الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 93، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المحور سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ في اليهود الذين كانوا يحرفون التحية ويقولون "السام عليك" بمعنى الموت، فيرد النبي ﷺ بـ "وعليكم" مقتصاً ومحتسباً. ويبرز خلق النبي ﷺ الكريم في عدم مجاراتهم بالفحش ونهيه لعائشة رضي الله عنها عن السب الشديد، مؤكداً أن المسلم يتجنب الفحش إلا في مواضع التحذير من المفسدين.
يوضح المقطع توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة بالرفق عند سبها لليهود الذين حيّوه بتحريف "السلام" إلى "السام"، ونزول آية تكشف تحريفهم. كما يذكر سبب نزول آية "ويحلفون على الكذب" في رجل ادعى البراءة بعد أن أخبر النبي بقدومه بعين شيطان.
يتناول المحور روايتين في سبب نزول آية ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ في سورة المجادلة وآية ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ﴾ في سورة التوبة، متعلقتين بمنافق شتم النبي ﷺ ثم حلف كذباً. يناقش المؤلف أسانيد الروايتين، ويبين اضطراب رواية سماك بن حرب في الكبر، ويرجح رواية شعبة عنه لقدم سماعه، مع إمكانية الجمع بين الروايتين أو تعدد أسباب النزول.
يقترح المتحدث التوفيق بين الروايتين بالتأكيد على ثبوت كل منهما وعدم وجود تعارض، أو تفسيرهما بأن السبب واحد بينما الآيات متعددة. ثم يختم الحديث مكتفياً بما ذُكر من تحليل للأسانيد والمتون.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول" في سورة المجادلة: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "السام عليك"، ثم يقولون في أنفسهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول"، فنزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ إلى آخر الآية. قال الحديث: قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار والطبراني، وإسناده جيد؛ لأن حماداً سمع من عطاء بن السائب في حالة الصحة، يعني قبل الاختلاط. ومعنى الحديث: أن اليهود عليهم من الله ما يستحقون، كانوا إذا جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام لا يقولون: "السلام عليكم"، وإنما يقولون: "السام عليك". والسام هو الموت، والسام هو الموت. وهذا من خبثهم وعداوتهم وكرههم لنبي الله عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعهم ويرد عليهم بقوله: "وعليكم"، يعني: السام عليكم، يرد عليهم بمثل قولهم. ثم هؤلاء اليهود يقولون في أنفسهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول"، يعني: هل لا يعذبنا الله على ما نقول من هذا السوء لنبيه؟ فرد الله عز وجل عليهم: ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. ففي هذا الحديث: عداوة اليهود للإسلام والمسلمين ولنبيهم الكريم عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث: حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، إذ لم يسبهم ويفحش في القول معهم، وإنما رد عليهم بمثل قولهم. إذن استفدنا من هذا الحديث أن هذه الآية نزلت في اليهود، ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ نزلت في اليهود. قال: قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أناس من اليهود، فقالوا: "السام عليك يا أبا القاسم". قال: "وعليكم". قالت عائشة: فقلت: "بل عليكم السام والذام". والذام، والذام، والذام، والله أعلم أرادت من الذم، وإلا ففي بعض الروايات: "عليكم السام واللعنة"، أو هكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، لا تكوني فاحشة". قالت: ما سمعت ما قالوا؟ فقال: "أليس قد ردَدْتُ عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم". وسيجيء في الرواية الأخرى: النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «إن الله لا يحب الفحش والتفحش». وهذا فيه زيادة على ما تقدم: أن عائشة رضي الله تعالى عنها لم تصبر على ما سمعت من هؤلاء، فقست عليهم في العبارة، وسبتهم سباً شديداً. