شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 5

الدرس في شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 5، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أهمية الأدب وحسن السمت في طلب العلم وخطر الفتوى بغير أهلية

يؤكد المقطع أن طلب العلم يجب أن يقترن بالأدب وحسن السمت، مستشهداً بأقوال السلف والعلماء كالألباني وابن عيينة وابن عثيمين، محذراً من اقتحام الفتوى بلا علم، ومبيناً أن الأدب النافع هو هدي طالب العلم وترك الإكثار من القول الذي يجر إلى الخطأ.

آداب طالب العلم: ترك العبث وكثرة المزاح والتأني في الفتيا

ينصح الخطيب البغدادي طالب العلم بالابتعاد عن اللعب والعبث وكثرة المزاح والضحك، لأن ذلك يضع من قدره ويزيل مروءته، ويؤكد أن كثرة الكلام تورث المقت والزلل، مستشهداً بالقرآن والسنة. كما يحث على التأني في الخوض في المسائل العلمية وعدم الاستعجال بالجواب قبل الإحاطة بها علماً وتدبراً، لئلا يقع في الخطأ الذي يصعب تداركه.

آداب الفتوى وخطر العجلة والرياء فيها

يحذر المقطع طالب العلم من التعجل في الإجابة عن المسائل دون تبصر وإخلاص، مبيناً أن العجلة وحب الظهور يوقعان في الخطأ والخذلان، بينما كان الصحابة يستعظمون الفتوى ويحيلون السائل إلى من هو أعلم، امتثالاً للنهي عن القول على الله بغير علم.

