الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 289، ألقاها
يشرح أهمية المساجد في نشر العلم وتعليم الناس أمور دينهم، ويبين حرص النبي على الاجتماع في المساجد وتعليم أصحابه. يحذر من كثرة الكلام والتكلف في الخطابة.
شرح حديث النبي حول الحمد والثناء على الله، وبيان سبب غضبه لما سمع كلمات غير صحيحة في الثناء على الله. كما تطرق إلى حكم التمني وجوازه في الأمور الخيرية.
يتناول تمني الإنسان للأمور المحمودة مثل مال أو علم ينفعه في الخير، ويستشهد بحديث النبي عن الحسد في اثنتين. كما يشرح أنواع التمني ومشروعية الحراسة للأفراد الفاضلين والحكام.
ورد في سنن الترمذي أن حراسة النبي كانت قبل نزول آية العصمة، وبنزولها أصبح النبي معصوما من الناس ولم يحتج إلى حراسة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن حمد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عاصم بن كليب، قال: حدثني سهيل بن ذراع، قال: سمعت أبا يزيد -أو معاوية بن يزيد- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتمعوا في مساجدكم، فكلما اجتمع قوم فليؤذنوني»، فأتانا أول من أتى، فجلس، فتكلم متكلم منا، ثم قال: «إن الحمد لله الذي ليس للحمد دونه مقصد، ولا وراءه منفذ»، فغضب، فقام، فتلاومنا بيننا، فقلنا: أتانا أول من أتى، فذهب إلى مسجد آخر، فجلس فيه، فأتيناه، فكلمناه، فجاء معنا، فقعد في مجلسه -أو قريبا من مجلسه- ثم قال: «الحمد لله الذي ما شاء جعل بين يديه، وما شاء جعل خلفه، وإن من البيان لسحرا». ثم أمرنا وعلمنا. هذا الحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وقد ذكره الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب، باب كثرة الكلام. ومر معنا قول عمر رضي الله عنه: «إن كثرة الكلام في القول من شقاشق الشيطان»، ويراد به التكلف والمبالغة في الكلام حتى يقع في شيء من الكذب أو الباطل، مما هو من سبيل الشيطان، فإن مثل ذلك مذموم. وقد كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام في الخطب، وخاصة في خطبة الجمعة، كان من هديه التقصير والتخفيف، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة». والحديث في مسلم. وقوله: «مئنة من فقهه»، أي: دليل على فقهه. وأما في غير خطبة الجمعة، فقد يحتاج الأمر إلى التطويل. وقد أطال النبي عليه الصلاة والسلام مرة الخطبة في أصحابه، فتكلم معهم بعد الصبح إلى الظهر، وصلى بهم الظهر، ثم خطبهم إلى العصر، وصلى بهم العصر، ثم خطبهم إلى غروب الشمس، حتى قال الراوي: ما ترك شيئا عليه الصلاة والسلام إلا أذكره لنا. فقد يحتاج المقام إلى التطويل، لكن لا يكون فيه شيء من التكلف. وكذلك أيضا شقشقة الكلام التي ينهى عنها. وفي هذا الحديث حث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يجتمعوا في مساجدهم، وإذا اجتمعوا أن يؤذنوا، أن يعلموه بأنهم قد اجتمعوا، فيأتيهم ويعلمهم عليه الصلاة والسلام. في هذا بيان أهمية المساجد، وما لها من أثر عظيم في نشر هذا الدين، ونشر العلم، وتعليم الناس أمور دينهم. فهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يهتم بهذا الأمر العظيم، نشر العلم وتعليم العلم في المساجد. وعلى هذا سار أهل السنة والجماعة، بالاهتمام بأمر العلم وبثه في بيوت الله سبحانه وتعالى، اقتداء به عليه الصلاة والسلام. وصار هذا الأمر علما ظاهرا من علامات أهل السنة، أنهم يهتمون بالعلم. فحثهم النبي عليه الصلاة والسلام على الاجتماع في مساجدهم، ثم يأتيهم فيعلمهم عليه الصلاة والسلام. فأتى إلى أول مسجد، فجلس، فتكلم متكلم منهم، فقال: «إن الحمد لله الذي ليس للحمد دونه مقصد، ولا وراءه منفذ»، فغضب، فقام -أي غضب النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع هذه الكلمات- فخرج. قال: فتلاومنا بيننا -يعني لام بعضهم بعضا- ما هو السبب الذي جعل النبي عليه الصلاة والسلام يغضب فيخرج؟ فذهب إلى مسجد آخر عليه الصلاة والسلام، فأتوه، فكلموه، ثم رجع إليهم، وجلس عليه الصلاة والسلام في مسجدهم الأول، ثم قال: «الحمد لله الذي ما شاء جعل بين يديه، وما شاء جعل خلفه، وإن من البيان لسحرا». وغضب النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع قول المتكلم الأول: «إن الحمد لله الذي ليس للحمد دونه مقصد، ولا وراءه منفذ». فهذه الكلمات فيها قصور، فهو جعل الحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى هو المقصد، وهو المراد من الثناء على الله عز وجل. ولا شك أن هذا أمر ليس بصحيح. فالحمد هو الثناء على الله عز وجل مع المحبة والتعظيم. فقولك: الحمد لله، أي: كل المحامد لله سبحانه وتعالى. فقوله: «ليس للحمد دونه مقصد»، ليس للحمد دونه مقصد، أي: ليس هناك قصد إلا الحمد، ليس هناك قصد إلا الحمد والثناء على الله. ولا