فضائل شعبان

الخطبة بعنوان فضائل شعبان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 شعبان 1442هـ الموافق 19 مارس 2021م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل شهر شعبان واغتنامه

شهر شعبان شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، وكان النبي يصوم فيه كثيرًا. يستحب صيامه تأسيًا بالنبي وتسهيلًا لصيام رمضان.

اغتنام شعبان بالطاعات وترك المخالفات

ينبغي اغتنام شعبان بالطاعات مثل الصيام وقراءة القرآن، وترك المخالفات والمعاصي. يكثر الناس في هذا الشهر عن الطاعات وتكثر فيه صور الغفلة.

التحذير من المعاصي والشرك

يُنبه إلى تجنب المعاصي والشرك في شعبان، ويحذر من الشحناء والبغضاء والتشبه بالوثنية في زيارة القبور. يجب إصلاح النفس والاعتناء بالدين والصحة.

ختام بالدعاء والصلاة

يتضمن المقطع دعاء للمسلمين بالمغفرة، وصلاة على النبي وآله وصحبه، ثم حث على إقامة الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام النسائي في سننه من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم في شعبان؟ قال: «ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». عباد الله، إن هذا الحديث ليبين وليوضح لنا فضيلة شعبان، هذا الشهر الذي نحن نتقلب فيه الآن، شهر ميزه الله جل وعلا عن باقي الشهور بالفضائل والتكرمات، هو شهر جعله الله جل وعلا زمنًا ترفع فيه الأعمال إلى رب العباد. وهذا الرفع كما قال العلماء هو الرفع السنوي، والذي به ترفع أعمال السنة، إذ أن الأعمال ترفع إلى الله على فترات ومراحل، فمنها ما يكون من الرفع اليومي، وذلك في فترتين: الصباح والمساء، وذلك حين تتعاقب علينا ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. وهناك رفع للأعمال في الأسبوع، وهو الرفع الأسبوعي، ويكون ذلك أيضًا في يومين: يومي الاثنين والخميس، روى الإمام مسلم في صحيحه قال عليه الصلاة والسلام: «تعرض أعمال الناس يوم الاثنين ويوم الخميس». وهناك العرض السنوي، وهو أن ترفع الأعمال ما كان في السنة الكاملة ترفع مرة واحدة إلى الله، وذلك في هذا الشهر من شعبان. عباد الله، لقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يغتنم هذه الأيام بالانشغال بالطاعات والعبادات، وبالنوافل والقربات، وخاصة ما يكون من حرصه على الصيام، فكما سمعتم في حديث أسامة بن زيد حين قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم في شعبان. وهكذا ما صح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «وما رأيته عليه الصلاة والسلام يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان»، وثبت عنها أيضًا في الصحيح أنها قالت: «كان عليه الصلاة والسلام يصوم شعبان إلا قليلًا». لذا فاحرص يا عبد الله على أن يكون لك حظ من صيام هذه الأيام بما تيسر لك على كل حال، وذلك تأسيًا برسول الأنام عليه الصلاة والسلام، واغتنامًا لفضيلة شعبان. وأيضًا ما ذكره العلماء من علة عظيمة في حق صوم شعبان، فقالوا: إن صيامًا واعتياد هذه الأيام بالصيام ليعتبر إعانة لنا وتسهيلًا لنا في صيام رمضان، فكم من إنسان إن قطع عن الصيام لفترة مديدة، فلربما إذا عاود على صيام رمضان وجد في ذلك مشقة عظيمة. حتى بلغنا من بعض الناس من لربما أفطر في أوائل أيام رمضان والعياذ بالله، ومنهم من لربما أصبح طريح الفراش لشدة ما وجد من المشقة والعنت، لكن الذي اعتاد على صيام أيام من شعبان فإنه إن دخل في صيام رمضان فيجده بردًا وسلامًا، فلله الحكمة البالغة. عباد الله، وإنما أنبه عليه في هذا المقام في أمر الصيام هو التذكير لمن كان عليه أياما من رمضان، فعليه أن يبادر إلى أدائها وقضائها، وقضاؤها في مثل هذه الأوقات، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أخبرت عن نفسها أنها يكون عليها أيام من رمضان فلا تستطيع أن تقضيه إلا في شعبان، وذلك لانشغالها برسول الله عليه الصلاة والسلام. ومنه استفاد العلماء أن من كان عليه أياما من رمضان فأخرها إلى أن دخل عليه رمضان آخر فإنه آثم عاصي، وجب عليه التوبة والإنابة والاستغفار، وأن يسارع بعد ذلك في أداء ما عليه من ذمته، لأنه تعمد في تأخير قضاء رمضان حتى خرج وقته. عباد الله، وإن مما يؤسف له ما نجده من بعض الناس رجالًا ونساء على حد سواء من أن يكون عليهم أيام من رمضان السابق، بل ربما من رمضانات سبقت تراكمت عليه الأيام، فهو لا يبادر بها ولا يبادر بتسديدها ولا بأدائها ولا بقضائها، فإن في ذلك الإثم العظيم عند الله. فاعلم يا عبد الله أن