شرح الأصول الستة 4

الدرس في شرح الأصول الستة 4، الدرس الرابع ( الأصل الثالث ... لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به ). ألقاها

أهمية السمع والطاعة لولاة الأمور

يناقش الأصل الثالث الذي يشير إلى أهمية السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف، مستندًا إلى أدلة من القرآن والسنة. يُظهر ضرورة الصبر على ولاة الأمور حتى وإن ظلموا أو جاروا.

وجوب طاعة ولاة الأمور وتنصيبهم

يوجب الإسلام السمع والطاعة لولاة الأمور ولو جاروا وظلموا، وينقل الإجماع على ذلك. كما يبين أن تنصيب ولي الأمر واجب على المجتمع وأن طرق تنصيبه ثلاثة.

علاقة طاعة ولاة الأمور بصلاح المجتمع

يؤكد على أهمية وجود الإمام في صلاح الدين والدنيا، ويبين أن طاعة ولاة الأمور من أصول الشريعة. كما يذكر أن صلاح الرعية يؤدي إلى صلاح الرعاة والعكس بالعكس.

انعكاس سلوك الناس على حكامهم

يشرح كيف أن سلوك الناس وحالهم ينعكس على نوعية الحكام الذين يولون عليهم، مستشهدا بحكمة نسبت لبني إسرائيل. يشير إلى أن الله يولي على الناس من يكون على شاكلتهم.

