شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 1

الدرس في شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد 1، ألقاها

مقدمة في قراءة كتاب الإيمان

يبدأ الشيخ بقراءة كتاب الإيمان للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، ويبين أهمية هذا الكتاب في معرفة عقيدة أهل السنة والتعرف على منهج السلف. يُقرأ ترجمة مختصرة للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام من العلامة الألباني.

تعريف الإيمان وأركانه واختلاف العلماء حوله

يتناول اختلاف أهل العلم في تعريف الإيمان، حيث يرى البعض أنه يشمل الإخلاص بالقلب وشهادة اللسان وعمل الجوارح، بينما يرى آخرون أنه يقتصر على التصديق بالقلب وشهادة اللسان. يُقرّ أن الإيمان قول وعمل.

تطور مفهوم الإيمان وأدلته من القرآن والسنة

يشرح مفهوم الإيمان وأنه يشمل النية والقول والعمل، مستندًا إلى القرآن الكريم والسنة النبوية. يُبيّن أن الإيمان تطور مع تطور الشريعة الإسلامية.

تنبيهات على أخطاء النسخ وأهمية التمييز بينها

يُنبّه على أن الأخطاء في النصوص قد تكون من الكاتب أو الناسخ وليس من الأصل. يُظهر أهمية التمييز بين الخطأ الحقيقي والأخطاء الناتجة عن النسخ أو التصور الخاطئ.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فابتداءً من هذه الليلة، ليلة الثلاثاء الثامن عشر من محرم لسنة ألف واربعمائة وستوثلاثين هجرية، يعني الإخوان، أحب أن نقرأ كتاب "كتاب الإيمان" للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، رحمه الله تعالى وغفر له. وهو كتاب من الكتب المعتمدة من كتب السلف، تكلم على مسألة الإيمان من حيث معالم الإيمان وسننه، وكذا استكماله ودرجاته. ومثل هذا الكتاب يستفيد منه طالب العلم فوائد كثيرة ومتنوعة. أولها أنه يتعامل عن قرب مع كلام أئمة الدين والسنة من أئمة السلف، رضي الله عنهم ورحمهم الله. وثانيها يأخذ كما يقال عقيدته عن المنبع الصافي عن الأئمة رحمهم الله تعالى، أئمة الهدى. وكذلك الأمر الثالث، أنه في قراءة لمثل هذه الكتب يعلم مكانة الأئمة رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم، وأنهم لا كما يقول الخلف من أن منهجهم أسلم وأن منهج الخلف أعلم وأحكم، بل يعلم علم يقين ويرى رأي عين أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم. ويرى كيف أن السلف يستنبطون ويستخرجون دقائق المسائل التي إذا عارضت على هؤلاء من المتكلمين لتخبط تخبطًا عظيمًا. وأمر كذلك آخر، وهو أن مسائل أو كتاب الإيمان مسائل الإيمان من المسائل التي يحتاج إليها الإنسان في معرفة ما يجب اعتقاده وما لا يجوز له اعتقاده، ولا سيما كما سمعتم، وأن نقرأ كتاب إمام من أئمة الدين والسنة. فالإنسان يقرأ كما يقال وهو مطمئن البال، وسالم كذلك من العوارض والشواغل التي قد يحدثها المتأخرون ويدسوها في بعض كلامهم ونقولهم وكتاباتهم. وله كذلك فوائد أخرى كثيرة، لعل بعضها يأتي في أثناء القراءة لهذا الكتاب. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا جميعًا على العلم النافع وعلى العمل الصالح. نقرأ ما ذكره العلامة الألباني، رحمه الله تعالى، من ترجمة مختصرة للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، ثم نبدأ في القراءة في الكتاب. قال الشيخ الألباني، رحمه الله تعالى: ترجمة المصنف الإمام ابن سلام، هو أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، الإمام المجتهد، البحر اللغوي، الفقيه، صاحب المصنفات. ولد بخراسان نحو سنة سبع وخمسين ومئة. وكان أبوه عبدًا، لبيعض أهل سمرقند. سمع جماعة من الآئمة الثقات، مثل سفيان بن عيينة، وإسماعيل بن عليا، ويزيد بن هارون، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وحماد بن سالم، وغيرهم. وحدث عنه الإمام إسحاق، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعلي بن عبد العزيز البغوي، ومحمد بن يحيى المروزي، وآخرون. قال