الدرس في كتاب المعاملات 33، ألقاها
يتناول هذا الفصل الشروط الأساسية لصحة عقد الإجارة، مثل جودة التصرف للطرفين وعلم المنفعة والأجرة. يُبرز أهمية هذه الشروط لضمان عدم التنازع والخصومة بين الأطراف.
يتناول هذا الفصل تفاصيل شروط عقد الإجارة مثل معرفة المنفعة والمؤجر والمدة، ويشرح الأحكام المتعلقة بالعقد مثل تسليم العين المؤجرة ودفع الأجرة. يُوضح أيضًا عدم جواز الاستئجار على أعمال القرب والعبادات.
يشرح هذا الفصل التزامات المؤجر والمستأجر، مثل تسليم العين المؤجرة والمحافظة عليها ودفع الأجرة. كما يتناول شروط فسخ العقد وتنتهي الإجارة، مثل تلف العين المؤجرة أو انقطاع نفعها.
يختتم هذا الفصل بالاتفاق على حقيقة معينة ويؤكد على تفوق علم الله تعالى. يتضمن تسبيحًا لله وطلبًا للمغفرة والتوبة، مما يعكس الخشوع والتواضع لله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الحادي عشر في الإجارة، وقد تقدمت معنا المسألة الأولى منها. المسألة الثانية: شروطها، أي شروط الإجارة. أولًا: لا تصح إلا من جائز التصرف، بأن يكون عاقلًا بالغًا حُرًا رشيدًا، أي يشترط في المؤجر والمستأجر أن تتوفر فيهما الشروط التي تتوفر في البيوع، بأن يكون عاقلًا بالغًا حُرًا رشيدًا. الثاني: أن تكون المنفعة معلومة، لأن المنفعة هي المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالبيع. وهذا هو الشرط الثاني أن تكون المنفعة معلومة، يعني مثلًا يقول له: أجرت لك هذا الحمار لتحمل عليه متاعك، أو أجرت لك هذا الحمار لتركبه. لا بد أن يحدد نوع المنفعة. وإذا أعطاه الحمار وما ذكر له شيئًا، هل يكون هذا العقد جائزًا؟ الجواب يرجع إلى العرف. فإذا تعارف الناس أن الرجل إذا أجر الحمار مثلًا، فإنما يؤجر للحمل، أي لأجل أن يحمل عليه، فالعرف معتبر. أو أن العرف له للحمل، لكن لأجل أن يركب عليه، فيرجع إلى العرف. والقاعدة الفقهية عند العلماء رحمهم الله تعالى: أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، فمتى وجد عرف بذلك، رجع إلى ذلك العرف. فإن لم يكن هناك عرف ولم يتفق عليه لفظًا، امتنعت الإجارة؛ لأنها تكون سببًا لتنازع وللخصومة. ولا بد إذن من أن تكون المنفعة معلومة. الثالث من الشروط: أن تكون الأجرة معلومة؛ لأنها عوض في عقد معاوضة، فوجب العلم بها، كما يتفق على العوض، مثلًا كأن يقول له: أجرت لك حمارًا على أن تحمل به متاعك بكذا وكذا. يتفقان على العوض، أو يقول له: أجرت لك دارًا لمدة شهر بكذا وكذا، أو لمدة شهرين أو لمدة سنة بكذا وكذا. يتفقان على العوض كما يتفقان على نوع المنفعة، أي أن تكون معلومة. الرابع: أن تكون المنفعة مباحة، فلا تصح الإجارة على الزنا والغناء وبيع آلات اللهو؛ لأنها منافع محرمة. لو أن رجلًا عنده أمة يؤجرها، هذه الإجارة محرمة ومنهي عنها، لا يجوز فعل ذلك، والعقد باطل. وكذلك يقول في الغناء: رجل يؤجر أمته مثلًا لأجل أن تغني للرجال، هذا كذلك عقد فاسد باطل. أو أن يكون له آلات لهو فيؤجرها، كذلك لا يجوز؛ لأن المنفعة لا بد أن تكون مباحة. الخامس: كون المنفعة قابلة للاستيفاء، فلا تصح الإجارة لشيء يتعذر استيفاء المنفعة منه، كإجارة أعمى لحفظ شيء يحتاج إلى الرؤية. يعني هذا كذلك من الشروط التي يجب توفرها في عقد إجارة: أن يكون العقد على منفعة قابلة للاستيفاء. قال: فلا تصح الإجارة لشيء يتعذر استيفاء المنفعة منه، كما مثل: كإجارة أعمى لحفظ شيء يحتاج إلى الرؤية. يؤجر رجل أعمى، يقول له: أريدك أن تحفظ علي هذا المتاع، وهو أعمى لا يستطيع أن يحفظه. أو يقول له: أجرت لك هذه الأرض لتزرعها، ونوع هذه الأرض من النوع الذي لا ينبت، هذا كذلك من العقود التي لا تجوز؛ لأن المنفعة هنا لا يمكن الاستيفاء منها. ونظائر هذا كثيرة، كأن يؤجر له مثلًا جملًا للحمل، ولكن هذا الجمل مريض لا يستطيع أن يحمل عليه شيء، فمثل هذه كذلك لا تجوز. السادس: أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونًا له فيها، كالوكيل، الوكيل مأذون له بالتصرف عن موكله. قالوا: لأن الإجارة بيع المنافع، فاشترط ذلك فيها كالبيع، أي أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر. يعني لا يأتي إنسان يؤجر حق إنسان آخر من غير إذن من ذلك الآخر، كان يقول رجل لآخر: استأجر أو سأجر عليك بيت فلان، لم يأذن لي ولست مالكًا له. فيقول له: نعم بكم؟ يقول: كذا وكذا. هل الإجارة صحيحة؟ ليست بصحيحة، ولا يفعلها إلا أحمق، ولا يرضى بها إلا مغفل. السابع: أن تكون المدة معلومة، أي مدة الإجارة معلومة، كأن يقول له: أجرت لك داري هذه لمدة شهر، أو لمدة شهرين، أو لمدة عام، أو ما شابه ذلك، على ما يتفقان عليه. قالوا: فلا تجوز الإجارة لمدة مجهولة؛ لأنها تؤدي إلى التنازع. فلو قال قائل: فإذا كان هناك عرف بين الناس أن الرجل مثلًا إذا أجر بيتًا أو أجر دكانًا أو ما شابه ذلك، أنه يبقى في ذلك الدار أو في تلك الدكان إلى وقت أو إلى فترة أو زمن يريد أن يخرج، أي متى ما أراد أن يخرج خرج المستأجر، وكان ذلك عرفًا سائدًا، فالعرف هنا ينزل منزلة الإذن اللفظي، والشرط العرفي ينزل منزلة الشرط اللفظي. فإذا كان هناك عرف، يرجع إلى العرف ويتحاكم إلى عادة الناس في ذلك. المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بها، أي المتعلقة بالإجارة. قالوا: يتعلق بعقد الإجارة الأحكام التالية: أولًا: لا يجوز الاستئجار على أعمال القرب والعبادات، كالأذان والحج والفتوى والقضاء والإمامة وتعليم القرآن؛ لأنها قربة إلى الله تعالى. ويجوز أن يأخذ من يقوم بذلك رزقًا من بيت مال المسلمين. أي أن إنسانًا لا يؤجر إنسانًا لعمل خير إجارة، يقول إنسان لإنسان: خذ هذه الألف ريال مثلًا أجرة على أن تقرأ لخمسة أجزاء من القرآن، أو خذ هذا المبلغ من المال وصلي لي ركعتين نافلة، أو افعل لي كذا وكذا إلى غير ذلك من القرب والعبادات. ومنه نعلم، كما يقال: الشيء بالشيء يذكر، خطأ ما يفعله بعض الناس، ربما أوقف أرضًا لبعض الناس، يقول له: أريدك أن تقرأ للميت أو تقرأ لي كل يوم ختمة، أو مثلًا كل عشرة أيام ختمة، ولك ريع ذلك الوقف، وما شابه ذلك. هذه من الأجرة على أعمال