزال الكتب، وبإرسال الرسل. قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. ذكرنا في الدرس الذي مضى قول الجبرية، وقول شعر بالكسب، وهم من الجبرية كذلك. ذكرنا مسألة: هل الإنسان مخير أو مسير؟ وهنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في مسألة الاحتجاج بالقدر. ومسألة الاحتجاج بالقدر لا شك أنها قديمة. أول من احتج بالقدر هو إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فإبليس هو الذي يحتج بالقدر، ويحتج بحجة إبليس. ومن يعمل في هذا الباب، باب القضاء والقدر، يعلم أن الله عز وجل لم يظلم العبد، بل أنعم عليه، ويسر له السبل التي تؤديه للهداية. ومن ذلك أن الله عز وجل أولا خلق العباد على الفطرة. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. فهذا الميثاق هو الفطرة التي خلق الله عز وجل عليها الناس. وأيضا من ما أنعم الله عز وجل على الناس في هذا الباب أنه أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وقام الحج على العباد. ليس لهم حجة أبدا يحتجون بها. لهذا الله عز وجل قطع على المشركين حجتهم عندما قالوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾، قال الله عز وجل: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾. وقال الله عز وجل أيضا في بعثة الرسل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وأيضا كذلك ربنا جل وعلا جعل أسبابا للهداية، جعل دعاة إلى الله، جعل علماء، جعل مساجد، وغيرها مما هي أسباب لهداية العبد. يأتيه من ينصحه، يأتيه من يكلمه، يأتيه من يعظه، يسمع كلام الله، يسمع كلام رسوله. كل هذا حجة، وكل هذا أيضا من الأسباب الميسرة للعبد. أن المحتج بالقدر يحتج بشيء غير مقتنع به، لا في دنياه ولا في نفسه. المراد أن الذي يحتج بالقدر تجد أنه يحتج فقط في المعاصي أو في المخالفات أو في عدم الهداية. يقول: ربي ما هداني. لكن ما يحتج بالقدر في مثلا ما يحصل له من المصائب. أقصد ما يحصل له بينه وبين غيره. مثلا لو أن إنسان ضربه ضربه، واحتج بالقدر. كما قال شيخ الإسلام: لو أن هذا الذي يحتج بالقدر جاءه آخر وضربه في رأسه، وقال له: قدر الله علي أن أضربك في رأسك، فهل سيسلم لهذا؟ ما سيستسلم بهذا، ولا سيقتنع بمثل هذا. العبد يعلم أن هذا الذي ضربه هو الذي ضربه، وعنده مشيئة للفعل أو عنده إرادة للفعل. فلهذا فهو يخاصمه وينازعه. وكذلك أيضا في أمور الدنيا، لو قلت للتاجر: اجلس في بيتك، وسيأتيك الرزق. لماذا تفتح دكاكين؟ لماذا تفتح مشاريع؟ لماذا تعمل؟ اجلس في بيتك ويأتيك. لا شك أنه ما سيسلم لمثل هذا. لكن سبحان الله، تجد من يحتج في القدر. يحتج هذا شيء قدره الله عليه. فلهذا أهل السنة متفقون على أنه لا يحتج بالقدر إلا في المصائب. أما المعاصي والمخالفات، ما يحتج فيها بالقدر. حتى احتجاج آدم على موسى، أو موسى على آدم. قول موسى لآدم: «أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة». فقال له آدم: «أتعيبني على شيء قدره الله علي أو كتبه الله علي؟». ما هو الذي كتبه الله عليه؟ هل هو المعصية؟ لا، وإنما خروجه من الجنة، وهو المصيبة. فيجوز أن الإنسان يحتج بقدر في المصائب؛ لأن المصائب من الله. ﴿وَمَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فالمصائب تكون من الله جل وعلا، ولا شك ليس للعبد دخل فيها. فخلاصة ما يذكر في هذه المسألة أن الاحتجاج بالقدر باطل. وقد احتج به المشركون، ولم يقبل الله عز وجل حجنته. فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا﴾، قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾. ولا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. ما احتج بالقدر أنهم يقولون: لو شاء الله ما أشركنا، وما جعلنا له شريكا، ولا آباؤنا كذلك، ولا حرمنا من شيء. لكن الله عز وجل لم يقبل هذه الحجة منهم. وكذلك أيضا كما قلنا إبليس احتج بهذا، ولم يحتج الأنبياء، ولم يحتج أئمة السلف، ولم يحتج الصالحون بمثل هذه الحجج؛ لأن هذه حجج باطلة. لا يحتج بالقدر إلا مفلس، إلا رجل زائغ. الذي يقول مثلا مثل كثير من الناس: ربي ما هداني، ربي كذا. هذا كلام باطل، ليس له شيء. لهذا وهذا غالبا إما أنه يتمسك بالاحتجاج بالقدر، أو أنه يركن إلى عفو الله ومغفرة ورحمته، فاستزيد من المعاصي، ويهلك نفسه بالمعاصي. ثم ذكر هنا الاستطاعة بالفعل، إن شاء الله تعالى نتركها في درس لاحق. فنكتب بهذا والله تعالى.