الخطبة بعنوان ما ينبغي علينا بعد رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 16 شوال 1442هـ الموافق 28 مايو 2021م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُناقش أهمية استمرار الإنسان في تطبيق العبادات والأخلاق الحميدة بعد انتهاء شهر رمضان، ويشير إلى أن رمضان مدرسة لتعلم العلوم والطاعات. كما يؤكد على أهمية مراقبة الله تعالى وحسن الخلق في جميع الأوقات.
يتحدث عن أهمية الاستمرار في الطاعات والعبادات بعد رمضان، ويشدد على ضرورة تطبيق ما تعلمه المسلمون في رمضان من صفات مثل البذل والعطاء والكرم. كما يشير إلى أهمية الحفاظ على العبودية لله تعالى في كل الأوقات.
يجب على المسلم أن يحافظ على أجره وثوابه بعد رمضان ويخاف من عدم قبول الله تعالى لأعماله، ويحذر من محبطات الأعمال مثل الشرك وترك الصلاة وسب الدين. كما يتضمن دعاء الله بقبول الأعمال الصالحة.
المقطع يتضمن دعاء الله بقبول الأعمال الصالحة مثل الصيام والقيام والدعاء، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويحث على إقامة الصلاة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن من عظيم إنعام الله على العبد أن يمدَّ له في عمره، وأن يجعل له فسحةً من دهره، لكي يدرك زمان الخيرات، ويلتحق بمواسم البركات. قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله». وإن من عظيم ما منَّ الله به علينا جميعاً أن أطال في أعمارنا لكي نحضر شهر رمضان، ذلكم الشهر العظيم، وهذا الموسم الكريم. فكان من إنعام الله علينا أن أدركنا رمضان، أن أدركنا رمضان بكماله وتمامه، نتقلب بين لياليه وأيامه. كم من أناس كانوا أشد منا حرصاً، وأكثر منا حباً لحضور هذا الشهر، لكن باغتهم الأجل، ووافتهم المني، وقضوا نحبهم، وحيل بينهم وبين ما يشتهون. بينما نحن خصنا الله جل وعلا بإطالة الأعمار، فحضرنا هذا الموسم بكماله وتمامه، فلله الحمد حمداً من بعد حمد. عباد الله، إن انقضاء رمضان ليس معناه أن علاقتنا معه قد انتهت وانقضت، لا يا عبد الله، بل إن بين الإنسان وبين الصائمين والصائمات، بيننا وبين رمضان علاقة لا تنقطع مدى الحياة. فإن لرمضان تبعات على أصحابه وأهله. وإنني في هذا المقام لأشير إلى مقامين تدل بكل وضوح مدى علاقة رمضان بأصحابه. أما المقام الأول، فعليك أن تعلم يا عبد الله أن ما قمت به من طاعات وعبادات، ومن نوافل وقربات، ومن أخلاق وسلوكيات التي كانت منك في شهر رمضان، ينبغي أن تسترسل معك طول الحياة. فإن الله سبحانه وتعالى ما شرع رمضان إلا تهذيبا لنفوسنا، وتطهيرا لقلوبنا، وتثبيتا لما في صدورنا. أتت رمضان وما ترك فينا خسيسة ولا خبيثة ولا دسيسة إلا نقاها وطهرنا منها، فكان الواحد منا على أحسن حال. وكان الغرض من ذلك أنك يا عبد الله تنطلق بعد رمضان وأنت على أحسن الأحوال في معاشرة الأفراد والمجتمعات. فكان رمضان مدرسة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، تعلمنا فيها علوماً وفنوناً، وطاعات وقربات، تكون في خواطرنا وفي صدورنا، نعاشر بها خلق الله دائماً وأبداً. تعلمت يا عبد الله في رمضان مراقبة الله جل في علاه، فما كان هناك شيء يحجزك يمنعك من الفطر سوى ما كان من خوفك من الجليل، ومراقبتك لله جل في علاه. فالتكن هذه المراقبة معك في كل أحوالك، وفي كل أوقاتك، وخاصة إذا خلوت بمحارم الله. ألم يعلم بأن الله يرى؟ إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت، ولكن قل علي رقيب، ولا تحسب أن الله يغفل ساعة، ولأن ما تخفي عليه يغيب. تعلمت يا عبد الله في رمضان كف الأذى، فكففت لسانك ويدك عن أذية المسلمين، لعلمك بأن الصائمة لا يكون سباباً ولا شتاما ولا كذاباً ولا مغتاباً ولا مؤذياً ولا ضراباً. إذا كان هذا حالك في رمضان، فليكن هذا شعارك ودثارك في كل أحوالك عند تعاملك مع خلق الله. إذ أن حسن الخلق لا ينحصر في رمضان، وإنما يكون في جميع الأزمان. قال عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيماناً أحاسنهم أخلاقاً». تعلمت يا عبد الله في رمضان التلذذ في مناجاة ربك سبحانه وتعالى، لعلمك أن رمضان هو موسم من المواسم التي يستجيب الله فيها الدعاء. فكان من أمرك أن رفعت أكف الضراعة إلى الله تسأل ربك من خير الدنيا والآخرة. فليكن هذا حالك حتى بعد رمضان، إذ أن أبواب السماء منفتحة في كل الأوقات. إن الله سبحانه وتعالى جعل لنا أوقاتاً وأزمانا يستجاب فيها الدعاء، في الصلوات وفي السجود والقيام وفي الأسحار. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. تعلمت يا عبد الله في رمضان البذل والعطاء والكرم والجود والسخاء، اقتداء برسول الأنام عليه الصلاة والسلام، إذ كان من أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان. فأنفق منا القليل، وأنفق منا الكثير. ثم جاءت زكاة الفطر، والتي أوجبت على كل واحد منا، على الصغير والكبير، على الذكر والأنثى، أن ينفق وأن يطعم المساكين. فما خرج رمضان إلا والكل قد أنفق مما أعطاه الله، فكانت أيدينا ممدودة إلى غيرنا. فليكن هذا حالك يا عبد الله، بأن تبقي يدك ممدودة إلى غيرك، وخاصة أن مجتمعاتنا من المجتمعات التي حل فيها البؤس والشقاء. فاجعل نفسك يا عبد الله يصل خيرك إلى غيرك. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم». تعلمت يا عبد الله في رمضان، ومما استشعرنا به ما كان من إحساسنا بألم الجوع والظمأ، وخاصة في نهار الصوم، وما اعترانا من إرهاق وتعب وإنهاك. كانت هذه إشارة وتذكير لنا بأن نستشعر بغيرنا من أهل الإسلام، ممن هم في شرق الدنيا وفي غربها، ممن ابتلاهم الله بالحروب والقتال، وبالجدب والجفاف، ومن حالات الخوف والجوع، ومن حالات الهلع والخوف والفزع. فكان هذا الحال، وما كنا عليه في رمضان، هو إحساس بآلام غيرنا. حين يا عبد الله تحمد الله على العافية، وتحمد الله على العافية، وأن نسأل الله جل وعلا أن يفرج عن إخواننا هنا وهنالك مما أصيبوا به من مصائب. عباد الله، في رمضان تعلمنا جميعاً العبودية لله جل في علاه. فكل منا شمر عن ساعد الجد، فتنافسنا على أداء الطاعات والقربات، وتزاحمنا على أداء الفرائض والواجبات، وحرسنا على النوافل والقربات. ذاك بصلاة وقيام، وآخر بذكر لله وقراءة للقرآن، وآخر بطاعته وبره لوالديه وبصلة الأرحام. الكل منا شمر عن ساعد الجد، فكان منا الجد والاجتهاد على طاعة المولى جل وعلا في رمضان. يا عبد الله، فليكن هذا حالك، هذه العبودية التي يريدها الله جل وعلا منا، ليس في رمضان بل في رمضان وفي كل زمان ومكان. ما بال ناس ما عرف الله وما عرف الطاعة والعبودية إلا في رمضان؟ «إن رمضان شهر فات ويفوت، وأما رب رمضان فهو حي لا يموت». قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. فالعبودية تكون في نفوسنا وفي واقعنا حتى نلقى الله وهو راض عنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسان، والحمد لله على توفيقه وامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. لازم في هذا المقام، عباد الله، في بيان مدى علاقة رمضان بأهله وأصحابه، وأن انقضاء رمضان ليس معناه بالضرورة أن علاقتنا معه قد انقطعت وانقضت، لا يا عبد الله، بل إن لرمضان علينا تبعات. فمن ذلكم أن ما تعلمناه من أعمال وطاعات وعبادات ينبغي أن تمضي معنا طيلة العام. وهذه الحكمة أو من حكمة الله جل وعلا في شرعية وفرضية الصيام. وأما المقام الثاني في بيان مدى علاقة المرء برمضان، هو أن تعلم