الأولويات عند المتغيرات

الخطبة بعنوان الأولويات عند المتغيرات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 20 شعبان 1442هـ الموافق 2 أبريل 2021م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة وأهمية الحديث عن الشهور الفضيلة

يبدأ الخطيب بالحمد والثناء على الله ويبرز أهمية الحديث عن الشهور الفضيلة مثل شعبان ورمضان وأهمية استغلالها. يلقي الضوء على ضرورة التحدث عن القضايا الهامة التي تهم المسلمين.

أهمية العناية بالدين في مواجهة الحياة

ينبغي للمسلم أن يعتني بدينه ويحرص على ما ينفعه في آخرته لأن الدين هو الأساس الذي خلق الله الجن والإنس من أجله. صلاح الدين يؤدي إلى صلاح الدنيا والآخرة.

العناية بالنفس وإعانة الآخرين وتطبيق الدين

بعد الاهتمام بالدين، يجب العناية بالنفس وعدم إضرارها، وإعانة الآخرين من الأهل والمسلمين. الله يعامل العباد حسب معاملتهم لخلقه.

الدعاء والختام الصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله المستمعين ويطلب المغفرة للمسلمين والمسلمات ويختم بالصلاة على النبي محمد عليه السلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الواحد منا وهو في هذا المقام ليحتار فيما ينبغي أن يخُص به الكلام، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، والتي قد انبارت، ونجد أنفسنا أننا أمام مواضيعَ مهام. أن نتحدَّث في هذا المقام عن شهر شعبان، شهرٌ قد مضى منه الثلُثان، وما بقي منه إلا أيام، والناس في غفلة عما أعدَّه الله فيه من فضائلَ وأحكام، فهو شهرٌ فضَّله الله جل وعلا عن باقي شهور العام، فهو شهرٌ تُرْفَعُ فيه الأعمال إلى ذي الجلال والكمال. قال عليه الصلاة والسلام: «شهرٌ أي شعبان شهرٌ تُرْفَعُ فيه الأعمال إلى رب العالمين»، وما أجمل أن يُرْفَعَ عَمَلُكَ يا عبدالله وهو محفوفٌ بأحسن الأعمال من صلاةٍ وصيامٍ وقراءةٍ للقرآن. أو يكون حديثنا في هذا المقام عن شهر رمضان، شهرٌ قد قرب دنوه ودنى وصوله، وما بقي على مجيئه سوى ليالٍ وأيام، فاللهم بلِّغنا رمضان، شهرٌ تُفتَّحُ فيه أبوابُ الجنان وتُغلَّقُ فيه أبوابُ النيران ويُصفَّدُ فيه الشيطان. أو يكون حديثنا في هذا المقام وفي هذا الزمان عن هذه الأمراض والحميات والأسقام التي طمَّت وعمَّت وكثُّرَت وانتشَرَت حتى أصابت الكثير من الأنام، فمنا من أودَت به هذه الحميات إلى الوفاة، ومنا لا يزال في صراعٍ معها من أجل البقاء والحياة. أو يكون حديثنا في هذا المقام عن أحوال البلاد وعن عموم ما يعاني منه العباد من حالات الضيق والضنك والشدة والكساد من ارتفاعٍ حادٍ في الأسعار ووصول العملة إلى حالة الانهيار وتردِّي في الخدمات المدنية وكم أثَّرَت هذه الحياة الردية على أحوال المسلمين والمسلمات. عباد الله، إذا هذه المواضيع حق للمتكلم أن يحتار في اختيار ما ينبغي أن يكون عليه الكلام، ولكن مما دلَّت عليه الشريعة الإسلامية أن المسلمة إذا اضطربت عليه الأمور وتزاحمت عليه الشؤون فينبغي أن يراعي في ذلك الأولوية. والأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك»، وإن مما ينبغي على كل مسلم أن يعتني به أن يعتني بأمر الدين، احرص عبد الله على دينك وعلى ما يعود نفعه في آخرتك. فإن الدين هو الأس والأساس، وهي الغاية التي من أجلها خلق الله جل وعلا الجن والناس، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، فلا تصدنك يا عبد الله هذه الدنيا وما حوت من مشاكل وأزمات ومن ضيق وكربات أو ما احتوت عليه من ملهيات ومغريات وملذات وشهوات. قال ربنا جل فعلا: ﴿يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح آخرته تكفل الله بإصلاح دنياه. والأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: «من جعل الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن جعل الآخرة نيته جمع الله عليه أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغبة». أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، عباد الله، فمما قد مضى علمنا أن المسلم والمسلمة متى ما تراكمت عليه الهموم وتراقصت أمامه الأمور فعليك يا عبد الله أن تراعي في ذلك الأولوية، ومن أعظم الأمور أن تتوجه يا عبد الله إلى العناية بدينك فهو الأس والأساس. قال سبحانه: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحينه حياة طيبة﴾، قال إمام ابن القيم رحمه الله: «فهذا وعد لأهل العلم والعمل الصالح أن الله جل وعلا وعدهم في هذه الدنيا بالحياة الطيبة والحسنى يوم القيامة». فالوعد الحسن بالحياة الدنيا ويؤيد هذا المعنى ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يظلم مؤمناً حسن يعطى بها في الدنيا ويجازى بها في الآخرة»، يؤجرك ربك على كل عمل صالح بأجرين بأجرٍ معجلٍ في الدنيا وبأجرٍ مؤجلٍ في الآخرة. فالله الله يا عبد الله بالعناية بالدين فإنها جامعةٌ شاملة لخيري الدنيا والآخرة، وخاصة وأنت في هذه الأزمان المباركة في شهر شعبان وما يأتيك بعده من رمضان. ثم بعد العناية بأمر الدين وما يكون من حسن عبادتك وتعبدك لرب العالمين فلتكن عنايتك بنفسك وذلك بالعناية بها والقيام على شؤونها وعدم هضمها وإهمالها، كما قال عليه الصلاة والسلام: «وإن لنفسك عليك حقا». ومن ذلك عدم إقحامها فيما يضرها، قال سبحانه: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، قال إمام السعدي رحمه الله تعالى: «ويدخل في ذلك فعل المخاطر المفضية إلى التلف والتهلك الدفع بالنفس إلى ما فيه تلفها وإهلاكها نوع من أنواع قتل النفس». فالإسلام اعتنى بنفوسنا التي بين جنبينا، ومن هنا شرع التداوي والعلاج، قال عليه الصلاة والسلام: «تداووا عباد الله، تداووا عباد الله، فإن الله ما أنزل من داء إلا وجعل له دواء وشفاء». ومن عناية الشريعة بأمر أنفسنا أنها جلبت لنا الرخص الكثير في حق المرضى ومن كان عليه المشقة في فعل الأعمال التعبدية، فمن كان الماء يضره ينتقل إلى التيمم، ومن كان القيام إلى الصلاة فليقعد لها. قال سبحانه: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، وهكذا قس في سائر الأعمال التعبدية كيف أن الله جل وعلا جعل الرخص في الشريعة كل ذلك في سبيل الحف على أنفسنا التي بينا جنبينا. بعد الاهتمام بأمر دينك والاهتمام بأمر نفسك عليك يا عبد الله أن تهتم بمن هم حولك من أولادك وأهلك من أرحامك وقرابتك من زملائك وجيرانك ومن عامة المسلمين، كن معهم بإزائهم بجوارهم مد لهم يد العون وذلك بإعانتهم ومعاونتهم. فإن الأمور قد شقت على خلق الله، وإن الله جل في علا إنما يعامل العباد على حسب ما يكون معاملته مع خلق الله، فالجزاء من جنس العمل، قال عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مؤمن كرب من كرب الدنيا نفس الله عنه كرب من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على مؤسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة». «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، لا زالك معية الله معك بحفظه بتأييده بنصرك بإنزال مجد من عنده متما كنت مع إخوانك المسلمين تعينهم في مصائبهم وتدفع عنهم ما استطعت من الضر الذي وقع بهم. فالله يكون لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه، وإن العكس بالعكس، فإنه من أدخل الضرر والمشقة والعنت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فضيق عليهم الأمور كائنا من كان. قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم من ولي من أمر أمة شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.