حق الله أحق أن يقضى، عباد الله، فعلينا في مثل هذه الأيام أن نحرس على الطاعات والعبادات، سواء ما كان من الصيام وما كان من سائر الأعمال. قال إمام بن رجب رحمه الله: «لما كان شعبان كالمقدمة لرمضان، فإنه شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن، فعلينا عباد الله أن نستغل هذه الأعمار في الانشغال بالطاعات والعبادات». أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، عباد الله، لا زلنا في هذا المقام في ذكر ما ينبغي على كل مسلم ومسلمة من الانشغال بالتعبد والعبادة، بأداء الطاعات والعبادات، والانشغال بالنوافل والقربات، وذلك لاغتنام فضيلة شعبان. وأيضًا مما ينبغي أن نحرص عليه ونحن في هذه الأزمان الحرص على ترك المخالفات، إذ أن هذا الشهر هو مظنة لذلك، فهو شهر وصفه نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه شهر تقع فيه الغفلة، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل عنه الناس». وإن صور الغفلة التي اكتسحت المجتمعات والأفراد لهي كثيرة، وحسبنا الإشارة إلى أهمها وإلى بعضها، فمن صور الغفلة في شعبان ما يكون من إضاعة الأوقات فيما لا ينفع في قيل وقال، وتسكع في الطرقات والأسواق، والإنشغال باللعب واللهو والعبث فيما لا يعود عليك نفعًا لا في دين ولا في دنيا. ناهيك عن من انشغل في مثل هذه الأوقات بالتخريب والتكسير وقطع الطريق وأذية المسلمين، وأيضًا من صور الغفلة في هذا الشهر ما يكون من فعل الذنوب والمعاصي، من فعل الحرمات والمحرمات، وخاصة وأن الشياطين في مثل هذه الأوقات تكثف من جهودها في إضلال الآدمين قبل أن يحين موعد ربطها وسلسلتها بالسلاسل وتصفيدها عند مجيء رمضان. ولهذا لا غرابة يا عبد الله أن تجد أن الكثير من الناس من يندفع في هذه الأزمنة اندفاعًا عظيمًا لأداء الشر والشرور، وذلك من آثار تكثيف الشيطان لوسوسته. وأني أنبه هنا على معصية وإن كانت كل المعاصي عليك أن تقصر عنها يا عبد الله، لأنك في شهر فاضل في شهر عظيم مشرف مقدس، لكن مما أنبه عليه من المعاصي معصية القطيعة والشحناء والبغضاء. فاحرص يا عبد الله على أن لا تتلبس بها في شعبان، وقد صحح العلماء ما ثبت في السنن من حديث معاذ وغيره من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». قال العلماء: المشاحن هم من رفع راية العداوة والشحناء على إخوانه المسلمين، فاحرص يا عبد الله من أن تتخلص من هذا الداء العضال. وأيضًا من صور المخالفات ما تقع في مثل هذه الأوقات ما يكون من فعل الكفريات والشركيات، وعلى سبيل المثال ما يسمى بزيارة قبر نبي الله هود، إذ أنها تقام في مثل هذه الأوقات بدءًا من اليوم الثامن من شعبان والتاسع والعاشر والحادي عشر، توقيته مع تزامن ومع تشبه بمناسك ومواسم الحج. في هذه الزيارة والتي فيها تقام وتؤسس ملة الوثنية وينادى بالشرك الصراح، وهناك تداس معالم التوحيد، في تلكم الزيارة يكون الدعاء والاستنجاد والاستعانة والاستغاثة بغير اسم الله، هناك يا عبد الله يكون ذبح الذبائح والتقرب بالقرابين وإراقة الدماء على الضريح. هناك يا عبد الله تبذل الأموال وتنذر العقود وتسبك الدموع وتنهال العبرات على رفاة الأموات، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. إحذر يا عبد الله من عظيم هذه الغفلة، عباد الله، إنه ينبغي على كل واحد منا رجلًا كان أو امرأة، ذكرًا كان أو أنثى، أن يحرص في مثل هذه الأوقات في زمان شعبان من الحرص على إصلاح نفسه، وذلك بفعل ما يستطيع عليه من طاعات وعبادات، وأن يجاهد نفسه على ترك المخالفات مما يقع فيه أهل الغفلات. والأمر كما قال عمر بن قيس رحمه الله حينما كان يجاهد نفسه في شعبان كان يقول: «طوبى لمن أصلح نفسه في شعبان، طوبى لمن أصلح نفسه في شعبان». عباد الله، وكما أننا نعتني في مثل هذه الأوقات بإصلاح أحوالنا وبسلامة ديننا، فكذلك فلنعتني بصحة أبداننا وأجسادنا، وذلك بسلامة صحتنا، وخاصة من هذه الأمراض والأوبئة والحميات التي كثرت في الآونة الأخيرة، والتي ألقت بظلالها على بلادنا فتأثر منها النفر الكثير. مما لا يخفاكم ألا وإن هذه الحميات ما ينبغي أن نعظم من شأنها أو أن نهول من أمرها، لكن بالمقابل لا أن نتهاون من شأنها وأن نتساهل في التعامل معها. وإن من حرص بالعناية بأنفسنا وبعناية من هم تحت أيدينا، فنبتل بشيء من ذلك، فعلينا المسارعة إلى تفقد أمره والعلاج له، فإن ذلك مما ينبغي على المسلم أن يعتني به، الاعتناء بدينه والاعتناء كذلك ببدنه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.