الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 408، ألقاها
يتناول أهمية القيلولة في الإسلام من خلال أحاديث وأفعال الصحابة، حيث كانوا يقيلون بعد صلاة الجمعة ويعتبرونها فرصة للراحة. حرص عمر بن الخطاب على أمر الناس بالقيلولة في نصف النهار.
يشرح تحريم الخمر في الإسلام بسبب تأثيرها السلبي على العقل وتسببها في ارتكاب الآثام. كما يبين سرعة استجابة الصحابة لتحريمها وألقوها في طرق المدينة.
يروي كيف كان الصحابة سريعين في الاستجابة لتحريم الخمر وقبول خبر الواحد الثقة دون تردد. كما يشير إلى حرصهم على تطبيق الأوامر الإسلامية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد» في باب القائلة: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن السائب بن يزيد قال: كان عمر رضي الله عنه يمر بنا بنصف النهار أو قريبا منه، فيقول: قوموا فقيلوا، فما بقي فلشيطان. وهذا الأثر تابع للذي قبله في أمره رضي الله عنه لمن كان جالسا أن يقوم فيقيل في نصف النهار. كان عمر رضي الله عنه يمر بنا نصف النهار أو قريبا منه، وهذا وقت القيلولة تكون في نصف النهار قبل الزوال أو كذلك بعد الزوال، فيقول: قوموا فقيلوا، يعني اذهبوا فاستريحوا وخذوا القيلولة. فما بقي فلشيطان. قالوا: حدثنا حجاج قال: حدثنا حماد عن حميد عن أنس قال: كانوا يجمعون ثم يقيلون. وهذا الأثر «كانوا يجمعون» يعني الصحابة رضوان الله عليهم، يخبر أنس عن فعل الصحابة بأنهم كانوا يقيلون في يوم الجمعة بعد الجمعة. قالوا: كانوا يجمعون ثم يقيلون، يعني بعد الجمعة. وفي صحيح البخاري كذلك نحو هذا الأثر عن سلمان الأكوع رضي الله عنه: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. وهذا أيضا يبين ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم بحرصهم على التبكير لحضور الجمعة، فهم يقيلون بعد الجمعة لأنهم ما كانوا ينامون بعد الفجر، وما كانوا ينامون بعد الفجر، وربما كانوا يعني يذهبون في أعمالهم ثم يبادرون إلى الذهاب إلى المسجد لأجل حضور الجمعة، فما يأتي نصف النهار أي بعد الجمعة إلا وقد شعروا بتعب النهار، فيقيلون ويحتاجون إلى القيلولة. بخلاف بعض الكثير من الناس اليوم، تجد كثيرا منهم ينام يوم الجمعة بعد الفجر، وربما ما يقوم إلا قريب الجمعة، يقوم وهو كسلان، فيضيع عليه نهار الجمعة في النوم. قال: وحدثنا موسى قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قال أنس: ما كان لأهل المدينة شراب حيث حرمت الخمر أعجب إليهم من التمر والبسر، فإني لأسقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم عند أبي طلحة، مر رجل فقال: إن الخمر قد حرمت، فما قالوا: متى أو حتى ننظر، قالوا: يا أنس أهرقها. ثم قالوا عند أم سليم حتى أبردوا واغتسلوا، ثم طيبتهم أم سليم، ثم راحوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الخبر كما قال الرجل. قال أنس: فما طعموا بعد هذا. هذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه أنه ما كان لأهل المدينة شراب حيث حرمت الخمر أعجب إليهم من التمر والبسر، يعني شراب التمر والبسر وهما يسمى بالنبيذ، أن يوضع التمر أو البسر في الماء أو العنب يبقى يوما أو يومين حتى يتحلل في الماء ويوجد طعم هذا الثمر في الماء ثم يشرب، ما نسميه نحن بالمريس، مريس التمر أو عصير التمر، هذا كان من أحب الأشربة إليهم بعد تحريم الخمر. كانوا قبل ذلك يشربون الخمر، فيذكر أنس رضي الله عنه أنه كان يسقي أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يسقيهم الخمر قبل تحريمها، وكانت على أصل الإباحة، كانت على أصل الإباحة حتى جاء الشرع بتحريمها. قال: وهم عند أبي طلحة زوج أمه أم سليم. قال: مر رجل فقال: إن الخمر قد حرمت، يعني هم يشربونها عند أبي طلحة، جاء رجل فقال: إن الخمر قد حرمت. قال: فما قالوا: متى أو حتى ننظر، قالوا: يا أنس أهرقها، يعني سارعوا وبادروا