الإمام إسحاق بن راهويه: "أبو عبيد أعلم مني وأفقه". وقال أيضًا: "نحن نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا". وهذه العبارات لا تخرج إلا عن صادق وعن مخلص، وأنه يريد العلم لوجه الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله: وقال أحمد بن حنبل: "أبو عبيد أستاذ، وهو يزداد كل يوم خيرًا". وقال يحيى بن معين عنه: "أبو عبيد يسأل الناس عنه". وهذه من أعلى مراتب التعديل، أن يسأل إنسان، ولا سيما مثل يحيى بن معين، عن رجل، فيقال: "يسأل الناس عنه". قال أبو داود: "ثقة مأمون". وقال الحافظ الذهبي: "من نظر في كتب أبي عبيد علم مكانه من الحفظ والعلم". وكان حافظًا للحديث وعلله، عارفًا بالفقه والاختلاف، رأسًا في اللغة، إمامًا في القراءات، له فيها مصنف. قال الخطيب البغدادي: "وكان ذا فضل ودين وستر ومذهب حسن، وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد، والرواة عنه مشهورون". قلت: ومع هذه المناقب والفضائل، فإن الأئمة الستة لم يخرجوا له شيئًا من الحديث، فذلك من الأدلة الكثيرة على أنهم لم يخرجوا لجميع رواة الحديث. قال رحمه الله: توكلت على الله. باب نعت الإيمان في استكماله ودرجاته. أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن معروف، أعني ابن أبي نصر، في داره بدمشق في صفر سنة أربع وعشرين ومئتين. قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن أحمد بن يحيى العسكري، صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام، هذه الرسالة، وأنا أسمع. قال أبو عبيد: أما بعد، فإنك كنت تسألني عن الإيمان واختلاف الأمة في استكماله وزياداته ونقصه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك، وما الحجة على من فارقهم فيه. قوله رحمه الله تعالى: أما بعد، كأنه والله أعلى وأعلم، كأن الناسخة والله أعلى وأعلم حذف كلامًا. إذ أن أما بعد يؤتى بهذه للفصل بين موضوعين، فلعله رحمه الله تعالى حذف المقدمة. فلعله ابتدأ الكلام بالبسملة أو بالحمد لله، كما هي عادة المؤلفين. لأن قوله أما بعد تدل على أنه على أن هناك كلامًا ما ذكر أو سابق. وقوله رحمه الله تعالى: فإنك كنت تسألني عن الإيمان، يسأله هذا السائل، قد يكون هذا التلميذ، وقد يكون غيره. واختلاف الأمة في استكماله وزيادته ونقصه، هذه مسائل. الأولى سألوا عن الإيمان، الثاني عن اختلاف الأمة في استكماله. أي متى استكمل؟ كيف استكمل الإيمان؟ أن الإيمان ما جاء دفعة واحدة، ولكن كان على مراتب وعلى خطوات حتى استكمل. قالوا: وزيادته ونقصانه، يعني كذلك سألوا عن الزيادة والنقص في الإيمان، هل يزيد وينقص؟ قال: وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك. وهذا يدلنا على أن القاسم بن سلام، أبا عبيد رحمه الله تعالى، كان إمامًا من أئمة السنة، ورأسًا من رؤوسها، ومرجعًا من مراجعها. إذ أنه يسأل عن مثل هذه المسألة العظيمة، وطلب منه التفصيل. كأنه يقول: فصل وبين ووضح لي. قال رحمه الله: فإن هذا رحمك الله خطب قد تكلم فيه السلف في صدر هذه الأمة وتابعيها ومن بعدهم إلى يومنا هذا. وقد كتبت إليك بمن تهيأ إليه علمه من ذلك مشروحًا مختصرًا، وبالله التوفيق. إعلم رحمك الله. وقول: فإن هذا رحمك الله، فيه تلطف مع السائل. وهذه طريقة العلماء الربانيين، طريقتهم مبنية على الرحمة. لأن هذه الطريقة الربانية والطريقة النبوية، فإن ربنا تبارك وتعالى وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. رحمة إرسال الله جل وعلا لرسوله رحمة العالمين. وهكذا كل من انتصب للدعوة لما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه كذلك رحمة. واضح أن دعوته إنما هي تبليغ لدعوة الرسول الذي مبنى على الرحمة. وقوله: فإن هذا رحمك الله، فيه إلى جانب ما تقدم، فيه تلطف مع الطالب. وفيه كذلك إشارة إلى أن هذا الدين مبنى على الرحمة، وأن هذا الدين مبنى على الرفق. قال: خطب، أي أمر جلل. قد تكلم فيه السلف في صدر هذه الأمة، أي أن هذه القضية ليست معاصرة أو حديثة، بل قد حصل كلام فيها في العهد الأول، في زمن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين. قال: ومن بعدهم إلى يومنا هذا. ثم قال: وقد كتبت إليك بمن تهيأ إليه علمه. فكأنه يقول: أكتب لك بما علمت. قال: مشروحًا، مختصرًا. ما أدري هل هي الصواب؟ أو ملخصًا؟ قد يكون هذا وقد يكون هذا. قال رحمه الله: اعلم رحمك الله أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين. فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسنة، وعمل الجوارح. وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي التقوى وبر، وليست من الإيمان. ذكر الآن في هذه المسألة أن المعتنين بالعلم لهم في مسألة الإيمان قولان. الأول قال: فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسن، وعمل الجوارح. أي أن الإيمان قول وعمل. واضح أن هذا الإيمان يكون بالقلب، ويكون كذلك بالألسن، ويكون بعمل الجوارح. وهذا هو الحق، كما سيأتي بيانه. والإيمان الصحيح في تعريف الإيمان لغة: أنه التصديق المستلزم للطاعة والانقياد. فليس الإيمان مجرد تصديق، وإنما هو تصديق خاص. كما نبه وبيّن ووضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن القيم رحمه الله. فالإيمان لغة تصديق خاص، إذ أن معنى التصديق المستلزم للطاعة والانقياد. وأما شرعًا، فالإيمان كما عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية كذلك وغيره: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. وهذا هو معنى قول الطائفة الأولى: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسن، وعمل الجوارح. لذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الإيمان حقيقة مركبة من أمرين: من القول والعمل. حقيقة مركبة من أمرين: من القول ومن العمل. من قول القلب وهو الاعتقاد، ومن قول اللسان وهو النطق بالشهادتين. ولا إيمان إلا بهما. والعمل: عمل القلب الذي هو إخلاصه ومحبته وانقياده. ويدخل فيه كذلك أنواع العبادات القلبية: من الرهبة والخشية والتوكل إلى غير ذلك. وعمل الجوارح: كالصلاة والصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأعمال الظاهرة الكثيرة التي تظهر بفعل الجوارح. قال رحمه الله: وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا، وينفيان ما قالت الأخرى. قوله: وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي التقوى وبر، وليست من الإيمان. وكأنه رحمه الله تعالى يشير إلى مرجئة الفقهاء. لأنه وصفهم بأهل علم وعناية بالدين. وهم من أهل العلم، مثل حماد بن أبي سليمان رحمه الله، من أهل العلم، مثل أبي حنيفة، هو كذلك من أهل العلم. وقولهم في الإيمان: أنهم يقولون في الإيمان: أن الإيمان إنما هو مجرد التصديق، يعني القول والتصديق. وأن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان. الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، ولكن يقال: هذا بر، يقال: هذا تقوى، تسمى إيمانًا. وسيأتي بيان أن الحق هو مع أصحاب القول الأول. قال رحمه الله: وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا، وينفيان ما قالت الأخرى. والأثر الذي هو حجتنا في ذلك: اتباع ما نطق به القرآن. فإن الله تعالى ذكره علوًا كبيرًا، قال في محكم كتابه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. وإذا رددنا الأمر إلى محكم الله عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزل به الكتاب، فوجدناه قد جعل بدء الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة عشر سنين أو بضع عشر سنة، يدعو إلى هذه الشهادة خاصة. وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذ سواها. فمن أجاب إليها كان مؤمنًا، لا يلزمه اسم في الدين غيره. وليس يجب عليه زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من شرائع الدين. وإنما كان هذا التخفيف