أحوال الناس في رمضان

الخطبة بعنوان أحوال الناس في رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 18 رمضان 1442هـ الموافق 30 أبريل 2021م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التقوى والعمل الصالح في رمضان

يُناقش أهمية التقوى والعمل الصالح في رمضان، ويُبين تقسيم الناس إلى سعداء مأجورين وشقياء محرومين بناءً على أدائهم للطاعات.

صفات السعداء والشقياء في رمضان

يصف السعداء في رمضان بأنهم من استغلوا الشهر بالدعاء والعبادة والجود وتلاوة القرآن، بينما يُظهر الشقياء كمن لم يبالوا برمضان ولم يقوموا بطاعة الله.

فضل العشر الأواخر وآدابها

يُبرز أهمية اغتنام العشر الأواخر بالعبادة والطاعة، ويُنبه إلى فضل ليلة القدر والاعتكاف وزكاة الفطر مع التحذير من البدع.

دعاء ختام الصلاة وإقامة الصلاة الجديدة

يتضمن دعاءً لتنقية النفس وتوفيق المسلمين يتبعه حمد الله والصلاة على النبي، ثم إقامة الصلاة الجديدة.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. روى الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة». في هذا الحديث يخبرنا عليه الصلاة والسلام بأمارة من أمارات الساعة، وهي تتابع الأيام وتسارع الليالي والأعوام. وها نحن في هذا الشهر المفضل نجد حقيقة ما أخبر به عليه الصلاة والسلام، فبالأمس كنا على عتبات هذا الشهر الفضيل، وها نحن اليوم قد تجاوزنا شطره، وما بقي منه إلا القليل، والله المستعان. عباد الله، إن المسلم أمام هذه الظاهرة ليستوجب عليه أن ينظر فيما مضى من أيامه ولياليه، وكيف كانت مساعيه ومراميه. وإن النظر لأحوال الناس في تعاملهم فيما مضى من رمضان ليعلم أنهم على قسمين اثنين: إما سعيد مأجور، وإما شقي محروم. فالسعداء من عباد الله هم الذين عرفوا حقيقة رمضان، فقاموا به حق المقام، فشمروا عن ساعد الجد، وجدوا واجتهدوا في طاعة الرب، واستغلوا كل ساعة من ساعات رمضان، واغتنموا كل لحظة من لحظاته، فأقبلوا على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم وأخراهم، وبالتقرب إلى ربهم. السعداء هم الذين أقبلوا على الصيام، فأمسكوا عن الشراب والطعام، وصبروا على ما لاقوه من التعب والنصب والآلام، كل ذلك وهم يحتسبون الأجر من العلي العلام. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وهم لم يقتصروا على الإمساك عن الطعام، بل هم كذلك ألزموا أنفسهم بالإمساك عن الحرام، وعن كل الذنوب وسائر المعاصي والآثام، لعلمهم أن هذا هو المغزى من الصيام، أن الله جل وعلا أراد من الصائمين أن يكونوا من عباد الله الأتقياء ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. السعداء في رمضان هم الذين أقبلوا على القيام، على صلاة التراويح والتهجد، إحياء لليالي رمضان، فانتصبوا لله قائمين خاشعين خاضعين، قد تركوا أعمالهم ودنياهم وأشغالهم، وتجافوا عن فرشهم وعن نومهم، كل ذلك في سبيل نيل رضا ربهم. «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». السعداء في هذا الشهر هم الذين انتهزوا فرصة الشهر، والذي فيه قد وعد ربنا جل وعلا بإجابة دعاء الداعين، وبإجابة دعوة المضطرين، كما قال بذلك رسولنا الأمين: «إن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة». فكان من أمرهم أن رفعوا أكف الضراعة إلى الله، وتوجهوا إليه بقلوب خاشعة، وبنفوس ذليلة خاضعة، في كل أوقاتهم، وفي كل أحوالهم، في سجودهم وقيامهم، في خلواتهم ونجواتهم، وهم يلحون على الله، يسألون ربهم من خير الدنيا والآخرة، يتلذذون بمناجاة ربهم. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. السعداء في رمضان هم الذين سارعوا إلى البذل والعطاء، وإلى الجود والكرم والسخاء، مؤتسين بذلك برسول الأنام عليه الصلاة والسلام، إذ كان من أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان عليه الصلاة والسلام. فقام هؤلاء ببذل ما يستطيعون، ذاك بماله، وذاك بمساعدته، وآخر بجاهه وشفاعته، وذاك بمعونته. فكان منهم من أعان المحتاجين، وآخر من تصدق على المساكين، وذاك سارع إلى إفطار الصائمين، وآخر فك دين عن المدينين. فلا يزال خيرهم يصل إلى غيرهم، قد رفعوا الضر والبأساء عن إخوانهم، فكانوا من خيار الناس عند الله في هذا الشهر المفضل. