التعليق على كتاب العلم  31

التعليق على كتاب العلم 31

الدرس في التعليق على كتاب العلم 31، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الكبر: تعريفه وآثاره المدمرة على طالب العلم

يشرح المقطع معنى الكبر بأنه رد الحق واحتقار الناس، ويبين كيف يفسد قلب طالب العلم من خلال سوء الأدب مع المعلم واستنكاف الأخذ عمن هو دونه. ويؤكد أن طالب العلم الحق يقبل الحق من أي مصدر كان.

التواضع في طلب العلم: جواز الأخذ من الأقران وذم الاستكبار

يبين المقطع جواز أخذ العلم من الأقران ومَن هو دون الطالب في المرتبة، ويذم استكبار الطالب عن قبول الحق ممن دونه معتبرًا ذلك عنوان حرمان. ويشبه العلم بالغيث الذي لا يستقر على المكان العالي، ويذكر أن علاج الكبر يكون بالإخلاص والتواضع مستشهدًا بفعل عبدالله بن سلام.

التواضع سمة العلماء الصالحين ووسائل علاج الكبر العملية

يوضح المقطع أن التواضع هو دأب العلماء الصالحين الذين يخفون أعمالهم إخلاصاً لله، مستشهداً بآيات قرآنية وأقوال الشعراء في ذم الكبر ومدح التواضع. ويذكر وسائل عملية لعلاج الكبر منها معرفة قدر النفس مقارنة بالسلف ومجالسة أهل العلم والفضل.

