التعليق على كتاب الداء والدواء 108

التعليق على كتاب الداء والدواء 108

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 108، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الطريق الأول في علاج العشق: الوقاية بغض البصر

يبيّن المقطع أن الوقاية بغض البصر هي المدخل الرئيس لعلاج داء العشق قبل وقوعه، مستدلاً بالآيات والأحاديث الآمرة بغض البصر والمحذرة من إطلاق النظر. ويوجه الشباب إلى الزواج أو الصوم لكسر حدة الشهوة وحماية القلب من تسلل الشيطان.

فوائد غض البصر وآثاره على القلب في ضوء القرآن والسنة

يسرد المقطع ست فوائد لغض البصر منها امتثال أمر الله سبب السعادة، وحماية القلب من السهم المسموم، وإيجاد الأنس بالله وتقوية القلب والشجاعة. كما يذكر كسب النور والهداية ونيل الفراسة الصادقة للتمييز بين الحق والباطل.

غض البصر وثمرته في نور البصيرة وخطر العشق على القلب والعقل

يوضح المقطع أن غض البصر عن المحارم يورث نور البصيرة والفراسة الصادقة، مستشهداً بكلام الكرماني والحديث النبوي في العوض بالخير. ويحذر من العشق المحرم مشبهاً إياه بالسكر المفسد للعقل، ضارباً مثل قيس بن الملوح عاقبةً له.