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم». السعداء في هذا الشهر هم الذين أقبلوا على تلاوة كتاب الله، على القرآن، قراءة وتلاوة وتأملًا وتدبرًا. أقبلوا على القرآن في كل أوقاتهم، في ليلهم ونهارهم، في صبحهم ومسائهم، ألسنتهم لتكاد تفتر من قراءة القرآن، حتى أصبح هو أنسهم، وهو جليسهم، ونعم الأنيس. فما إن ينتهوا من ختم القرآن حتى أعادوه من جديد، فكان عندهم رمضان هو شهر القرآن. عباد الله، إن هذه إلماحة لحال السعداء في رمضان، حيث قاموا به خير مقام، فكان من نتيجة أعمالهم أن زكت نفوسهم، وصفت قلوبهم، وانشرحت صدورهم، فلله درهم. وبمقابل هؤلاء نجد المحرومين الأشقياء، الذين ما بالوا برمضان، فما رفعوا له رأسًا، وما ألقوا له بالا، بل جعلوا رمضان الذي هو شهر البر والإحسان، وشهر المغفرة والغفران، جعله شهرًا للعب والسمر والعصيان، فنعوذ بالله من الخذلان، ونعوذ بالله من الحرمان. قوم ما تلذذوا بعبادة الرحمن في شهر رمضان، تركوا السنن والمستحبات، وأهملوا الفرائض والواجبات، وتقاعسوا عن الطاعات والعبادات، وما تنافسوا على أمبهات الطاعات، ولا تزاحموا على عظيم المقامات. ما صنعوا شيئًا من ذلك، لا قرآن ولا قيام، ولا ذكر لله، ولا صلة للأرحام، ولا بر، ولا تقوى، ولا إحسان. نسأل الله السلامة والعافية. قال عليه الصلاة والسلام: «من أدرك رمضان فلم يغفر له أبعده الله». أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى، عباد الله، علمنا شيئًا من أحوال الناس في تعاملهم فيما مضى من رمضان، فكان لزامًا علينا أن ينظر كل واحد منا إلى نفسه، وإلى مسلكه وعمله. فإن رأى أن الله وفقه لطاعته ولحسن عبادته، فليحمد الله، وليسأل الله المزيد من فضله. ومن رأى من نفسه أنه قد ضيع وفرط وتكاسل وتقاعس، فعليه أن يستشعر بفداحة أمره، وبعظيم جرمه، وبخطورة خطأه، فعليه أن يصحح من وضعه، وأن يحسن ما بقي من وقته وعمره، إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورًا رحيمًا. عباد الله، مع أنه لم يبق من رمضان إلا القليل مقارنةً لما مضى، لكن ليست أقل شأنًا، ولا أقل أجرًا. بل إن الله جل وعلا ادخر لهذه الأمة المحمدية في آخر الشهر من الغنيمة والفضل والأجر ما لا يخطر على قلب بشر، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. فها هي الليالي العشر، أيام فاضلة، خصها الله بالتشريف والتقديس. الأيام العشر والليالي العشر هي أيام اعتنى بها نبينا صلى الله عليه وسلم اعتناءً عظيمًا، خصها بالجد والاجتهاد، ما لم يخص غيرها من الليالي والأيام. فكان يشتغل فيها ما لا يشتغل في غيرها، فكان من هديه أنه كان ينتصب لله قائمًا، ويخر لله ساجدًا باكيًا، ويتضرع إلى الله خاشعًا مخبتًا، وتذللت لسانه لذكر الله، تاليًا وقارئًا وذاكرًا. كل هذا كان من حاله في سبيل اغتنام بركة هذه الأيام العشر. الأيام العشر يا عبد الله، أيام خصها الله جل وعلا بليلة هي خير من ألف شهر، ألا وهي ليلة القدر، ليلة تنافس عليها الأولون والآخرون، لاستغلالها والاغتنام فضلها وبركتها. ليلة من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا كل محروم، هكذا قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. الليالي العشر من رمضان شرع فيه الاعتكاف، بأن يحبس المسلم نفسه في بيت من بيوت الله، يقبل على خاصة نفسه، يصلح من شأنه، ويتزود من الصالحات والحسنات، ما يكون ذخرًا لآخرته. الليالي العشر الأخيرة من رمضان شرع الله جل وعلا فيها شعيرة الزكاة، زكاة الفطر، طهرة لصائم من اللغو والرفث، وطعم للمساكين. هذه هي أيام العشر، فالله الله يا عبد الله، بالجد والاجتهاد في هذه الأيام القادمة، فهي أيام شريفة منيفة فاضلة. وإن من عظيم إنعام الله عليك أن الله جل وعلا مد في عمرك، وجعل لك فسحة من دهرك، لكي تغتنم ما بقي من حياتك في سبيل نيل رضا ربك. قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله». احذر يا عبد الله في هذه الأيام من القيل والقال، والتسكع في الطرقات، وبإضاعة الأوقات. واحذر يا عبد الله كذلك في هذه الأيام من البدع والمحدثات، ومن المنكرات والطقوس والختاميات، فهي ما أنزل الله بها من سلطان. وحسبنا في هذه الليالي ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر». فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولسألوا سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم من أراد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بخير، فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم أشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أعداءك أعداء الدين. اللهم تقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. توفنا مسلمين، والحقنا بالصالحين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.