شك أن هذا قصور في المعنى. فالله عز وجل يحمد لكماله جل وعلا، فهو الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته. ويحمد جل وعلا لعظيم إنعامه وفضله. وكذلك يقصد من الحمد لله عز وجل والثناء عليه التقرب لله سبحانه وتعالى، والتعبد لله عز وجل بذلك. وكذلك بيان كمال المحبة والتعظيم لله جل وعلا، المقتضية لعبوديته وطاعته. فقام النبي عليه الصلاة والسلام لما سمعنا، فخرج، ثم رجع، ثم قال: «الحمد لله الذي ما شاء جعل بين يديه، وما شاء جعل خلفه، وإن من البيان لسحرا». وقوله: «وإن من البيان لسحرا»، قد تكلمنا على هذا في الأحاديث التي قد مضت في الباب السابق، باب: «إن من البيان لسحرا». ثم أمرنا وعلمنا -أي أمرهم نبي عليه الصلاة والسلام وعلمهم ما يحتاجون له في أمور دينهم-. قال: باب التمني. قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة، يقول: قالت عائشة: أرق النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال: «ليت رجلا صالحا من أصحابي يجيئني فيحرسني الليلة». إذ سمعنا صوت السلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد، يا رسول الله، جئت أحرسك. فنام النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه. هذا الباب باب التمني، أي: يجوز ما يذكر في هذا الباب، أو هل يجوز التمني أن يتمنى الإنسان شيئا من الأشياء أو أمرا من الأمور؟ والتمني إرادة ما يتعلق بالمستقبل، أو إرادة تتعلق بالمستقبل، يتمنى شيئا أن يقع له في المستقبل. والتمني إن كان في أمر خير فهو محمود، وإن كان في أمر شر أو ما يخالف الشرع فهو مذموم. فالتمني قد يكون محمودا، وقد يكون مذموما. فإذا تمنى الإنسان مثلا أن يكون له مال كمال فلان الذي ينفقه في وجوه الخير وفي وجوه البر، فهذا أمر محمود. أو يتمنى أن يكون له مثل علم فلان الذي يتقرب به إلى الله، ويعلم الناس وينشره بين الناس، فهذا محمود. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله علما فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار». فهذا من المحمود. وهكذا ما كان بمعنى ذلك مما هو من أمور الخير، فهذا محمود. وقد يكون مكروها، وقد يكون محرما. كتمني الموت، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمنى الإنسان الموت؛ لأنه إذا مات انقطع عمله، والإنسان يحتاج إلى أن يستغل حياته بالطاعات والقربات التي تقربه إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا لا تتمنى لقاء العدو، هذا مما يكره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية». وهكذا قد يكون محرما، كما فيه معنى الحسد، ما فيه معنى الحسد، يتمنى أن يكون عنده مال فلان، ليس مثله، بل هو الذي عنده أن ينتقل إليه، هذا هو الحسد المحرم، فهذا أمر محرم. فقد يكون التمني مباحا، وقد يكون في أمر خير، وقد يكون مكروها أو محرما. وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: أرق النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة -يعني سهر، كما جاء في رواية أخرى: سهر عليه الصلاة والسلام وتعب- فقال: «ليت رجلا صالحا من أصحابي يجيئني فيحرسني الليلة». تمنى النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي أحد أصحابه فيحرسه حتى ينام، وهو مطمئن عليه الصلاة والسلام. قالت: إذ سمعنا صوت السلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد، يا رسول الله، جئت أحرسك. فنام النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه. فهذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام تمنى، ووقع له ما تمنى عليه الصلاة والسلام، فدل على جواز التمني إذا كان في أمر خير. وفيه كذلك فضيلة لسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليت رجلا صالحا من أصحابي يجيئني»، فجاء سعد، وجاء سعد رضي الله تعالى عنه. وفيه كذلك مما ينبغي أن يكون عليه المسلم أن يأخذ بالحذر، وإن احتاج إلى حراسة فإنه يحرس، إذا كان يخشى من عدو أن يغتاله أو يضره، فينبغي أن يتخذ الحراسة. وهي كذلك من الأعمال الفاضلة والأعمال الحسنة، ودليل على صلاح من يقوم بها. وكذلك أيضا حراسة أهل الفضل، حراسة أهل الفضل، وكذلك السلطان والحاكم، وما كان بمعناهما، ممن يخشى أن يعتدى عليهم، فيجوز أن تتخذ لهم الحراسة حتى لا يصيبهم أحد بسوء. وكذلك أيضا فيه أن اتخاذ الحراسة لا ينافي التوكل. فالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو أعظم المتوكلين عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لما احتاج إلى الحراسة اتخذها. فهي من الأخذ بالأسباب. وقد ورد في سنن الترمذي أن ذلك كان قبل نزول القول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، فلما نزلت هذه الآية لم يحتاج النبي عليه الصلاة والسلام إلى حراسة.