الدعاء بالخاتمة الحسنة وصلاح الظاهر والباطن

يختتم المتحدث بدعاءٍ أن يحفظ الله الدين وأن يتوفاه على الإسلام، سائلاً صلاح الظاهر والباطن والفقه في الدين. ويختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتابه القيم النافع المفيد الموسوم بـ «الداء والدواء» وهو «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». وقد ذكر رحمه الله تعالى فصلًا يتعلق بعلاج هذا الداء، ألا وهو داء العشق. وذكر رحمه الله تعالى أن لهذا الداء أدوية نافعة، وهي من طريقين: الطريق الأولى هي حسم مادته قبل حصولها، والثانية قلعها بعد نزولها. قال: «وَكِلَهُمَا يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمُتَعَذِّرٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَيْهِ، قَالَ فَإِنَّ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ بِيَدَيْهِ»، أي بيدَي الله سبحانه وتعالى. فالطريق الأول هو الوقاية من هذا الداء قبل نزوله، وهذه تسمى طريق الوقاية، والوقاية كما قيل خير من العلاج، وهكذا السلامة لا يعادلها شيء، ولأن يعافى العبد خير من أن يبتلى فيبحث عن العلاجات. ولهذا سبق معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرًا ما يسأل ربه عز وجل العافية، وذلك في صباحه، وهكذا في مسائه، وهكذا عند نومه. كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال رحمه الله تعالى: «فأما الطريق المانع من حصول هذا الداء فأمران، أحدهما: غض البصر، كما تقدم»، أي تقدم معنا قبل فصول الحديث حول اللحظات، أي النظرات، وأن للشيطان أربع مداخل يدخل على ابن آدم من خلالها. فما هي يا إخوان؟ ما هي هذه الأربع؟ ما هي هذه الأربع؟ نعم يا محمد: اللحظات يعني النظرات، والخطرات يعني الأفكار، والثالث: الخطوات، والرابع: نعم اللفظات. الرابع: اللفظات. من يعيدها مرة أخرى يا يوسف؟ أعدها: أربع مداخل يدخل من خلالها الشيطان على قلب الإنسان، ولهذا يحتاج أن يقف الإنسان على هذه الثغور حارسًا يمنع من تسلل الشياطين عبر هذه المنافذ: واحد: اللحظات، أحسن. ثانيًا: نعم الخطرات. ثالثًا: اللفظات. رابعًا: الخطوات. وأطال ابن القيم رحمه الله تعالى فيما مضى في بيان هذه الأربع. قال رحمه الله تعالى: «قال: أحدها غض البصر كما تقدم». ولاحظوا أنه قدم الأمر الأول وهو غض البصر، وأخر الأمر الثاني الذي هو اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، وأخر هذا الثاني إلى الفصل الذي يليه، الذي بعده. قال رحمه الله تعالى: «فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته، دامت حسراته». وهذه حكمة يا إخوان: الذي يطلق لبصره العنان، يقلب طرفه يمنى ويسرى، ينظر إلى الأشياء المحرمة في الجوالات والشاشات أو في الشوارع وغيرها. من أطلق لحظاته دامت، أي استمرت، حسراته. يبقى متحسرًا، هو يظن نفسه يرتاح إذا نظر إلى صورة محرمة، يظن أنه يرتاح، بينما هو في حقيقة الأمر تزداد حسرته، وهكذا يزداد ندامته، أنه لا يصل إلى هذا الشيء الذي ينظر إليه، الذي ينظر إليه. لهذا يا إخوان، من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان متزوجًا أنه إذا رأى شيئًا، فليسارع إلى أهله، فهناك يجد حاجته وبغيته. أما الشباب فوصية النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». ومن لم يستطع ماذا يفعل يا إخوان؟ الذي لا يستطيع الزواج، هل يذهب يعني يكثر من حسراته فينظر إلى النساء أو ينظر إلى الصور، أو لربما يقع في بعض العادات السيئة؟ الجواب: لا. قال: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، أي أنه يكسر حدة هذه الشهوة وهذه الغريزة. يصوم الاثنين والخميس، يجد لذة مع الصيام، يصوم الأيام البيض، فينال أجرًا، وهكذا غيرها من صور الصيام المستحب. «ومن أطلق لحظاته دامت حسراته». وفي غض البصر عدة منافع، وهو بعض أجزاء هذا الدواء النافع، بعض أجزاء هذا الدواء النافع. وألاحظ يا إخوان كيف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحذر من هذه النظرات، كما مر معنا الإشارة إلى شيء من ذلك. قال لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كما عند أبي داود من حديث بريدة: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة». الأولى هذه بغير قصد، نظر فرأى منظرًا، أو في الجوال أحيانًا تظهر صور أمام الشخص بادرة، يحذفها، يبسحها، يغض بصره عنها، فله الأولى. لكن أنك تتبع النظرة النظرة، هذه ليس مما يعفى عنه. ولهذا في حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه في صحيح مسلم، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، شيء يفاجئك وتنظر إليه أول مرة من غير قصد، قال: «فأمرني أن أغض بصري، أمرني أن أغض بصري». وهذا يا إخوان هو ما أمر به ربنا عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾، ذلك أزكى لهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، لغة العيون والغمز واللمز وغيرها من الأشياء الدقيقة، الله عز وجل يعلمها. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. إذن غضوا البصر، هذا يعتبر جزءًا من أجزاء هذا الدواء النافع، وفيه عدة منافع ذكرها رحمه الله تعالى. قال: «قال: أحدها أنه امتثال لأمر الله، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده». ما هو المعاش وما هو المعاد يا حذيفة؟ قال: «في معاشه ومعاده»، ما هو المعاش؟ الدنيا، الفترة التي يعيشها، ومعاده أي في الآخرة. أحسن. قال: «فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى، وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره، إلا بتضييع أوامره». ولهذا يا إخوان، ربنا عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ الآيات. بينما ربنا تبارك وتعالى يقول في الآية الأخرى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: «الثانية: أي الفائدة الثانية في غض البصر، أن من غض بصره امتنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه إلى قلبه، إلى قلبه». قال: «الثالثة: أن غض البصر يورث القلب أنسًا بالله واجتماعًا على الله»، أي أنه قلبه يكون مجتمعًا مقبلًا على الله عز وجل. قال: «فإن إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله، وليس على القلب شيء أضر من إطلاق البصر، فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه، وبين ربه». تجده يدخل في الصلاة لا يشعر ولا يجد خشوعًا، يقرأ القرآن فلا يجد تدبرًا، يدخل في العبادة فلا يجد لها لذة ولا في فعلها راحة، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «الرابعة: أنه يقوي القلب، يقوي القلب ويفرحه، ويوجب له شجاعة، كما أن إطلاق البصر يوهن القلب». ما معنى يوهن القلب يا أبا أسامة؟ يوهن القلب، مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء، كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ما معنى يوهن القلب؟ ما هو الوهن يا فاروق؟ قال: «يوهن القلب، ما معنى يوهن، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، ما معنى يوهن؟» أي طيب، أحسنت يا أبا حنيفة، نعم: يوهن أي يضعف، يضعف القلب. ولهذا يا إخوان، لو تذكرون مرة معنا قريبًا أن القوة ليست القوة البدنية فقط، وإنما هناك قوة القلب. فبسبب قوة القلب قد يتغلب إنسان ضعيف البدن على شخص مفتول العضلات، مفتول العضلات، يأتي واحد نحيف ويضربه ضربًا مبرحًا، يتغلب عليه بسبب قوة القلب هنا وضعفه هناك، وضعفه هناك. قال: «الخامسة: أن غض البصر يكسب القلب نورًا وهدى، كما أن إطلاقه يكسوه ظلمة وضلالة». ولاحظوا يا إخوان هذا في واقعنا الذي نعيشه: إذا عرضت الصور أمام عينيك فغضت بصرك عنها، ماذا تشعر؟ تشعر بماذا؟ بنور، راحة. بينما الذي يتبع نفسه هذه الصور، يرى المقطع الأول، الصور الأولى، فيجره إلى مقطع آخر، صور أخرى، فما ينتهي إلا وقد وجد في نفسه اكتئابًا وضيقًا، همًا غمًا، وهذه الظلمة التي تكسو القلب بسبب إطلاق البصر، بسبب إطلاق البصر. قال رحمه الله تعالى: «قال: ولهذا ذكر سبحانه آية النور». ما هي آية النور يا أخانا أبا طاهر؟ ما هي آية النور؟ ما هي آية النور؟ أكيد في سورة النور، لكن ما هي الآية؟ نعم، أولها لفظ الجلالة: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي منورها سبحانه وتعالى، ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية. قال: «ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقبًا، أي بعدًا، الأمر بغض البصر، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ثم قال في إثر ذلك: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾». قال: «أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه». قال: «وإذا استنار القلب، وإذا استنار القلب أقبلت أفواف الخيرات إليه من كل ناحية، من كل ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت إليه سحائب الآفات والظلمات والشرور من كل مكان، حتى يصير كأنه في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها»، أي من شدة الظلمة يخرج يده فلا يستطيع أن يراها. قال: «فما شئت من بدع وضلالات واتباع هوى واجتناب هدى وإعراض عن أسباب السعادة واشتغال بأسباب شقاوة وجدته حاضرًا فيه، يعني في الشر حاضر، في المصائب حاضر، في الخير بعيد وزاهد». قال: «فإن ذلك إنما يكشفه ويبينه ويوضحه له النور الذي في القلب، قال: فإذا فقد ذلك النور أظلم وبقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلمات، في حنادس الظلمات». قال: «السادسة: أن غض البصر يورث القلب فراسة صادقة يميز بها بين المحق والمبطل، والصادق والكاذب، وما أحوج المسلم إلى هذه الفراسة، ولا سيما عند الشبهات وعند الفتن والمدلهمات، وما أكثرها اليوم يا إخوان، وما أكثرها اليوم». ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، أي ما تفرقون به بين الحق والباطل. قال: «وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول»، وشاه هذا يكنى بأبي الفوارس، يكنى بأبي الفوارس، جلال الدين شاه شجاع بن مبارز بن مظفر الكرماني الخرساني. قالوا: تولى الحكم بعد وفاة أبيه سنة سبعمائة وواحد وستين من الهجرة، من الهجرة، وهو ثاني ملوك آل مظفر بن كرمان، وهم حكام يزد والعراق وفارس وكرمان، وهو إلى جانب أنه من أبناء الملوك بل ونال الملك أيضًا، كان حافظًا للقرآن، وكان أديبًا من الأدباء. قال: «وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم»، هذا هو الشاهد، «وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واغتذى بالحلال»، اغتذى أي تغذى، «وحرص على الحلال، قال: لم تخطئ له فراسة، لم تخطئ له فراسة، وإنما يصيب بفراسته الأشياء». قال: «وكان شاه بن شجاع هذا لا تخطي له فراسة، لا تخطي له فراسة، أكد». جاء عند أبي نعيم في الحلية، وجاء عند غيره من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن جده عن شاه بن شجاع. قال: «وكان أبو سليمان الداراني يسمي أحمد بن عاصم الأنطاكي: جاسوس، جاسوس القلوب، لحدة فراسته، يتفرس، والله عز وجل يعطيه إلهامًا، فماذا فيصيب به في كثير من الأحيان، في كثير من الأحيان». قال رحمه الله تعالى: «قال: والله سبحانه وتعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، يعني جزاء وفاقًا، أي موافقًا للعمل، فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل». قال: «ومن ترك لله شيئًا عوضه الله ما هو خيرًا له منه، ما هو خيرًا له منه». وهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا، وهكذا جاء موقوفًا، وهكذا جاء موقوفًا. فجاء مرفوعًا: ماذا عن رجل من أهل البادية، بسند صححه جماعة من أهل العلم، وجاء عن ابن عمر بسند مظلم، مسلسل بيئة المجاهيل، مسلسل بيئة المجاهيل، كما نبه على ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى في أوائل «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة». وهكذا جاء موقوفًا عن أبي بن كعب، وفي إسناده مسلم بن شداد، لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وهما قد وصفا بالتساهل في توثيق المجاهيل، في توثيق المجاهيل. وشاهدوا من هذا أنه جاء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، صححه جماعة من أهل العلم: «أن من ترك لله شيئًا عوضه الله ما هو خيرًا له منه». قال: «فإذا غض بصره الظاهر عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته». لاحظوا عندنا بصر وعندنا بصيرة. البصر هذا يكون بماذا؟ البصر بماذا يكون؟ البصر بماذا نبصر؟ عندك بماذا نبصر أنت إذا تريد أن تنظر إلى شيء وتبصره بأي حاسة؟ بأي حاسة؟ حاسة عندك، هل بالأنف أو بالفم أو بالأذن؟ تريد أن تنظر إلى شيء بماذا؟ السؤال واضح. طيب لا بأس، هذا محمد بن زكي، تفضل: بالعين. البصر يكون العين، والبصيرة يا أبا مريم؟ بالقلب. أحسنت. لاحظوا يا إخوان: من ترك شيئًا لله، ماذا عوضه الله؟ خيرًا منه. أنت تغض بصرك عن الحرام، يعوضك الله ماذا؟ بقوة البصيرة، بقوة البصيرة التي تكون بعين القلب، التي تكون بعين القلب. قال: «فإذا غض بصره الظاهر عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته الباطنة عوضًا عن حبسه بصره لله، ويفتح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة القلب». قال: «وضد هذا ما وصف الله به اللوطية». من هم اللوطية يا بل عباس؟ من هم اللوطية؟ نعم: قوم لوط، قوم لوط. قال: «فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة». قال: «قال: فالتعلق بالصور والمستحسنات من الدنيا يوجب فساد العقل وعمه البصيرة وسكر القلب وتشتت الذهن، كما قال القائل: سكرانان سكر هوا سكرانان سكر هوا وسكر مدامة يعني يعني نوعان، هما أنواع السكر. قال: سكرانان، أي نوعان من أنواع السكر: سكر هوا، وسكر مدامة. سكر هوا: العشق، وسكر مدامة: الخمر. ومتى إفاقة من به سكرانان؟ متى يصح من كان مبتلى بهذين السكرين؟». قال: «وقال الآخر: قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم: العشق أعظم مما بالمجانين، العشق لا يستفيق الدهر صاحبه، وإنما يصرع المجنون في الحين». وهذا نسب إلى قيس بن الملوح. قلنا: ما لقبه؟ ما لقبه يا أبا خالد؟ قيس بن الملوح، لقبه ماذا؟ شاعر من شعراء العرب المشهورين يا أبا زرعة، كان مشهورًا بماذا؟ مجنون ليلى، مجنون ليلى. من ليلى هذه؟ قلنا: ليلى بنت مهدي العامرية. فماذا؟ عشقها وجعل شعره غزلًا فيها، وجن بسبب ذلك. وآخر ما كان من أمره: انظر إلى مصارع العشاق، وجد مرميًا بين أحجار ميتًا، فأخذ وحمل إلى أهله، وحمل إلى أهله. فهذا، هذا هي نتيجة العشق، كما سبق معنا في قصة ابن كليب مع أسلم، وهكذا نظائر. وهكذا يأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل الكلام حول ما يتعلق به، تتمة هذه المنافع التي هي في غض البصر، مع الكلام حول النوع الثاني من أنواع هذه العلاجات التي يعالج بها مرض العشق قبل نزوله وقبل وقوعه. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يرزقنا صلاح الظاهر والباطن والفقه في الدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.