الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 77، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد على أهمية تواضع المعلم والطالب في طلب العلم، ويبين ضرورة انقياد الطالب لمعلمه كما ينقاد المريض لطبيب حاذق.
يؤكد على ضرورة أخذ العلم من العلماء الأكفاء ويحذر من أخذه من غير المؤهلين، مشيراً إلى أهمية معرفة الفنون الشرعية لدى المعلم.
يُنبه إلى خطورة التخصص الضيق في علم معين دون الاهتمام بالعلوم الأخرى، ويبين كيف أدى ذلك إلى انحراف بعض العلماء نحو البدع.
يذكر بعض الصفات التي يجب أن يتحلى بها القاضي، مثل الدراية والدين والخلق الجميل والدهاء الصحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد. قال الإمام النووي رحمه الله: ينبغي له أن يتواضع للعلم والمعلم، تواضعًا للعلم وللمعلم، فبتواضعه يناله. وقد أمرنا بالتواضع مطلقًا، فهنا أولى. الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين». فالمعلم مطالب بالتواضع للطلبة، والطلبة أيضًا يتواضعون لمعلمهم، فبذلك يحصل الخير ويحصل أيضًا الفائدة. لكن إذا وجد الاستكبار من أحدهما، فقد تحرم الفوائد. قالوا: «العلم حرب للمتعالي، كالسيل حرب للمكان العالي». أن السيل لا يبلغ المكان العالي، فكذلك العلم لا يبلغه المتعالي. فالعلم كالسيل، فإذا تعالى عليه الإنسان لا يبلغه. قالوا: ينقاد لمعلمه، ويشاوره في أموره، ويأتمر بأمره إذا كان في خير. إذا مشاوره فأشار إليه بأمر، فغالبًا يأتمر بأمره. وليس المراد أنه يتبع عواره. قال: كما ينقاد المريض لطبيب حاذق ناصح، وهذا أولى لتفاوت مرتبتهما. إذا جاء الإنسان إلى طبيب، وهذا الطبيب حاذق في تخصصه، وكذلك عرف بنصحه، لا شك أن المريض إذا أراد الخير لنفسه وأراد العافية بإذن الله جل وعلا، تجده يطبق ما يقوله هذا الطبيب، يطبقه بحذافيره. وكذلك أيضًا إذا كان الطالب فيه شيء من الأمور التي يحتاج إلى مساعدة من معلمه، سواء كان في العلم أو في السير إلى الله أو في غيرها من هذه الأمور التي هي أمور الخير، يريد أن يوجه التوجيه من معلمه وشيخه، فلهذا ينبغي عليه أن ينقاد لهذه الأشياء التي يعطيه إياها، فإنما هو ناصح له، وهو خير من هذا الطبيب الحاذق الذي ينصح. فلا شك أن العالم والشيخ أنصح منه لطلابه، لأن غالبًا الشيخ أو العالم يريد وجه الله، وهو ينصح لله. وأما الطبيب فقد ينصح لله، وقد ينصح لغير الله، أقصد أنه ينصح فقط لمكانه في ذلك المكان، وهو أنه طبيب. لكن العالم ما ينصح إلا لله عز وجل، يعلم أن هذا الأمر لله، فيدعو لله عز وجل. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. فالعالم الناصح والعالم الرباني ينصح لله، لا ينصح لأجل نفسه أو لأجل حزبه أو لأجل غرض من أغراض الدنيا، وإنما ينصح لله عز وجل، يريد للناس الخير. قالوا: ولا يأخذ العلم إلا ممن كملت أهليته. وهذه الأمور تحتاج إلى أكثر تفصيل، لكن حتى لا يطول علينا الكلام، فنختصر. قالوا: ولا يأخذ العلم إلا ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته وسيادته. فقد قال ابن سيرين ومالك وخلائق من السلف: «هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». فأعظم شيء أنه أولًا ينظر إلى عقيدته، فإن كانت عقيدته صحيحة أولًا يطمئن من هذا الباب، ثم ينظر إلى أهليته في التدريس وأخذ العلم، ومن أين أخذه؟ لأن بعض ممن يتصدر تجد أنه لم يأخذ العلم حقًا أو لم يأخذ العلم من منابعه، وإنما هي فوائد من هنا وهنا. وغالب هؤلاء تجد أنه يفسد كثيرًا. معنى الذي يهجم على العلم هجومًا ولا يأتي من أبوابه، فغالبًا يفسد. فتجد يتصدر بدون أن يكون من أهل الصدارة، وكذلك أيضًا يتكلم في مسائل لا يكون له فيها إمام، وكذلك أيضًا يكثر الشذوذ عنده. وهذا قد رأيناه مجربًا في أناس لم يتعلموا هذا العلم، وإنما أخذوه من أشرطة، وكان عندهم وعظ، وعظوا إسيرًا، فعظمهم الناس، فظنوا أنهم أهل علم، وليس معهم أصول العلم. فلهذا أفسدوا كثيرًا من طلبة العلم ممن اغتر بهم، حتى بعضهم الآن أصبح عاميًا. كان له علم، ويرد ويفتي، الآن أصبح عاميًا، حتى لا يتعلم، ولا عنده حلقة علم، وإنما يجلس في المقاهي... وهذا غالبًا يأتي من هؤلاء الذين لا يأخذون العلم من أبوابه. لكن الإنسان إذا حسنت نيته ولم يجد من يعلمه، فاجتهد، فهذا لا شك أن الله عز وجل يوفقه. أما أن يكون العلماء عندك وأنت تستكبر، لا تذهب إليهم، ولا أيضًا تسألهم، فهذا هو الذي أفسد كثيرًا من طلبة العلم أو ممن يحب العلم، لكنه لم يأتي العلم على الطريق الصحيح. فلهذا طالب العلم يأخذ العلم ممن كملت أهليته، درس هذه الأمور وعرفها، وظهرت ديانته، ولم يعرف بفسق ظاهر. وتحققت معرفته، أي لهذا العلم، واشتهرت صيانته وسيادته. وهذا الكمال عمن أراد الكمال عند هؤلاء الأئمة وهؤلاء العلماء. فإن لم يجد، فيأخذ ممن أخذ منهم، ممن أخذ منهم، وسار على منوالهم. والعلم إنما هو يؤخذ بالأول فالأول، والناس تتابع عليه. قال: ولا يكفي في أهلية التعليم أن يكون كثير العلم، بل ينبغي مع كثرة علمه بذلك الفن كونه له معرفة في الجملة بغيره من الفنون الشرعية، فإنها مرتبطة. لا يكون مثلًا يأخذ علم ويترك العلوم الأخرى. وهذا أيضًا قد غالبًا يفسد دينه. ولهذا انظروا إلى أهل اللغة، أهل اللغة الذين اهتموا باللغة كثيرًا ولم يهتموا بالعلوم الأخرى، أكثرهم على غير الطريقة الصحيحة، إما معتزلة وإما شعراء وإما كذا، بسبب أنهم لم يأخذوا الطريقة الصحيحة. كذلك حتى بعض الفقهاء، بل كثير من الفقهاء ممن اختصوا في الفقه ولم ينظروا إلى العقيدة، ولا نظروا إلى الأصول الصحيحة عن السلف، ولا حرصوا عليها، فغالبًا تجدهم مع أهل البدع، ويؤيدون أهل البدع، وتدخل عليهم البدع، وهم لا يبالون. ولهذا دخل بعض حتى في الشرك. فقيه وله فقه عظيم، وله أناس يأخذون بكتبه، لكن تجده في مسألة القبور مثل العامي، لأنه يأخذ دينه في مثل هذه الأمور من العوام. بل ويحشد الأدلة على أن هذا صحيح، يبحث عن قصص ويبحث عن كذا، لأجل أن يصحح هذا المفهوم الذي هو بعيد عن دين الله جل وعلا، بل هو مضاد لدين الله. ولهذا تجد كثيرًا من فقهاء الحنفية ماتريدية، فقهاء أيضًا كذلك، عندهم من مسألة القبورية كثير. كذلك من علماء الشافعية، خاصة من المتأخرين، تجد أنهم غلوا في هذا الباب في مسألة القبورية والتعظيم لأهل القبور. حتى من يشار إليهم بالبنان في مذهب الشافعي، تجد أنهم انحطوا إلى هذه المرتبة بسبب أنهم لم يهتموا بهذا الباب. وكذلك أيضًا في مذهب المالكية، خاصة انتشر فيه مذهب الأشاعرة. وإلا فأصولهم أصول مالك، التي هي أصول الشريعة التي تنفي البدع. ولهذا تجد مسألة البدع عند المالكية أقل. وإن كان الآن دخل أكثر هؤلاء العوام، بل ممن له علم، دخل في هذه البدع وأثبتها. وإلا أصول مالك التي مشى عليها أصحابه، كما في المدونة وغيرها، أنه ينفي مثل هذه البدع. بل كان مالك أشد الناس إنكارًا للبدع. ولهذا تجد نصوصًا كثيرة في كتاب البدع لابن وضاح عن مالك. وابن وضاح يعتبر من أئمة المالكية، وكذلك الشاطبي مالكي أيضًا، وتكلم في البدع. كذلك أيضًا غيرهم من أئمة المالكية، لأنه كما قلنا أصول مالك فاستمروا في إنكار البدع. قال: وليكن في أهلية التعليم أن يكون كثير العلم، بل ينبغي مع كثرة علمه بذلك الفن كونه له معرفة في الجملة بغيره من الفنون الشرعية، فإنها مرتبطة. ويكون له دربة ودين ولعل قربة ودين وخلق جميل ودهاء صحيح واطلاع تام. فهذا بعض الأمور التي ذكرها المؤلف رحمه الله، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.