الدرس في كتاب الصيام 15، ألقاها
يستحب صيام شهر المحرم وتسع ذي الحجة لما ورد في الأحاديث النبوية من فضائل هذه الأيام، ويشمل ذلك صيام الأيام من أول ذي الحجة إلى يوم عرفة.
يتناول الكلام تفاصيل حول ما يكره أو يحرم صيامه، مثل إفراد شهر رجب أو يوم الجمعة بالصيام، مع توضيح الأسباب الشرعية وراء كراهية هذه الممارسات.
لا يجوز تخصيص يوم الجمعة بصيام إلا إذا صام يوما قبله أو بعده، وتخصيص يوم السبت بصيام مكروه، مع الإشارة إلى ضعف الحديث الوارد في كراهة صيام يوم السبت.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- في الفقه الميسر في ذكره لما يستحب من الصيام: السابع صيام شهر الله المحرم، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» الحديث رواه مسلم. فهذا الحديث يدل على استحباب الصيام في شهر الله المحرم، أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم. شهر الله المحرم، نعم، فمن أفضل الأشهر التي يستحب صيامها بعد رمضان شهر الله المحرم. وفي شهر الله المحرم اليوم العاشر يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من محرم. ومما يتأكد استحباب صيامه، قال: الثامن صيام تسع ذي الحجة. ذي الحجة، و«ذي الحجة» في الفتح «الحا» وكسرها، والكسر أفصح. قال: وتبدأ من أول يوم من شهر ذي الحجة وتنتهي باليوم التاسع، وهو يوم عرفة. وذلك لعموم الأحاديث الواردة في فضل العمل فيها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر» والحديث في البخاري. قال: والصوم من العمل الصالح. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر. العمل الصالح عام، فيه للاستغراق، أي كل عمل صالح. ويفيد العموم، فمن العمل الصالح الصيام، الصلاة، والزكاة، الصدقة، والحج، بر الوالدين، إلى آخره من أعمال البر كلها من العمل الصالح. ومنها الصيام، فهو يدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «العمل الصالح»، فيدل على استحباب صيام تسع ذي الحجة، اليوم الأول من ذي الحجة إلى اليوم التاسع. فمن أراد أن يصومها كلها فلا بأس له أن يصومها لعموم هذا الحديث. ومن أراد أن يصوم بعضها فلا بأس، لحديث حفصة أو حديث عائشة أنها قالت: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صام العشر قط»، يعني نفت أن يكون صامها النبي عليه الصلاة والسلام كلها. وفي حديث حفصة: «أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يدع صيام التسع أو صيام العشر». وجمع أهل العلم بين الحديثين بأن عائشة رضي الله عنها أخبرت بما علمت، وحفصة أخبرت بما رأت، فهي رأته يصوم التسع، وعائشة أخبرت أنه ما صام العشر من ذي الحجة -يعني كلها- فيحمل على قول حفصة بأن المراد صيام أكثرها، أن المراد صيام أكثرها. ثم كون النبي عليه الصلاة والسلام ما صامها كلها لا يدل على عدم استحباب صيامها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ربما كان مشغولا بأعمال هي أنفع للمسلمين من الصيام، لأن الصيام منفعته مقتصر على الصائم، مقتصر على الصائم نفسه. وهناك أعمال يتعدى نفعها إلى الغير، يتعدى نفعها إلى الغير، كتجهيز الجيوش، وتعليم الناس، والقضاء بينهم، إلى آخر ذلك من الأمور التي كان يقوم بها النبي عليه الصلاة والسلام. ولا شك أن العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر، العمل المتعدي الذي يتعدى نفعه إلى الناس أنفع من العمل الذي ينتفع به الإنسان بنفسه فقط. ومن هذه المسألة مسألة صيام إذا طالب العلم، إذا أراد طالب العلم مثلا أن يصوم، فهل الأفضل في حقه أن يصوم أو أن يفطر ويقبل على طلب العلم؟ يقال في هذا تفصيل، إذا كان الصيام يضعفه ويرهقه بحيث أنه يضعف ويكسل عن الطلب وعن الحفظ والمراجعة، فلا شك أن الفطر أولى. لماذا؟ لأن طلب العلم وتعليم العلم نفعه متعدي، فهو أنفع وأفضل من الصيام؛ لأن نفعه قاصر. وإن كان الصيام لا يضعفه ولا يتعبه، فيستطيع أن يصوم وأن يطلب العلم وأن يعلم العلم، فلا شك أن صيامه مع طلب العلم هو الأفضل والأكمل، هو الأفضل والأكمل. فالمقصود أن عدم صيام النبي عليه الصلاة والسلام لتسع ذي الحجة ربما كان لأنه مشغول بأعمال هي أنفع للناس من أن يصوم ويقتصر نفع الصيام لنفسه، وإلا فصيامه -كما سمعنا- يدخل في عموم هذا الحديث: «ما من أيام العمل الصالح فيهن...». قال: المسألة الثالثة: ما يكره ويحرم من الصيام. قال: أولا: يكره إفراد شهر رجب بالصيام؛ لأن ذلك من شعائر الجاهلية، وقد كانوا يعظمون هذا الشهر -يعني شهر رجب- فإفراده بالصيام مكروه، يعني يترك الصيام في جميع الأشهر إلا في شهر رجب. لماذا؟ لأنه يعتقد أن في صيامه خصيصة وفيه فضل زائد على غيره. هذا الفعل يعد من المحدثات. لكن لو صامه مع غيره -كما سيأتي- لا بأس. قال: فلو صامه مع غيره لم يكره؛ لأنه لا يكون حينئذ مخصصا له بالصيام، لا يكون حينئذ مخصصا له بالصيام. إذا صامه مع غيره، فصام مثلا رجب وشعبان، أو صام جماد الآخر ورجب، لا بأس؛ لأن هنا لم يخصص شهر رجب. أما أن يخصصه دون غيره من الشهور فهذا هو المكروه. وما ورد في فضل رجب أو صيامه كله ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. والحافظ ابن حجر رحمه الله له مؤلف في ذلك سماه «بيان العجب فيما ورد في فضل رجب». قال: روى أحمد من خرش من الحر قال: «رأيت عمر بن الخطاب يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية». هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة. كما ذكر المعلق أن الشيخ الألباني رحمه الله ذكر ذلك في كتابه «الإرواء». فعمر رضي الله عنه كان يفطر من صام في رجب وخص رجب بالصيام، فيقول: «كلوا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية»، أي فلا تفعلوا مثلهم تعظمون هذا الشهر وتخصصونه بالصيام. قال: ثانيا: يكره إفراد يوم الجمعة بصيام، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده». والحديث في الصحيحين. فإن صامه مع غيره فلا بأس بذلك، للحديث الماضي: يكره إفراد يوم الجمعة بصيام. قال: إنسان: أنا سأصوم يوم الجمعة، ما أصوم لا الخميس ولا السبت. نقول هنا: لا يجوز لك أن تصوم أن تخصص يوم الجمعة بصيام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله» وهو يوم الخميس «أو يوما بعده» وهو يوم السبت. وفي حديث جويرية أيضا في الصحيح: «أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها وهي صائمة يوم الجمعة، قال: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: تصومين غدا؟ قالت: لا. قال: فأفطري». قال: فأفطري، أمرها عليه الصلاة والسلام أن تفطر. فمن أراد أن يصوم يوم الجمعة يصوم يوما قبله أو يوما بعده حتى تزول الكراهة. قال: ثالثا: يكره إفراد يوم السبت بصيام، قال: لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم». والحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة. واختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث، فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه وحكم عليه بالشذوذ. وتضعيف من ضعفه من أهل العلم أقرب. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، يعني إذا كان يوم السبت صادف صيام فريضة فلا بأس أن تصوموا، وإن صادف صيام نفل فإنكم لا تصوموا. هذا معنى هذا الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم». ومعلوم أن في حديث أبي هريرة السابق في قول عليه الصلاة والسلام: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده»، ما هو الذي بعده؟ يوم السبت. وإذا صاموا يوم السبت مع الجمعة، هل صاموا في فريضة أو في نفل؟ الجواب: صاموا في نفل وتطوع. وهنا في هذا الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم». وهذا ماذا يعارض هذا الحديث الصحيح الذي يدل على جواز صيام يوم السبت في غير الفريضة؟ قال: والمقصود أن النهي عن إفراده وتخصيصه بالصيام، أما إذا ضم إلى غيره فلا بأس، لقوله صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين جويرية -وقد دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة-: «أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: تريدين أن تصومي غدا؟ قالت: لا. قال: فأفطري». فدل قوله صلى الله عليه وسلم: «تريدين أن تصومي غدا» على جواز صيام يوم السبت مع غيره. قال: الترمذي رحمه الله عقب إخراجه حديث النهي الماضي: ومعنى الكراهة في هذا أن يختص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأن اليهود يعظمون يوم السبت. فعلى كل، كما سمعنا الحديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم. وحديث جويرية وأبي هريرة أصح منه، فهما في الصحيح. فهما يدلان على جواز صيام يوم السبت في غير الفريضة. وعلى هذا فلا يكره تخصيص يوم السبت بصيام، وخاصة إذا صادف يوما يستحب صيامه، إذا صادف يوما يستحب صيامه كيوم عرفة أو يوم عاشوراء، فإنه لا بأس أن يصومه وأن يفرده بالصيام. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.