تحذير من الفتوى بغير علم في النوازل ودعاء بحسن الأدب

يحذر المقطع من تسارع غير المؤهلين للفتوى في النوازل، مما يترتب عليه مفاسد عظيمة، ويختتم بالدعاء لله بأن يرزق حسن الأدب ومعرفة القدر، والرحمة للعلماء، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كنا وقفنا عند قوله رحمه الله: «الأدب النافع فالتمس العلم وأجمل في الطلب والعلم لا يحسن إلا بالأدب». وذكرنا أن السلف كانوا يرحلون العام والعامين، كما ذكر الحسن البصري في أدب نفسه، فلابد في العلم من طلب الأدب كما يطلب العلم. ومن مشاهير كلمات محدث العصر الإمام ناصر الدين الألباني أنه كان يقول: «قطعنا شوطا كبيرا في التصفية ونحتاج أن نقطع شوطا مثله في التربية»، وهذا هو معنى البيت: «فالتمس العلم وأجمل في الطلب والعلم لا يحسن إلا بالأدب». ونبهنا على أن كثيرا من الفتن من أسبابها أن أناسا أخذوا العلم وفاتهم من الأدب ما فاتهم، فحصلت شرور عظيمة بسبب عدم أدبهم، نسأل الله العافية والسلام. وذكرنا عن أبي حصين الإمام التابعي عثمان بن حصين الأسدي رحمه الله تعالى قوله: «إن أحدهم ليفتي في المسألة يتكلم فيها على وجه الإفتاء، وهم ليسوا من أهل الفتوى، فلو سألتهم عن صغار المسائل لم يحسنوا جوابها، لكنهم يهجمون على كبار المسائل ونوازل الزمان والعصر فيقتحمونها اقتحاما»، نسأل الله العافية والسلام. «إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر، يجمع لها أهل بدر لينظر الحل في هذه النازلة، يجمع رؤوس الناس»، هكذا كانوا رحمهم الله تعالى وغفر لهم. لهذا يقول ابن عيينة: «أجسر الناس على الفتوى أقلهم علما». سمعت مقطعا للعلامة الفقيه الكبير النحرير محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله، سئل بعد دخول صدام للكويت، فقال: «هذه نازلة لا أستطيع أن أفتي فيها، تحتاج إلى اجتماع كبار العلماء لينظروا الرأي فيها، وأما أنا فلا أقدر على الفتوى فيها»، هكذا بصوته رحمه الله تعالى يتهيب الكلام. وما أسهل الكلام على كثيرا ممن أخذوا في العلم قليلا! لهذا العلم أشبار ثلاثة كما يقولون في كتب آداب الطلب: شبر من دخله تكبر، وشبر من دخله تواضع، وشبر ثالث من دخله علم أنه لا يحسن شيئا. فأصحاب الشبر الأول بمجرد أن ينال مفاتيح في العلم ومسائل يحسنها يتكبر ويظن نفسه جبلا، وكذا وكذا. قال رحمه الله تعالى: «فالتمس العلم وأجمل في الطلب والعلم لا يحسن إلا بالأدب، والأدب النافع حسن السمت، وفي كثير القول بعض المقت». أي أن الأدب عبارة عن حسن السمت، وحسن السمت هو هدي طلبة العلم، الهدي الذي يكون عليه طلاب العلم، فلا يكون صخابا ولا سبابا ولا لعانا ولا متجاسرا ولا متخلقا بأخلاق الفساق والبطالين. «فالتمس العلم وأجمل في الطلب والعلم لا يحسن إلا بالأدب، والأدب النافع حسن السمت، وفي كثير القول بعض المقت». أي أن كثيرا من الكثير الذي يكثر من الكلام يكثر خطأه، والذي يقل الكلام يقل خطأه. صدق، نعم، لا بالسين؛ السمت يعني الهدي، عندكم بالصاد لا بالسين، السمت والهدي النافع. يقول الخطيب البغدادي رحمه الله: «يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب والعبث والتبذل في المجالس بالسخف والضحك والقهقهة وكثرة التنادر وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح يسيره، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفه، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر ويزيل المروأة». انتهى كلام الخطيب رحمه الله. هذا يقول الخطيب: يجب على طالب العلم... أي أن طالب العلم له هدي وسمت ودل وطريقة يمشي عليه، ثم بين رحمه الله، قال رحمه الله: «وفي كثير القول بعض المقت». ليس كل كلام يحتاج إلى جواب، ولا كل مسموع يحتاج إلى رد أو تعليق، ولا كل ما قيل يسمع أو يلتفت إليه، بل ينبغي للإنسان أن لا يتكلم إلا حيث علم أن في كلامه الفائدة، علم أن في كلامه الفائدة، وإلا ففي كثير القول بعض المقت. كثرة الكلام يزل بها الإنسان، والله عز وجل يقول: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾. والرجل في حديث أبي هريرة أن الرجل الذي يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا، في بعض الروايات: «ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب»، وفي حديث آخر: «سبعين خريفا في نار جهنم بسبب كلمة لم يتبين فيها»، استعجل ولم يتثبت ويتعقل في هذه الكلمة هل هي في موضعها أم لا. «فالتمس العلم وأجمل في الطلب والعلم لا يحسن إلا بالأدب، والأدب النافع حسن السمت، وفي كثير القول بعض المقت، فكن لحسن السمت ما حييت مقارنا تحمد ما بقيت». فكن لحسن السمت، أي هدي أهل العلم وهدي طلابه ملازما ما حييت على هذه الأرض وما بقيت فوق ظهرها، «فكن لحسن السمت ما حييت مقارنا تحمد ما بقيت»، أي تحمد ما بقيت، وكذلك تحمد إذا فقدت. والعلماء كانوا أهل سمت حسن، كانوا أهل سمت حسن وأهل خلق، النبي أخلاق العلماء أخلاق عالية وآدابهم آداب عظيمة، ولهذا يرحل إليهم الراحلون من أجل أخذ الأدب كما قدمنا في الآثار السابقة. وإن بدت بين أناس مسألة... عندكم إيش؟ وإن بدت بين الناس مسألة، عندي أنا المحقق أخطأ، قال في نسخة «أناس» وجعل الأصل «الناس»، وهذا غلط، الصواب «أناس». وإن بدت بين أناس مسألة معروفة في العلم أو مفتعلة، فلا تكن إلى الجواب سابقا حتى ترى غيرك فيها ناطقا: «فكم رأيت من عجول سابقي من غير فهم بالخطأ ناطقي»، عندكم مكتوب «بالخطأ» أو «أوش»؟ «فكم رأيت من عجول سابق من غير فهم بالخطأ ناطق»، أزرى به ذلك في المجالس عند ذوي الألباب والتنافس. يذكر في هذه الأبيات أن من الأدب أيضا عدم الاستعجال في الخوض في المسائل، وأنك لا تتكلم في مسألة أو في أمر ما إلا بعد أن تقتله علما ونظرا وتدبرا وقراءة وسماعا لكلام العلماء ثم تتكلم، أما أن تستعجل الخوض والكلام في أمر ومسألة لم تحط بها علما ولم تحسن فهمها وفهم ظروفها وأحوالها وأدلتها فإنك تغلط، وربما ينتشر غلطه فلا تستطيع أن تعيده إلى ما كان عنه فتندم على الكلام. ورب رجل يشار إليه بالكلام يسأل عن مسألة فيسارع إلى الجواب فيغلط، ثم يندم على أنه أجاب ويتمنى لو أنه قال: «أمهلوني حتى أنظرها» أو «الله أعلم بجوابها» ونحو ذلك، لهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون رزينا في المسائل. يقول بعض الناظمين: «إذا ما قتلت الشيء علما فقل به ولا تقل الشيء الذي أنت جاهل». إذا ما قتلت الشيء علما فقل به، لا تتكلم في مسألة لم تتقن البحث فيها والنظر فيها ومعرفة غورها وأطرافها، لا بد أن تعرف غورها وتدرك أطرافها حتى تسلم من الغلط فيها. يقول الناظم رحمه الله: «فكم رأيت من عجول سابقي تعجل، ولعله أراد أن يظهر، وكما قيل: حب الظهور كم يقصم من الظهور، حب الظهور كم يقصم من الظهور». يريد أن يكون أول من يتكلم فيها أو يريد أن يشار إليه لأنه حققها، فيحصل له نقيض ما قصد، نقيض ما أراد، فيخذل، عياذا بالله. ولهذا لا بد من إخلاص في الكلام، إخلاص في الكلام، وغير المخلص وإن أراد نصرة الحق يخذل، لا يوفق إلى الكلام، غير المخلص وإن أراد نصرة الحق فإنه يخذل في الكلام لأنه إنما أراد حق نفسه، لا لم يرد نصرة الحق وظهوره، وإنما أراد ظهور ذاته وعلو نفسه فيخذل، عياذا بالله. فكيف إذا اجتمع مع ذلك أي سوء القصد، عدم إدراك ما يتكلم فيه، وعدم فهم ما يخوض فيه، يجتمع شر إلى شر، يجتمع عليه الشر بأطرافه، عياذا بالله. «فكم رأيت من عجول سابق من غير فهم لم يفهم السؤال، فكن سموع سماع متيقظ تجيب على قدر ما سمعت بعد فهم ما طرح أو تتأن في الكلام، فكم رأيت من عجول سابق من غير فهم بالخطأ ناطق، نطق بالخطأ والإثم»، نسأل الله السلام والعافية. أزرى به ذلك في المجالس، ربما يكون له منزلة فتصبح هذه زلة له، هذا الخلق وهذه المسألة أزرى به ذلك في المجالس عند ذوي الألباب والتنافس، ذلة على عدم فهمه وقصور نظره وربما سوء قصده، نسأل الله السلام والعافية. فالحاصل أن طالب العلم يتحلى بأدب الطلب، ومن ذلك حسن السمت، ومن ذلك عدم العجلة في الخوض في القضايا والمسائل والرزانة فيها، وينتظر كلام العلماء، ينتظر كلام أهل العلم، ويحمد الله عز وجل أن وجد في الأمة ووجد في الناس من هو حري بالكلام، ويعتد من البلاء أن يسند إليه الكلام، هذا يعده من البلاء، وإنما يفرح بهذا الجاهل، أما الذي يعلم قدر نفسه يحتقرها ويزدريها فيخاف من الخور في المسائل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. وأجسر الناس على الفتوى كما قال ابن عيينة: «أقلهم علما». وثبت أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «أدركت مئة وعشرين من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، يسألون عن المسألة فكل يحيل إلى غيره، يذهب إلى فلان، سنه، فإنه له به علم، فيذهب فيقول له: اذهب إلى فلان، سنه، فإن له بها علم، وهكذا حتى ترجع إلى الأول». هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، أدركت مئة وعشرين من الصحابة يستعظمون أمر الفتوى. واليوم نحن في زمان يتسابق كثير ممن لم يوفق إلى الفتوى في هذه النوازل والقضايا، فيحصل بكلامهم من الشر أمور عظيمة، فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا حسن الأدب وأن نعرف قدر أنفسنا، ونسأله سبحانه أن يرحم الناظم وسائر علمائنا. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.