يا عبد الله أن ما اكتسبته من أجور ومن ثواب ومن حسنات من فعلك من أعمال رمضان، من صلاة وصيام، ومن ذكر لله وقراءة للقرآن. أنك يا عبد الله عليك أن تحرص على المحافظة على أجرك وثوابك، وأن تسأل ربك جل وعلا أن يجعلك من عباده المقبولين، والذي قبل منه ربنا جل وعلا العمل. فلا تظن يا عبد الله أن ما من عمل صالح أنه يرفع إلى الله جل وعلا ويتقبل، لا، بل ربما كانت الأعمال الصالحة وما فيها من أجور وحسنات أن الله سبحانه وتعالى لا يرفعها إليه، بل إنما ردها على وجهك. ولهذا كان من شأن سلفنا الصالح، مع ما كان من جدهم واجتهادهم وطاعاتهم ونشاطهم في عبوديتهم لربهم، وما كان من إتقانهم وإتمامهم لأعمالهم، كانوا على خوف ووجل من أن الله جل في علاه لا يتقبل ذلك منهم. فقد جاء في السنن أن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، قالت عائشة: يا رسول الله، أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يا ابنت الصديق، لا يا ابنت الصديق، بل هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل ذلك منهم». هذا هو شأن الصالحين، هذا هو شأن الصائمين والمصلين، متى تعبدوا الله جل وعلا بعبادات ما تمالكهم في ذلك العجب ولا الغرور، وإنما اعتراهم الخوف والوجل من أن الله جل وعلا ما تقبل منهم. ذكر يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى عن أحوال السابقين الماضين أنهم كانوا بعد رمضان يدعون الله ستة أشهر في أن يتقبل منهم رمضان. نعم، يا عبد الله، إنه الخوف من أن الله جل وعلا لا يتقبل منهم الأعمال، فلا عجباً ولا فخراً ولا خيلاً ولا إعجاب. عباد الله، ثبت عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً من العمل». ألم تسمعوا إلى قول الله جل في علاه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً من العمل. ليس الشأن يا عبد الله أن تعمل، ولكن الشأن كل الشأن هل تقبل منك هذا العمل؟ فما يدريك يا عبد الله؟ لعلك تلبست ببعض ما يحبط عنك الإيمان، أو ما يسمى بمحبطات الأعمال، فكان سبباً في عدم انتفاعك من صلاتك ولا من صيامك ولا من قيامك. فكن على حذر من ذلك، احذر يا عبد الله من الشرك، من الشرك بكل صوره، من صرف الطاعات والعبادات لغير رب الأرض والسماوات، كأن تصرف الطاعات للأحياء والأموات من إنس وجان. فإن أعمال المشركين يحبطها رب العالمين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. احذر يا عبد الله من ترك الصلاة، فإن ترك الصلاة على قول الطائفة من العلماء من أعمال الكافرين: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». احذر يا عبد الله من سب الرب أو سب الدين، فإن ذلك بإجماع المسلمين من أعمال المرتدين: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. احذر يا عبد الله من الاعتداء والتطاول على حقوق المسلمين، على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم، فإن ذلك يجعلك من المفلسين ممن لا ينتفع بعمله الصالح، وإنما يؤخذ من غرمائه، فيوضىء على ظهره فيسقط في نار جهنم والعياذ بالله. احذر يا عبد الله من القطيعة ومن الشحناء والبغضاء بين أواصر المسلمين، بين الوالدين والأقارب والأرحام، فإن أعمال المتشاحنين يجعلها ربنا معلقة بين السماء والأرض ليؤذن لها بالقبول حتى تصطلح مع من تخاصمت معه. وهكذا قس في سائر محبطات الأعمال، فاحذر يا عبد الله احذر يا عبد الله بعد رمضان أن تتلبس بشيء من محبطات الأعمال، فحينها لا يقبل الله منك صرفاً ولا عدلاً. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. ونسأله جل وعلا أن يتقبل منا الصيام والقيام والدعاء وسائر الأعمال، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.