التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 5

التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 5

الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحذير النبي من الدجالين في آخر الزمان

يتناول التحذير النبوي من ظهور الدجالين الكذابين في آخر الزمان الذين يروون أحاديث كاذبة لم تُسمع من قبل. يُحذر من الاستماع إليهم لتجنب الزيغ والانحراف.

أهمية التحري في أخذ العلم

ينبه إلى خطورة أخذ الأحاديث من غير الثقات ويحذر من الوعاظ الذين ينشرون الأحاديث الضعيفة والموضوعة. يشدد على أهمية التحري في أخذ الدين من أهله الثقات.

تحذير السلف من أهل الأهواء والبدع وتأثيرهم

يروى عن السلف تحذيرهم من أهل الأهواء والبدع ورفضهم سماع الأحاديث غير الصحيحة. يبين كيف تغيرت الأحوال بعد ظهور الأهواء والكذب على النبي.

ضوابط تحديث الناس بالأحاديث النبوية

أصبح العلماء يتثبتون في الرواية ولا يحدثون إلا من وثقوا في أمانتهم وصدقهم، مما يدل على حرصهم على صحة نقل الأحاديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري النيسابوري رحمه الله: وحدثني محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو هانئ، عن أبي عثمان، أن مسلم بن يسار قال: سمعت أبا هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم. هذا الحديث في تحذير من النبي عليه الصلاة والسلام بظهور أناس في آخر الزمان يحدثون بأحاديث لا تعلم صحتها، فتكون جديدة على الأسماء، وذلك بسبب غرابتها، وسبب ضعفها أو كذبها. فإياكم وإياهم، يعني احذروا منهم ومن السماع منهم. وهذا الحديث دليل على التحذير من أهل الأهواء وعدم الجلوس لهم والسماع منهم، فالسماع من أهل الأهواء سبب للتأثر بهم ووقوع الشبهة في القلب، فيزيغ صاحبها بسبب ذلك. ولهذا حذر العلماء من السماع لأهل الأهواء سلامة للقلوب من الزيغ والانحراف، والشبه خطافة، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله. قال: وحدثني حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني أبو شريح، أنه سمع شراحيل بن يزيد يقول: أخبرني مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم. وهذا الحديث فيه الإخبار بشيء مما ذكره في الحديث الذي قبله من التحذير ممن يظهر في آخر الزمان، لكن وصفوا في هذا الحديث بأنهم دجالون كذابون. والدجال صيغة مبالغة على وزن فعال، بمعنى كثير الدجل والكذب. دجالون كذابون يعني يأتون بالأحاديث المكذوبة فيحدثون بها الناس. يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فأي أحاديث مكذوبة مختلقة ما قد سمعت من قبل ولا عرفت. قال: فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم، لا يضلونكم عن الهدى والصراط المستقيم، ولا يفتنونكم بما تسمعون من هذه الأحاديث التي تلقى على آذانكم. وهؤلاء كثر في هذا الزمان، فبعض الوعاظ والقصاص من يأتون بالقصص والأحاديث الضعيفة والموضوعة فيحدثون بها الناس من باب إما من باب الترغيب أو من باب الترهيب أو من باب أن يلتف الناس حولهم، فيأتونهم بالأحاديث الغريبة والعجيبة. فهؤلاء ينبغي الحذر منهم، وسيأتي معنا أن العلم دين لا بد فيه من أخذه من أهله. وهكذا أيضا أن يتحرى المسلم ممن يأخذ منه دينه، فلا يسمع من كل أحد، ومن كل من هب ودب، كل من تكلم أو وعظ أو خطب جعل عالما وسمع منه وأخذ منه كما يظن الكثير من عوام الناس. قال: وحدثني أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا وكيع وابن إدريس، قالا: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران. والأعمش لقب بذلك بسبب عمش في عينيه، فكانت إحدى عينيه يسيل منها الماء. وكان يقول: لو كنت بقالا لقذرني الناس. ما جاء عندي أحد. ولما كان محدثا كان الطلاب يتسابقون إلى مجلسه وإلى السماع منه. وهذه من رفعة العلم التي يرفع الله سبحانه وتعالى بها أهله. قال: وعن المسيب بن رافع، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث. وهذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيه التحذير من السماع لكل أحد، فربما يأتي الشيطان يتمثل في صورة الرجل فيأتي يحدثهم يجلس مع القوم فيحدثهم بأحاديث مكذوبة. قال: وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق وابن نمير الصنعاني، قال: أخبرنا معمر، وهمام بن يحيى نزيل اليمن، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر بن العاص. وطاوس بن كيسان هو الذي قال لابنه كما في الأثر الثابت عنه: يا بني، لا تسمع لأهل الأهواء. أو حين أتى أحد أهل الأهواء فوضع أصبعيه في أذنيه، وقال: ضع أصبعيك في أذنيك واشدد، فإن القلب ضعيف. يعني إذا سمع هذه الشبه التي يأتي بها أهل الباطل ربما دخلت في القلب فأثرت في قلب صاحبها. قال: وحدثني محمد بن عباد وسعيد بن عمرو الأشعثي جميعا، عن ابن عيينة، قال سعيد: أخبرنا سفيان، عن هشام بن حجير، عن طاوس، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: عدل حديث كذا وكذا. فعاد له، ثم حدثه، فقال له: عدل حديث كذا وكذا. فعاد له. فقال له: ما أدري أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا، أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ قال له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه. هذا الأثر كما سمعنا أن هذا الرجل جعل يحدث ابن عباس، فكان ابن عباس يقول له: عدل حديثي كذا وكذا، يعني إذا راه أتى بأشياء غير صحيحة وغير ثابتة يرده ويقول: ارجع إلى حديثك السابق. فوق فقال الرجل مستغربا: ما أدري عرفت حديثي كله حتى أنك ما تريد معه كله، أو أنكرت هذا أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ قال ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه، يعني عندما كان في ذلك الزمن الاعتناء بالحفظ والصدق والتثبت في الرواية وعدم الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام وقبل ظهور الأهواء. قال: فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه. المراد بالصعب والذلول الصعب يعني الأمر العسر، والذلول الأمر الهيّن والسهل. والمعنى أن الناس لما أصبحوا لا يبالون وسلكوا كل مسلك مما يمدح أو يذم، فإننا أمسكنا عن الحديث والتحديث لكل أحد، فلا نحدث وإنما نحدث من وثقنا في أمانته وصدقه وأصبحنا نتثبت في الرواية. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.