العبادات وعلى أعمال قرب. الثاني: على المؤجر أن يدفع العين المؤجرة للمستأجرين، ويمكن من الانتفاع بها. ويجب على المستأجرين المحافظة على العين المستأجرة، وأن يدفع الأجرة عند حلولها. طيب، من الأحكام: على المؤجر أن يدفع العين المؤجرة للمستأجر، أي متى اتفقا عليه، مثلًا اتفقا على دار يؤجرها له في تاريخ كذا، في يوم كذا، بمبلغ كذا وكذا. فمتى جاء الوقت، سلم له الدار تكون جاهزة للسكنى، والآخر يدفع له المال، سواء اتفقا على أن يكون الدفع أولًا أو أن يكون الدفع أخيرًا، على ما يتفقان عليه. فهذا يسلم، والآخر يسلم. هذا يسلم الدار، وذلك يسلم الأجرة، مع المحافظة على تلك العين المستأجرة. فإن حصل تفريط أو تعد أو خراب أو ما شابه ذلك من المستأجر، لزمه الضمان، بأن يصلح ما أفسد؛ لأن المطلوب أن يرد العين سالمة كما دخلها أو كما أخذ سالمة. الثالث: لا يجوز فسخ عقد الإجارة من أحد الطرفين إلا برضى الآخر. وإذا مات أحدهما والعين المؤجرة باقية، لم يبطل العقد، ويقوم وارثه مقامه. يعني مثال ذلك: إنسان أجر لإنسان دكانًا لمدة خمسة أعوام مثلًا، في أثناء المدة مات المستأجر، هل تنقطع الإجارة؟ الجواب: لا. فيقوم ورثة ذلك المستأجر مقامه، إلا أن يتفق على الإقالة، إما هذا يتنازل ويطلب حقه، أو الآخر يقول له: إلى هنا ما نستطيع أن نستأجر ذلك الدكان، ويرضى الآخر. فكما ذكر: لا يجوز فسخ عقد الإجارة من أحد الطرفين إلا بإذن الآخر. إذا اتفق فنعم، وإذا اختلف، فالأصل بقاء العقد إلى انتهاء المدة. فما تنتهي المدة، لصاحب العين المالك أن يقول: أريد دكاني. ثم إما أن يجدد العقد بنفس المبلغ، أو يخفض، أو يزيد على ما يتفقان عليه، أو يؤجر لغيره، إما له وإما لغيره. الرابع: تنفسخ الإجارة إذا تلفت العين المؤجرة أو انقطع نفعها، كدابة ماتت أو دار إن هدمت، كما مثل؛ لأن الأصل في الإجارة الانتفاع، فإذا انقطع الانتفاع، فلا نفع في الإجارة. لو أن إنسان أجر لإنسان دابة، قال: خذ هذا الحمار للحمل لمدة أسبوع، في كل يوم أريد منك أن تدفع لي كذا وكذا. أول يوم، ثاني يوم توفي الحمار، هل يقول له: أنا بيني وبينك أسبوع، أريد أجرة أسبوع؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن الانتفاع من ذلك الحمار انقطع. فإذا انقطع الانتفاع من الشيء أو من العين المستأجرة، انقطعت الإجارة لعدم النفع منها. وكذلك قل في الدار: أجر له دارًا لمدة ستة أشهر أو سنة، في أثناء هذه المدة انهدمت الدار، جاءت أمطار فانهدمت الدار. هل يقول صاحب الدار: أنا لا أريد، أنا ما اتفقت عليك إلا لمدة سنة، فأريد الأجر كاملة؟ الجواب: لا. وكذلك قل فيما يحصل للناس أحيانًا بسبب بعض الأمور والتغيرات والفتن، يعني ربما أمور كما هو حاصل في هذه الأيام، تحصل أمور وحوادث، فيضطر التجار إلى إغلاق الدكاكين لمدة يوم، يومين، الشهر أو أكثر. فهذا يدخل في هذا المعنى، إلا أن يرضى الطرف الثاني، يقول: أنا وإن كان مغلق، أنا سأدفع لك الأجرة ولا أخرج من هذه الدكان. فعلى ما اتفق. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.