للاستجابة لأمر الله جل وعلا وأمر رسوله بتحريم الخمر، فما توقفوا قالوا: متى حرمت ونحن سننظر نتأكد من هذا الخبر، لا أخبرهم بأنها حرمت مباشرة أمر أنس بإهراقها، ما قالوا: متى. وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون سريع الانقياد لحكم الله ورسوله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، فالمسلم ينبغي أن يكون سريع الاستجابة لأمر الله، أمر رسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم كانوا سريع الاستجابة، حرمت الخمر مع محبتهم لها ومع كذلك تعودهم على شربها، وكذلك أيضا ما تفعله الخمر بعقولهم من الرغبة في شرابها، ومع ذلك لما سمعوا أنها حرمت بادروا بتركها وإراقتها. ولهذا ينبغي للمسلم إذا بلغته يعني بلغه حكم من أحكام الشريعة أن يبادر بالأخذ به وعمل به، أو بلغته سنة النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن يقبلها وأن يعمل بها، ما يقول ويعارض بعقله كيف هذه وما المراد منها ولماذا كذا ولماذا لم يكن كذا، لا ينبغي سرعة الاستجابة والانقياد. قالوا: يا أنس أهرقها، وأراقوها في طرق المدينة، أراقوا الخمر في طرق المدينة حتى يعلم أن سرعة استجابتهم رضي الله تعالى عنهم، وإعلان منهم على تركها وعلى الابتعاد عنها، والخمر حرمت لأنها تفسد العقول، تفسد العقول، العقل الذي أكرم الله سبحانه وتعالى به الإنسان وشرفه به وميزه به على غير من الحيوانات، الخمر تفسده تجعل الإنسان بلا عقل، يتصرف تصرفات من لا عقل له، تصرفات من لا عقل له. فلذلك جاءت الشريعة بتحريم الخمر حفاظا على عقول الناس، والخمر ما خامر العقل كما قال عمر رضي الله عنه: «الخمر ما خامر العقل» يعني ما خالطه وأذهبه، فكل ما كان كذلك هو خمر وحكمه التحريم، كل مسكر خمر، كل خمر حرام، وسماها النبي عليه الصلاة والسلام «أم الخبائث»، أم الخبائث لأن الإنسان إذا سكر وذهب عقله ارتكب جملة من الآثام، ربما يقتل وربما يزني، بل يفعل ما هو أعظم من ذلك، ربما يأتي بعض محارمه بسبب زوال عقله، فكانت أم الخبائث. ولهذا بعض أهل الجاهلية حرموا الخمر على أنفسهم قبل تحريمها، حرموها على أنفسهم لما فيها من فساد وإذهاب للعقل، كما ذكر عن قيس رضي الله عنه أنه شرب الخمر فلما سكر جعل يعرض ببعض محارمه، يحارش بعض محارمه، فلما أفاق وأخبروه بذلك حرمها على نفسه. وهكذا أيضا يزيد بن الأصم حرم الخمر على نفسه لأنه شربها مرة حتى طفح، وكان في ليلة مقمرة ليلة من ليالي القمر، فجعل ينظر إلى القمر ويقفز يريد أن ينزل القمر، يقفز ويقول: سأمسك القمر، أنزله إلى الأرض، وهكذا يفعل يقفز ويطلع إلى أن سقط على وجهه، وبقي على هذا الحال حتى أفاق، فلما رأى نفسه على هذا الوضع سأل: ما الذي حدث؟ أخبره وقومه بأنك فعلت كذا وكذا وكذا، وهو رجل كان يعني رزينا، ففعل أفعال المجانين بسبب الخمر، فلما سمع ذلك حرمها على نفسه. فهي مفسدة للعقول، وكما سمعنا أم الخبائث، بذلك حرمتها الشريعة. قال: ثم قالوا عند أم سليم، قالوا: يعني ارتاحوا بالقيلولة، ناموا بالقيلولة أو استراحوا في وقت القيلولة. قال: حتى أبردوا واغتسلوا، ثم طيبتهم أم سليم، ثم راحوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الخبر كما قال الرجل. انظروا أولا طبقوا ثم رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإذا الخبر صحيح. قال أنس: فما طعموا بعد، يعني ما شربوها ولا رجعوا إليها بعد تحريمها. وهذا أيضا فيه قبول خبر الواحد الثقة، أنه يقبل خبر الواحد في ولا ولا يشترط في قبول خبره ماذا أن يكون أكثر من واحد، إذا أتى بخبر الواحد الثقة العدل قبل خبره، قبل خبره، وهذا ذلك من أدلة التي استدل بها أهل العلم على وجوب قبول خبر الواحد الثقة. الشاهد قوله: ثم قالوا عند أم سليم، يدل على حرص الصحابة رضوان الله عليهم على القيلولة، وأنهم كانوا لا يفرطون فيها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.