التواضع والاعتراف بالتقصير: مواقف العجز ودروسها

يشير المقطع إلى أن المواقف التي يعجز فيها الإنسان عن الإجابة تعلمه التواضع، وأن علمه محدود مهما برز. ويؤكد أن الاعتراف بالتقصير أمام الإخوان يدفع إلى البعد عن الكبر والتواضع لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم"، وفي الفصل الثاني: "أخطاء يجب الحذر منها"، فذكر منها أولًا: الحسد، ثم الإفتاء بغير علم، ثم ثالثًا قال رحمه الله: "ومنها الكبر". وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأجمع التفاسير وأبينه وأوضحه، فقال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». وبطر الحق هو رد الحق، وغمط الناس يعني احتقارهم. هذا هو تفسير الكبر. فإذا دخل الكبر في قلب طالب العلم فإنه يفسده ويصرفه عن طلب العلم. فهذا هو الكبر، ومعنى بطر الحق: أي رد الحق. يأتيه الحق واضحًا بينًا من الكتاب والسنة فيرده، إما عنادًا، وإما ترفعًا بعدم اعترافه بتقصيره وكذلك جهله، أو إلى غير ذلك من الأسباب التي بها يرد الحق. وكذلك غمط الناس: يعني احتقار الناس، يزدر الناس ويستصغر الناس لما أعطاه الله من العلم، فيرى نفسه رافعًا، وكذلك يرى نفسه فاضلاً على غيره، فيدفعه ذلك الأمر إلى احتقارهم وازدرائهم. ولذلك مثّل الشيخ هنا بصور من صور الكبر، قال: «ومن الكبر يا...» ومن هنا للتبعيض، يعني من أمثلة الكبر: يا أردُّك على معلمك والتطاول عليه وسوء الأدب معه. فإن الطالب لا يرد على معلمه بسوء أدب وتطاول إلا لما يرى من نفسه أنه أرفع، وأنه أعلم، وأنه أذكى، أو إلى غير ذلك، فيدفعه هذا الكبر والعياذ بالله إلى الرد على المعلم. وليس معناه، وليس معناه أن المعلم إذا أخطأ لا يُرد عليه، بل يُرد على المعلم إذا أخطأ، ولكن بأدب واحترام وسِرّ وأسلوب حسن. تأتي عند المعلم الذي أخطأ في مسألة ما وتقول له: قرأت، أو مثلاً تعلمت، أو إلى غير ذلك، أن الصواب في هذه المسألة كذا وكذا، فلو تراجع المسألة فإنه سيفرح بذلك ويشكرك على ذلك. لكن مراد الشيخ في الرد على المعلم بالتطاول وسوء الأدب والمقاطعة أثناء الدرس وأثناء إلقاء الشيخ للدرس، فهذا من سوء الأدب. قال: وأيضًا يعني من أمثلة الكبر لطالب العلم: استنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء. ويريد بهذا أن المتكبر يستنكف، يعني يتكبر ويترفع من أن يأخذ العلم ممن هو دونه في العلم، وإن كان هذا العلم لا يعلمه ولا يفهمه. فإذا أتاه العلم ممن هو دونه فإنه يرد هذا العلم بكبرياء وغطرسة وترفع، فهذا أيضًا من أمثلة الكبر. وطالب العلم الحق ضالته، طالب العلم الحق ضالته يقبلها ممن جاء بها إليه، ولو كان دونه في العلم. فإن الشخص قليل البضاعة، كثير الجهل، فلا يمنع أن يكون عند من هو دونك من العلم ما ليس عندك. ما ليس عندك فلا تستكبر وتقول: هذا كيف أقبل منه وهو أتى بعدي في طلب العلم، وهو أصغر مني سنًا، وهو كذلك... ماذا حديث الطلب، أو إلى غير ذلك. ولذلك جاء عن بعض السلف أنه قال: «لا ينبل الرجل»، يعني لا يكمل ولا يكون نبيلًا، «لا ينبل الرجل حتى يأخذ العلم عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه». لا يمنع أن تأخذ العلم من أقرانك ممن هو مثلك في الطلب، وأنتم تعلمون في علم الحديث أن هناك رواية يقال لها: رواية الأقران، يروي الأقران بعضهم عن بعض. وكذلك لا يمنع الطالب أن يأخذ العلم ممن هو دونه، ممن هو دونه. قال: وهذا يقع لبعض الطلبة، إذا أخبره أحد بشيء وهو دونه في العلم استنكف ولم يقبل، وهذا من الكبر كما تقدم. قال: «وتقصيرك عن العمل بالعلم عنوان حرمان»، نسأل الله العافية. فأنت ماذا تريد من طلب العلم؟ تريد العمل. فإذا تأخذ العلم، ولو أتاك ممن هو دونك، فإذا لا تعلمها فأتتك جاهزة تقبلها، لأن هذه ضالتك. وهذا من علامات الإخلاص، ومن علامات التوفيق. وأما من لم يقبل العلم ممن هو دونه، فهذا عنواني - والعياذ بالله - سوء القصد وحرمان العلم وحرمان العلم. قال: نسأل الله العافية. وفي هذا يقول القائل: العلم حرب للفتى المتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي ومعنى البيت: أن الفتى المتعالي، يعني المتكبر المترفع الذي يرد الحق ويغمط الناس ويحتقرهم ويزدريهم، أن الفتى المتعالي لا يمكن أن يدرك العلم، لأن العلم حرب له، كالسيل حرب للمكان العالي. لأن المكان العالي ينفض عنه السيل يمينًا وشمالًا ولا يستقر عليه، كذلك العلم لا يستقر مع الكبر، والعلوم، وربما يسلب العلم بسبب ذلك. فهذا تشبيه بليغ، شبّه المتكبر المتعالي بالمكان العالي الذي يأتيه السيل فلا يستقر فيه السيل. والسيل هنا غيث حسي، السيل غيث حسي، لأن هذا المكان عالي يمر منه السيل فينزل عن جنبتيه ولا يستقر فيه. وكذلك المتكبر يأتيه العلم ولكنه لا يستقر، هذا العلم والعلم غيث معنوي. وقد شبه النبي عليه الصلاة والسلام ما بعثه الله به من الهدى والعلم بالغيث، قال: «إن مثل... ومثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل غيث أصاب أرضًا»، حديث أبي موسى. فهذا هو معنى قول القائل: العلم حرب للفتى المتعالي، كالسيل حرب للمكان العالي. وما هو علاج الكبر ممن ابتلي بشيء من ذلك؟ أعظم علاج للكبر: الإخلاص. فإن من كان قصده من طلب العلم التقرب إلى الله ونيل مرضات الله وتزكية النفس ورفع الجهل عن نفسه ثم عن غيره، فبهذه النوايا والمقاصد الحسنة يتغلب الشخص على الكبر، فيقبل العلم ممن أتى به، ويعلم تقصيره، ويعلم كذلك ضعفه، فلا يزدري غيره، ولا يبغي على غيره، ولا كذلك يتكبر على غيره، ولا يفخر على غيره، فتراه متواضعًا لأن قصده نيل مرضات الله. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». فالتواضع هو من شأن أهل العلم والإخلاص، ومن يرجو رحمة الله وجنة الله. ولقد كان السلف الصالح رحمهم الله يربون أنفسهم على التواضع ودفع الكبر، فجاء عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه أنه خرج إلى السوق فأخذ حزمة من حطب فوضعها على ظهره، فاستغرب الناس، وكان ميسور الحال لا يحتاج إلى مثل هذا العمل، فقيل له: تفعل ذلك وأنت في غنى عنه؟ قال: نعم، أفعل ذلك حتى أقمع الكبر، حتى أقمع الكبر. أراد أن يعود نفسه على التواضع ولا يزدري غيره ممن يعمل ويحترف بهذه الحرفة، فأراد أن يعود نفسه على التواضع. وهكذا العلماء كانوا لا يظهرون أعمالهم حتى لا يقع في شيء من الكبر ومن الرياء والعياذ بالله، فكانوا يخفون أعمالهم، فهذا دليل الإخلاص، وهذا دليل الإخلاص. فالتواضع هو شأن عباد الله المؤمنين الذين يريدون الله والدار الآخرة، كما وصفهم الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، في تواضع وفي خفض الجناح للمؤمنين، كما أمر الله عز وجل نبيه بذلك: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ما كان العلماء يستترون عن الناس، ولا يجالسون الناس، ويترفعون أبدًا. كان العلماء ينزلون للناس، ويذهبون مجامع الناس، ويعرضون علمهم ودعوتهم، وهذا من تواضعهم. ما قالوا: نحن العلماء، ونحن الأتقياء، ونحن الزهاد، فاحتجبوا عن الناس أبدًا. وهذا من تواضعهم، وهذا من تواضعهم. فالمتواضع وإن كان عنده من العلم، وعنده من الزهد والتقى، إلا إنه ينزل للناس ويتواضع. تواضع. ولقد صدق من قال: تواضع تكون كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... إلى طبقات الجو وهو وضيع فالدخان تجده يتصاعد، يرتفع، ربما يصل إلى السحاب، والناس يتأففون منه، هو وضيع في أعين الناس، وهو يظن نفسه ما شاء الله، يرتفع، يصعد. هذا هو حال المتكبر، يصعد، يصعد، وهو في حقيقة الأمر عند الناس وضيعًا. والمتواضع مثله كمثل النجم، النجم تجده عالٍ، أو تجده عاليًا في السماء، ولكنه يبدو على صفحات الماء إذا وجد ماء في الأرض، فتجد هذا النجم نوره يتلألأ في صفحات هذا الماء، فهو عندك قريب منك مع أنه مرتفع. فهذا حال المتواضع، عنده من العلم، وعنده من الخير، ومع هذا تجده قريبًا من إخوانه، متواضعًا بطلابه، رحيما بجيرانه. فكل ذلك من علامات التواضع، من علامات التواضع. وهكذا من الأسباب التي تعين على القضاء على الكبر: أن تعلم حقيقة نفسك أيها الإنسان، مهما بلغت من العلم، ومهما بلغت من الزهد، ومهما بلغت من التقى، ومهما بلغت من الحفظ والذكاء، فماذا تسوى عند من سبقك من العلماء الأجلاء؟ من الإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ولا أئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة الهدى ومصابيح الدجى؟ إذا حفظت مئة حديث، فالعلماء قد حفظوا ألف ألف حديث، فمن أنت؟ اقرأ في سير العلماء حتى تعرف قدر نفسك. لا تقتر بكثرة حفظك، ولا كذلك بكثرة دروسك، ولا بقوة حافظتك، فاعرف قدر نفسك، فإن كنت كذلك فسيعينك هذا الأمر بإذن الله عز وجل على ترك الكبر، وعلى التواضع لإخوانك، وكذلك خفض الجناح لهم. وهكذا مما يعين على القضاء على الكبر: مجالسة الإخوان، مجالسة الإخوان. فإن الإنسان ربما يظن نفسه شيئًا وهو لا شيء، إذا جلس مع من هو أحفظ منه، إلى من هو أحفظ منه، وإلى من هو أعلم منه، وإلى من هو أفقه منه. فأكثر من مجالسة طلاب العلم، ومذاكرة إخوانك طلاب العلم. ربما أحيانًا تعرض المسألة، فالكل عنده جواب إلا أنت، تعلم نفسك التواضع، وأن بضاعتك مزجاة، وإن برزت في فن أو في علم من العلوم، لكن تعترف بتقصيرك أمام إخوانك، فهذا يدفعك إلى البعد عن الكبر والتواضع لله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر