كتاب المعاملات 17

الدرس في كتاب المعاملات 17، ألقاها

مفهوم القرض ومشروعيته في الإسلام

القرض هو دفع مال لمن ينتفع به على أن يرده مثلَه، وهو مشروع بالإجماع لما فيه من تعاون وتكافل بين المسلمين. حث الشرع على القرض لما فيه من معاني الأخوة الإيمانية.

أدلة مشروعية القرض والتعاون بين المسلمين

القرآن والسنة يحثان على التعاون وإعانة المسلمين لبعضهم، مستندين إلى أدلة مثل قوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وأحاديث نبوية تشجع على التراحم والتكافل. القرض يعتبر من أشكال هذه المعاونة.

آداب وفضل القرض في الإسلام

الإسلام يحث على آداب القرض مثل إعطاء المقترض أفضل مما أخذ إذا كان ذلك ممكنًا، والوفاء بالقرض في وقته. القرض يعتبر نوعًا من الصدقة والإحسان الذي له أجر كبير عند الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم إنه بعد، الباب الثالث في القرض، وفيه مسألتان. المسألة الأولى في تعريفه، أي في تعريف القرض وأدلة مشروعيته. القرض دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، أي يرد بدل ذلك المال الذي انتفع به. وقوله: «المال» لفظ عام يدخل فيه كل ما يكون داخلًا في هذا المعنى، أي قد يكون الدين لشيء من النقد، وقد يكون لغير ذلك. قد يكون لغير ذلك، قد يقترض إنسان من إنسان -مثلًا على سبيل المثال- أرزًا أو غير ذلك من الأشياء التي يحتاجها الناس في أمورهم. قالوا: وهو مشروع، ويدل عليه عموم الآيات القرآنية والأحاديث الدالة على فضل المعاونة وقضاء حاجة المسلم وتفريج كربته وسد فاقته. وأجمع المسلمون على جوازه. والملاحظ أنهم بوّبوا بهذا الباب بعد باب الربا، وفي هذا لمحة لطيفة وإشارة كذلك دقيقة إلى أن الربا حرم لما فيه من معنى الظلم وحب النفس وأكل المال وما شابه ذلك. وفي المقابل، الشرع فتح وحث على القرض، أن يقرض المسلم أخاه المسلم إن احتاج إليه. والأدلة في ذلك كثيرة، أي في فضل إقراض المسلم لأخيه المسلم. قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، والآيات في ذلك كثيرة. فالله جل وعلا حث على هذا المعنى لما فيه من معنى الأخوة الإيمانية، ولما فيه كذلك من معنى التراحم والتعاطف والتواد فيما بين أهل الإسلام، وكذلك لما فيه من معنى تفريج الكربات عن أهل الإسلام. وأدلة تفريج الكربات وأدلة إعانة الأخ لأخيه وما شابه ذلك كثيرة، ومنها الآية العامة والقاعدة العظيمة، وهي قول الله جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وهذا من البر، وهذا من التقوى؛ لأن فيه معاني البر والإحسان والخير. وهذه الأمور مطلوبة شرعًا. وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال: «من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة». والجزاء من جنس العمل. والله جل وعلا كريم، والله جل وعلا ذو الفضل العظيم. والله جل وعلا يعطي العبد خيرًا مما أعطى بكثير، بكثير. ولذا -كما سمعتم- أن الشرع حث حثًا عظيمًا بليغًا على إعانة المسلمين فيما بينهم. ومن هذه الإعانة والتعاون أن يعين المسلم القادر أخاه المسلم إن احتاج إليه في دين أو في أمر. ومن هذا الباب، قالوا: وتفريج كربته وسد فاقته. وأجمع المسلمون على جوازه، أي على جواز القرض، بل وعلى الحث عليه واستحبابه؛ لدلائل كثيرة تدل على ذلك، وسيأتي شيء منها. قالوا: روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكرًا -والبكر الفتي من الإبل-، فقدمت عليه إبل الصدقة، فأمر أبا رافع -وأبو رافع كان ممن خدم النبي صلى الله عليه وسلم-، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة. فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا -خيارًا رباعيًا، وهو ما استكمل ست سنوات ودخل في السابعة-، أي أن أبا رافع وجد خيرًا مما أقرضه ذلك الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فمما ينبه عليه أن المقرض حينما يقرض أخاه المسلم إلى أجل، ينبغي للآخر أن يكون معه وفيًا، ويقابل الإحسان بالإحسان، ويقابل الخير بالخير والفضل بالفضل. كما ترون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحسنكم -أو قال: إن خيار الناس- أحسنهم قضاء». ومعنى هذا أن الإنسان إذا اقترض من أخيه المسلم شيئًا -مثلا أخذ منه اقترض منه كيلو أو كيسًا من الأرز لمدة شهر- مثلا فجاء الشهر وعنده رز أفخر من الرز الذي أخذه، يعطيه ذلك الرز. ويدخل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خياركم أحسنكم قضاء». نعم، المجزئ أن يعطي المثل، والفضل أن يعطي الفضل. وهذه الأمور مما تعين أهل الخير من المقرضين على الإقراض؛ لأن المقرض لو أعطى أخاه المقترض وعلم أن أخاه وفيًا، هذا يفتح المجال له لأن يعطيه متى شاء، بخلاف إذا رآه مماطلًا متعبًا، وإذا جاء الوقت كهر ونفر في وجهه، وكأن المال ما له، وكأنه هو المتصدق. فينبغي أن تراعى هذه الآداب من الجانبين: الأول الذي هو المقرض يعطي ويحتسب الأجر من الله؛ أنه فرج عن مسلم كربة، ويرجو بذلك أن يفرج الله جل وعلا عنه بعض كرب يوم القيامة، وذلك أحوج ما يكون إليه الناس. وفي المقابل، الذي اقترض وأخذ المال أو أخذ ذلك الشيء، ينبغي بل يجب عليه إذا حل الأجل وكان قادرًا مستطيعًا أن يوفي بما عليه. وإن أعطى الخير فهو خير، وإن أعطى المثل فهو كذلك له فضل ذلك الإعطاء في الوقت؛ لأنه إنسان وفى بما وعد. قال: ومن الأدلة على فضله، أي على فضل القرض، حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرة». ومعنى هذا أن الإنسان إذا أقرض إنسانًا -جاءك إنسان قال: يريد مثلا عشرة آلاف لمدة شهر أو لشهرين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل- على حسب ما يكون، يعلم ذلك المقرض أنه يقرض ذلك المال وله أجر وله أجر من الله؛ له نصف صدقة، كأنه تصدق بخمسة آلاف، حتى ترجع إليه تلك العشرة. إن رجعك العشرة كأنه تصدق بخمسة آلاف نصفًا، إذا كان مرتين كأنه تصدق بصدقة كاملة. وهذا يدلنا على فضل القرض وأنه نوع من أنواع الصدقة، ولا سيما لمن احتسب الأجر والثواب من الله رب العالمين جل وعلا. وكما سمعتم، أدلة فضل القرض كثيرة، وحسبه أنه من أنواع البر والإحسان التي حث عليها الشرع، ونوه بذكرها في آيات الكتاب، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت لهنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على