عن الناس يومئذ فيما يرويه العلماء: رحمة من الله لعباده ورفقًا بهم. لأنهم كانوا حديث عهد بجاهلية وجفائها، ولحملهم الفرائض كلها معًا نفرت منه قلوبهم، وثقلت على أبدانهم. فجعل ذلك الإقرار بالألسن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذ. فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها، وبضعة عشر شهرًا بالمدينة بعد الهجرة. فيعلم من هذا أن الإيمان كان في أول الأمر هو مجرد نطق الشهادتين. أول أمر أول بعثة، بل مدة بقاء النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، كان أول الواجبات التي يصير بها الإنسان المؤمن. وإذا ما تدخل جنة أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، خالصًا من قلبه، مستيقنًا بها قلبه. فلما أثاب الناس إلى الإسلام، وحسنت فيه رغبتهم، زادهم الله في إيمانهم. أن صرف الصلاة إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس. قال: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. ثم خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان المتقدم لهم. في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه. فقال في الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. وقال في النهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾. وعلى هذا كل مخاطبة كانت لهم فيها أمر أو نهي بعد الهجرة. وإنما سماهم بهذا الاسم: بالإقرار وحده، إذ لم يكن هناك فرض غيره. فلما نزلت الشرائع بعد هذا، وجبت عليهم وجوب الأول، سواء لا فرق بينها. لأنها جميعًا من عند الله، وبأمره، وبإيجابه. أي صار الجميع كله إيمانًا. وجب عليهم الإيمان به. فلو أنهم عند تحول القبلة إلى الكعبة أبوا أن يصلوا إليها، وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها، لم يكن ذلك مغنيًا عنهم شيئًا. ولكان فيه نقض لإقرارهم الأول. إنسان يقال لهم: حولت القبلة إلى الكعبة، يقول: لا، لن أتغير. هل هذا مؤمن؟ يصلي إلى بيت المقدس، يقول: لن أصلي. يقال: مؤمنًا، لا. يقول: نقض نقض إقراره بذلك. قال رحمه الله: والشهيد على أن الصلاة من الإيمان: قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. وإنما نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم على الصلاة إلى بيت المقدس. فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. كما في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وأرضاه. والشاهد من الآية المذكورة هنا، مع ما ذكر من سبب نزولها: أن الله تبارك وتعالى سمى الصلاة إيمانًا. قالوا: يا رسول الله، ما بال إخواننا ممن مات قبل ذلك؟ كيف صلاتهم؟ كيف؟ هل أعمالهم صحيحة؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أي صلاتكم إلى بيت المقدس. فدل على أن الصلاة من الإيمان، وتسمى إيمانًا. وهي عمل وليست بعمل، عمل وسماها الله جل وعلا إيمانًا. فدل على أن الصلاة، وهي من الأعمال من أعمال الجوارح الظاهرة، هي من الإيمان. فدل على أن أعمال الجوارح من الإيمان، كما هو ظاهر. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة. وقبل أن ننتهي، ننبه على فائدة لطيفة في مسألة النسخ، ومسألة تصحيح الكتب. الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر قوله: والشهيد على أن الصلاة إلى آخره، قال: كذا في الأصل. وفي المواطن الآتية والشاهد، ولعله الصواب هنا، بدليل قوله بعد سطور: فأي يشاهد. فنستفيد من هذا أن الإنسان إذا وجد خطأ في أصل المخطوط الذي ينسخه ويبينه ويرد طباعته، فإنه لا يثبت الصواب من عنده في الأصل. لكن يبينه في الحاشية، يقول: هكذا في المخطوط، والأظهر كذا وكذا، والصواب كذا وكذا. حتى لا يكون أدخل من كلامه في كلام من كلام ذلك الإمام. ولا سيما أن أحيانًا يكون خطأ من تصور الكاتب أو الناسخ، لا من أصل الكلام، يكون صوابًا مع ما في الأصل المخطوط. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على