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرتضِ ذلك، فعد ذلك من الفحش في القول، وأرشدها إلى أن لا تفعل ذلك، فقال: "يا عائشة، لا تكوني فاحشة"، يعني في القول. ثم بيّن لها أنه لم يرتضِ ذلك، وذلك لكن رد عليهم بمثل قولهم، فقال: "وعليكم"، "أليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم". وفي هذا: أن الفحش في القول يتجنبه المسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يتجنبه لأنه لا يأتي بخير، إلا إذا كان ذلك من باب التنفير والتحذير من مفسد من المفسدين، مبتدع من المبتدعين، مخالف من المخالفين، فيقول بعبارات تؤدي الغرض من التحذير والتنفير دون تجاوز وتفحش في الألفاظ. وهكذا كان السلف رحمهم الله تعالى. وجاءت بعض الروايات: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». فأرشدها إلى الترفع، وكذلك القول الذي لا يصل إلى حد الفحش أو التفحش. قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا يعقوب بن عبيد، قال: حدثنا الأعمش، بهذا الإسناد، غير أنه قال: "ففطنت بهم عائشة"، يعني: تنبهت لسبهم؛ لأن "السام" قريب من "السلام"، فهم هكذا يدخلونها أو ينطقونها، والذي لا ينتبه ولا يتفطن يظن أنها "السلام عليكم"، "السلام عليكم"، قد ما تتفطن لهذا، تظن أنه "السلام عليكم". لكن عائشة رضي الله تعالى عنها تفطنت لهذا، تنبهت لهذا، فجاء في هذه الرواية أنها قال: "ففطنت بهم عائشة"، يعني: تنبهت لقولهم، فسبتهم، يعني: فحشت عليهم في القول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة"، كلمة تقال في من أراد الزجر أو عدم الاستمرار في القول أو نحو ذلك، "ما هي عائشة، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش". وزاد: "فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾". فما هو الذي حيّي الله به نبيه؟ "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". نعم، هذا الذي جاء في السلام، هذا الذي جاء في السلام. قال الحديث: أخرجه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، وابن نمير. وفيه: فقال ابن نمير في حديثه: "فنزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾" حتى فارغ، أي: من هذه الآية. فالخلاصة: أن هذه الآية نزلت في اليهود عندما يحيون النبي عليه الصلاة والسلام بهذه التحية التي فيها الدعاء بالموت. وهذا فيه: أن اليهود كانوا يتمنون موت النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك لحسدهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾، حسداً من عند أنفسهم. وقد ورد في السيرة: أن اليهود حاولوا مراراً وكرات بقتل النبي عليه الصلاة والسلام، سيأتي معنا إن شاء الله في السيرة. فهم يتمنون ذلك لحسدهم، لحسدهم. وكانوا يعني يرجون أن النبي المرسل يكون منهم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، يعني كانوا يقولون للذين آمنوا قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام: "سيأتي نبي منا ننصره ونؤيده، فنقاتلكم وننتصر عليكم"، وكذا وكذا. وكانوا يرجون أن هذا النبي يكون منهم. فلما جاء النبي من العرب، حسدوا العرب على ذلك، فكادوا لنبي الله عليه الصلاة والسلام وأرادوا قتله، وكانوا يتمنون ذلك. ولكن الله عز وجل حفظ نبيه، فهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾. سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان، أو بعيني شيطان»، يعني: أنه رجل خبيث، ورجل يؤزه الشيطان أزا. قال: فدخل رجل أزرق، فقال: "يا محمد، على ما سببتني؟ أو شتمتني؟" أو نحو هذا. قال: وجعل يحلف. لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما قال هذا في هذا الرجل إلا لشيء صدر منه، لشيء صدر منه، وأخبره الله عز وجل بذلك، أي: أخبر الله عز وجل نبيه بذلك. فقال: ما قال عليه الصلاة والسلام في هذا الرجل؟ لأن الله عز وجل يوحي إليه. فالرجل هذا لما سمع ذلك، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "على ما سببتني؟ أو شتمتني؟ ما هو السبب؟" وجعل يحلف، يعني: يحلف أنه ما فعل شيئاً. والرواية الثانية ستأتي معنا: أن هذا الرجل كان يشتم ويسب النبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي في الرواية الأخرى. ولكن هذا الرجل أنكر، لأنه كان من المنافقين، فحلف أنه ما قال، فكذبه الله عز وجل كما في هذه الآية: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ ﴾، يعني: هم كاذبون، ومع هذا يحلفون. وهذه من صفات أهل النفاق، من أبرز وأظهر صفات أهل النفاق: كثرة الحلف بالكذب، كما في سورة براءة، كم آية فيها: "يحلفون، يحلفون"، آيات كثيرة. وجاء في حديث عبد الله بن عمر: قال عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث»، وأول هذه الثلاث ما هي؟ «إذا حدث كذب». هذه من صفات أهل النفاق: يحدث بالكذب، ويحلف على الكذب، ويعلم أنه كاذب. ففضحهم الله عز وجل، فضحهم الله في هذه الآية، وفي سورة التوبة، كما سيأتي معنا. من حديث ابن عباس أنه قال عن سورة التوبة: أنها الفاضحة، أنها ماذا؟ الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، ومنهم، ومنهم، ومنهم. فضحتهم، وبيّنت صفاتهم، وبيّنت كذبهم. ومن ذلك هذا الحديث: هذا الرجل يحلف، لكن الله عز وجل فضحه، فنزلت هذه الآية في المجادلة، يعني: في سورة المجادلة: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾، ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾، يعلمون أنهم كاذبون. قال: الحديث أيضاً أعاده، يعني: الإمام أحمد في موضع آخر. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه أحمد والبزار، ورجال الجميع رجال الصحيح، يعني: رجال البخاري ومسلم، إلا أن فيه، يعني: في لفظ هذا الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي قال له، يعني: هو الذي قال لهذا الرجل: "على ما تشتمني أنت وصاحبك؟" فأنكر هذا الرجل، وجعل يحلف، يحلف أنه ما سب النبي عليه الصلاة والسلام. ويمكن الجمع بين الحديثين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة: «يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان، أو بعيني شيطان»، فدخل هذا الرجل، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام، أو فـ... يعني: أنكر هذا الرجل هذا القول من النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "على ما تشتمني أنت وصاحبك؟ أنا قلت هذا لأنك تشتمني أنت وصاحبك". فجعل هذا الرجل يحلف أنه ما شتم النبي عليه الصلاة والسلام، ففضحه الله عز وجل، وأنزل هذه الآية: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. فلا تعارض إن شاء الله بين الروايتين، وإن كان الشيخ سيأتي أنه مال إلى الرواية الأولى. قال: وكذا في المسند. وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وابن جرير، قال: وأخرجه ابن جرير، وعزاه الشوكاني إلى الطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه من حديث ابن عباس. محرم، إلا أنه قال: "ونزلت: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ﴾ إلى آخر الآية التي في سورة التوبة"، يعني: أن هذا السبب جاء في آية التوبة: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ﴾، آية أخرى. قال الشيخ: فإما أن تكونا نزلتا معاً في سبب واحد، وهذا كما مر معنا قد يكون في أسباب النزول، يعني: سبب واحد ينزل في آيتين، هذا قد يكون كثيراً في أسباب النزول، السبب واحد والآيات أكثر من آية نزل فيها هذا السبب، فهذا احتمال. وإما أن يكون اضطرب فيه سماك، لأنه من طريق سماك بن حرب، وهو مضطرب الرواية، فإنه مضطرب الحديث، لا سيما بعد كبره، بعد كبره، يعني: من الكبر، بعد كبره، يعني: تقدم سنه، تقدم سنه. قال: والله أعلم. وقال: وظن آية المجادلة التي نزلت أثبت، لأن الراوي عنه شعبة، وقد سمع منه قديماً. فالرواية الأولى: قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك. ورواية شعبة عن سماك أثبت؛ لأن شعبة سمع منه قديماً، يعني: وهو في شبابه، قبل أن يكبر ويضطرب في الرواية. فإن أردنا الترجيح، فالرواية الأولى هي أثبت وأحق بالترجيح. وإن أردنا الجمع وإثبات الروايتين، فيقال: هذا ثابت وهذا ثابت، ولا تعارض بينهما، أو أن الحديثين يحملان على أن السبب واحد والآيات متعددة، والآيات متعددة. نعم، خير، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.