الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل مسألة بر الوالدين المشركين وتفسير الآيات المتعلقة بهذا الشأن، حيث يبين جواز برهما مع عدم طاعتهما في المعصية. يوضح أيضاً نسخ آية الإسراء بآية براءة في الدعاء بالمغفرة للوالدين المشركين.
يتناول هذا الفصل أحكام بر الوالدين المشركين من خلال الأحاديث النبوية، حيث يذكر حديث سعد بن أبي وقاص وأم سعد وأحكام البر والصلة.
يتناول هذا الفصل أحكام الوصية والأنفال من خلال قصة سعد بن أبي وقاص مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويوضح حدود الوصية الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا إسحاق قال: أخبرنا علي بن حسين قال: حدثني أبي عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾، فنسختها الآية في براءة: ﴿وما كان النبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾. قال: «هذا الأثر حسن، صححه الحافظ ابن حجر رحمه الله». وفيه يخبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قول الله عز وجل في النهي للنبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى أنها ناسخة لقول الله جل وعلا في سورة الإسراء: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾. وقلنا: إن مراد ابن عباس بقوله: «فنسختها» أي خصصتها، وليس مراده بالنسخ ما هو معروف عند المتأخرين من الأصوليين، بل مراده بالنسخ هو التخصيص لا رفع الحكم. وهذا كثير مما يستعمله السلف أن يطلقوا لفظ النسخ ويريدون به معنى التخصيص والتقييد. ونبه على ذلك الإمام الشاطبي رحمه الله في «الاعتصام» أن السلف كثيرا ما يطلقون لفظ النسخ ويريدون به معنى التخصيص والتقييد لا بالمعنى المعروف والمشهور عند المتأخرين. فقوله: «نسختها الآية» أي خصصتها، فتكون الدعاء بالمغفرة والرحمة للوالدين إذا كانا مسلمين. أما إذا كانا مشركين فإنه لا يجوز الدعاء لهما بالمغفرة والرحمة لهذه الآية. وسياق نزولها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يريد أن يستغفر لعمه أبي طالب، وأمره ودعاه للإسلام فأبى ومات على الكفر. فقال عليه الصلاة والسلام: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك». فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات: ﴿وما كان النبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾. أي: ولو كانوا بينهم وبينهم قرابة، ولو كانوا من أقربائهم، فلا يجوز لهم أن يستغفروا لهم من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وأكد ذلك ما جاء في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزورها فأذن لي». فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة. فنهى الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لأمه لأنها ماتت على الشرك. فلا يجوز للولد أن يستغفر لأبيه أو لأمه إذا كانا مشركين، وإنما يكون الدعاء بالمغفرة والرحمة للمسلم. قال: «باب بر الوالد المشرك». قال: حدثني محمد بن يوسف قال: حدثنا إسرائيل قال: حدثنا سماك عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: «نزلت في أربع آيات من كتاب الله تعالى كانت أمي حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمدا صلى الله عليه وسلم». فأنزل الله عز وجل: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾. والثانية: «إني كنت أخذت سيفا أعجبني فقلت: يا رسول الله هب لي هذا». فنزلت: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. والثالثة: «إني مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني أريد أن أقسم مالي أفأوصي بالنصف؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ فسكت». فكان الثلث جائزا بعده. والرابعة: «إني شربت الخمر مع قوم من الأنصار فضرب رجل من الأنصار بلحي جمل فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم». فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر. وهذا الأثر صحيح، وهو أيضا في صحيح الإمام مسلم. فذكر الإمام البخاري رحمه الله بعد ذكره لباب «لا يستغفر لأبيه المشرك» أتبعه بقوله: «باب بر الوالد المشرك». وهذا من دقة الإمام البخاري رحمه الله، فإنه لما ذكر أنه لا يجوز للمسلم أن يستغفر لأبيه المشرك، وقد يتوهم أنه كذلك لا يجوز أن يبر أباه أو أمه إذا كانا مشركين، فأتبعه بذكر هذا الباب الذي فيه بيان أنه يجوز للولد أن يبر والده أو أمه إذا كانا مشركين. يجوز أن يبرهما ولو كانا مشركين، وقام ذلك لن يكون فيه معنى الولاء والبراء الذي أمر به الشرع بين المسلم والكافر. فذكر من هذه الأحاديث حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «نزلت في أربع آيات من كتاب الله تعالى». يعني: كانت رضي الله تعالى عنها سببا في نزول هذه الآيات. أولها: أنه لما أسلم وآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام حلفت أمه أنها لا تأكل ولا تشرب حتى يترك دين الإسلام ويفارق النبي عليه الصلاة والسلام. فقالت: «لا آكل ولا أشرب حتى تفارق محمدا صلى الله عليه وسلم». فأبى رضي الله تعالى عنه أن يرجع عن دين الإسلام، وأمه حلفَت ذلك وأصرت أنها لا تأكل ولا تشرب. حتى جاء في بعض الروايات في صحيح الإمام مسلم أنهم كانوا يستقون فمها ويصبون فيه الطعام، لأنها كانت مصرة لا تريد أن تأكل ولا تشرب، فكانوا يخشون عليها من الموت. فأصر رضي الله تعالى عنه على البقاء على الإيمان والإسلام. فأنزل الله عز وجل: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾. فأنزل الله عز وجل بيان أنه لا طاعة للوالدين إذا أمرا بالمعصية، ومن ذلك الشرك بالله سبحانه وتعالى. ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ ليس لهما طاعة إذا أصر على الشرك والكفر وأمرك أن تكفر أو تشرك فلا تطعهما، لكن لا يمنع ذلك أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أن تبرهما وتحسن إليهما بالمعروف. ولا يكون في ذلك محبة ومودة التي تكون بين أهل الإسلام، بل تبرهما بالإنفاق ونحو ذلك من غير محبة ومودة، لأن المسلم لا يجوز له أن يوالى ويحب الكافرين كما قال جل وعلا: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ إلا يتأولوا محبة طبيعية، فهذه قد لا يؤاخذ بها. قال: «والثانية: إني كنت أخذت سيفا أعجبني فقلت: يا رسول الله هب لي هذا». فنزلت: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. لأنه جاهد وقاتل مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقاتل بسيف كما جاء في بعض الروايات أنه أبرع في القتال بهذا السيف. فلما انتهت المعركة طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يهبه هذا السيف، فأبى عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض الروايات أنه أمره أن يرده. قال: «فرجعت فوقعت في نفسي فقلت: يا رسول الله هب لي هذا السيف». وبعض الروايات قال: «شعرت أن يأخذه من لم يبذل مثل بلائي». يعني: أنه قاتل مثل ما قاتل به. فنزلت قول الله جل وعلا: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾. وأن الأنفال أو النفل هو ما يعطيه الإمام لبعض المقاتلين زائدا عن غنيمة. ينفل الإمام بعض المقاتلين شيئا زائدا على الغنيمة. وهذا قد فعله النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عمر في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينفل بعض المقاتلين سوى عامة الجيش، لأنه يعطيهم شيئا زائدا. وكما في هذا الحديث فإنه لما نزلت هذه الآية أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام هذا السيف. فقال له: «إنه لم يكن لي ولا لك ثم صار لي فعطيتك إياه». فبين الله جل وعلا أن الأنفال لله هو الرسول، أي: أن الله يصر فيها هو الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام. فنفله النبي عليه الصلاة والسلام هذا السيف. فهذا بين النفل والغنيمة. والغنيمة هو ما يغنم بعد القتال، ما يغنم بعد القتال فيسمى غنيمة. وهنالك أيضا الفيء، والفيء هو ما يأخذه المسلمون من أموال الكفار من غير قتال، ما يأخذه المسلمون من أموال الكفار غيرها من غير قتال فيطلق له الفيء. وما كان بقتال فهو الغنيمة. قال: «وثالثة: أني مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني أريد أن أقسم مالي أفأوصي بالنصف؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ فسكت». فكان الثلث جائزا بعده. يعني: لما مرض وعاده النبي عليه الصلاة والسلام وكان له مال كثير كما جاء في بعض الروايات في ذكر هذا الحديث. قال: «وأنا رجل ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي». فقال: «أفأوصي بالنصف؟ قال: لا. أو قال: بالنصف؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: نعم. الثلث والثلث كثير». ثم أجاز النبي عليه الصلاة والسلام أن يوصي بالثلث. فكانت الوصية بالثلث جائزة بسبب سعد رضي الله تعالى عنه حين سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يوصي بالثلث فأجازه عليه الصلاة والسلام. والوصية بأقل من الثلث أفضل. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الثلث والثلث كثير». قال المعباس رضي الله تعالى عنه: «لو أن الناس مضوا من الربع إلى الثلث». فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الثلث والثلث كثير». والمعنى أن الأب أو الموصي ينبغي أن ينظر إلى حال رعيته وأنه يرعى من يبقى من بعده أغنياء خيرا له من أن يبقيهم فقراء يتكففون الناس ويسألون الناس. فلهذا كان الأفضل له أن يبقي لهم مما ينفعهم المال. لكن إذا أراد أن يوصي فليس له أن يوصي بأكثر من الثلث. ليس له إلا أن يوصي بالثلث فقط، وليس له أن يوصي بأكثر من ذلك.