التفريغ النصي الكامل

إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، طيب، قبل أن ندخل في الدرس، ننبه على لفظة في الأصل الأول، في آخر الأصل الأول، وهي قوله رحمه الله تعالى: «وأظهر لهم الشرك بالله وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم». ومعنى هذا: أظهر لهم الشرك في صورة محبة الصالحين ومحبة أتباعهم. طيب، أحد عنده في نصه غير هذا؟ «وأتباعهم» كيف عنده في نصه؟ النصفة طيب، هذه محتملة هنا أيضًا، لأن في بعض النسخ مهموزة، فيكون «وأتباعهم»، وفي بعض النسخ غير مهموزة، فيكون على المهموزة الذي فيه همزة «وأتباعهم» في صورة محبة الصالحين ومحبة أتباعهم، وعلى النسخة الأخرى على ما ذكرناه سابقًا في صورة محبة الصالحين واتباعهم، ومع اتباعهم، أي طاعتهم. طيب، وانت ايش عندك؟ «حمزة» بالهمزة؟ طيب، هذا الظاهر بالهمزة، الظاهر أكثر من نصفه. قال رحمه الله تعالى: «الأصل الثالث: إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدًا حبشيًا». قال رحمه الله تعالى: «إن من تمام الاجتماع» بعد أن ذكر في الأصل الثاني أن الله عز وجل أمر بالاجتماع في الدين، قال رحمه الله تعالى: «إن من تمام الاجتماع»، وهذا يدل على أن هذا الأصل، أي الأصل الثالث، هو مكمل ومتمم للأصل الثاني. فالاجتماع للناس على كلمة واحدة إلا بإمام، ولا يكون ولا يتأتى أبدًا اجتماع إلا بإمام، ولا بد. فقوله رحمه الله تعالى: «إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدًا حبشيًا»، لأنه كما سمعتم، لا حقيقة ولا وجود أصلا لاجتماع من غير إمام، بل لا بد من وجود الإمام الذي يقوم بحماية أو بأمور الدنيا والدين، الذي يقوم بأمور الدنيا والدين. وقد دل على هذا الأصل الأدلة الكثيرة المتكاثرة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ما هو السمع والطاعة لولاة الأمور والاجتماع عليهم. قال ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وأولي الأمر يدخل فيه صنفان من الناس: الأمراء والعلماء. الأمراء والعلماء، قال العلماء: هم الذين يبينون الشريعة، والأمراء هم الذين ينفذونها أو ينفذونها بين الناس. فطاعة ولاة الأمور من هذا الباب. والآية كما ذكر غير واحد من أهل العلم فيها إشعار بوجوب طاعة ولاة الأمر بطاعة الله عز وجل، أي إن كان في طاعة الله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، أي طاعة مطلقة، قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولما يقول «وأطيعوا ولاة الأمر منكم»، لأنه لا طاعة للإمام إلا بطاعة الله عز وجل. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه قال: «إنما الطاعة بالمعروف»، إنما الطاعة بالمعروف، فتكون طاعة الإمام بالمعروف، أي فيما كان معروفًا متعارفًا، ليس بمنكر. أما إذا دعا الإمام أو أمر الإمام بشيء منكر، فإنه في هذه الحالة لا يطاع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا في الحديث الآخر: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أي مخلوق لا طاعة له ولو كان إمامًا، أي أميرًا، ولو كان أحد الأبوين، ولو كان من كان، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة بالمعروف. وقوله رحمه الله تعالى: «إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدًا حبشيًا»، كما دل على ذلك أدلة كثيرة، منها ما جاء في الصحيح، ما جاء في الصحيح من حديث أنس صلى الله عليه وسلم وأرضاه، في الصحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة». كأن رأسه زبيبة، وهكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لولاة الأمور. فقال صلى الله عليه وسلم: «كيف حيث أصمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي»، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، كما في صحيح مسلم وغيره، من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أصابوا أو قال نعم قال ما أصابوا فلكم ولهم وما أخطأوا فلكم وعليهم». فأمر بالطاعة في هذا الباب. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين، عن ابن عباس رضي الله عنه، ما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسمعوا أو قال من نزع يدا من طاعة ثم مات على ذلك مات ميتة جاهلية». مات ميتة جاهلية، وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه في الصحيحين، قال النبي أو قال أن النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن لا ينزع يدا من طاعة»، وأمرهم كذلك النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على أولاة الأمور. فقال لهم: «أدوا الحق الذي لهم واسألوا الله الذي لكم». وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن هؤلاء أي أمراء جاروا وإن ظلموا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصبروا حتى تلقونا على الحوض أو كما قال صلى الله عليه وسلم». وكذلك قال في شأن الأئمة إذا ظلموا أو فجروا وأخذوا الأموال وضربوا الظهور، قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة: «اسمع وأطع اسمع وأطع ولو ضرب ظهرك أو قال ولو أكل مالك وضرب وضرب ظهرك». والمراد بالمال المال الخاف. فهذه الأدلة بمجموعها تدل على هذا المعنى، على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور، وأن لا تنزع اليد ولو جاروا ولو ظلموا. وقد نقل غير واحد الإجماع على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور وإن كانوا ظلمة فجارًا وإن كانوا ظلمة فجارًا. إن كان هؤلاء الأئمة على هذا الحال، ما داموا يأمرون بالمعروف، فطاعتهم واجبة، وظلمهم وفجورهم وبغيهم عليهم. وكما قيل: «يوم بأمير جائر خير من عشر سنين بغير إمام»، بغير إمام، خير من عشر سنين بغير إمام. وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «يوم بإيمان خير من أربعين يومًا تمطر فيه السماء»، أو قال: «خير من مطر أربعين يومًا». وهكذا جاءت الآثار والمعاني بهذا الأمر، أي تدل على السمع والطاعة وعلى مكانة ولاة الأمور. ومسألة تنصيب ولي الأمر، مسألة تنصيب ولي الأمر، ذكر غير واحد من أهل العلم أنها واجبة، أي واجب على المجتمع إن حصل في مجتمع إما أنهم لم يكن لهم ولي أمر، فواجب عليهم أن ينصبوا ولي الأمر. واجب عليهم أن ينصبوا ولي الأمر، مثلا مات إمامهم فجأة، فعليهم أن يبادروا إلى تنصيب ولي الأمر. واتفق العلماء رحمهم الله تعالى أنه لا يكتفى في ولي الأمر أن تتوفر فيه الشروط، بمعنى أن يكون مثلا مسلمًا عاقلًا بالغًا، وأن يكون مرشدًا، وأن يكون كذلك حكيمًا سياسيًا. قالوا: لا، بل لابد في تنصيب الإمام من أحد ثلاثة أمور، من أحد ثلاثة أمور. فتنصيب الإمام لابد أن يكون بأحد ثلاثة أمور. الأول: أن يكون بعهد الأمير الأول، كما حصل من أبي بكر لعمر، إذ أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه عهد بالخلافة إلى عمر، وأجمع العلماء وأجمع الصحابة رضي الله عنهم وعنهم أجمعين على ذلك. أو يكون بالشورى، وهي الطريقة الثانية من طرق الاستخلاف، وهذا كما حصل كذلك من عمر رضي الله عنه وأرضاه حينما جعل الشورى في ستة، حينما جعل الشورى في ستة، قفطار عثمان رضي الله عنهم ورضي الله عنهم أجمعين، وأجمعوا على ذلك. والطريق الثالث: أن يكون أخذ هذا الإمام الإمارة بالغلبة والقوة، ففي هذه الحال كذلك وجب إن استقر له الأمر، استتب له، توجب طاعته. ويدل على هذا ما حصل في الأزمان السابقة من هذا المعنى، من أن بعض الأمراء والخلفاء أخذوا هذا الأمر عنوة، فحصل لهم الطاعة والانقياد، وأجمع العلماء على هذا المعنى. ويدل عليه أحاديث الباب، منها ما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة». قال العلماء: وقول النبي صلى الله عليه وسلم «ولو تأمر عليكم عبد حبشي» يدل على أن الاستخلاف ربما أقدت بالغلبة والقوة، وإلا فإن العبد الحبشي لا يستخلف لأنه ليس بقرشي، لأنه ليس بقرشي، بل وليس بعربي، بل ليس بماذا؟ ليس بعربي. قالوا: فهذا في دلالة على أنه أخذها بالغلبة والقوة، ومع هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا»، فدل على أن هذا النوع الثالث من أنواع الاستخلاف، ومسألة الاستخلاف كثيرة، نكتفي بما ذكرنا، نكتفي بما ذكرنا. طيب، بقي أن ننبه هاهنا على أمر، وهو أنهم على ممر الزمن، كما قال ذلك الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وكذلك الذهبي، وابن حجر، وابن رجب، بل كثير من الأئمة رحمهم الله تعالى، يذكرون هذا، يقولون: على ممر العصور، على ممر العصور، لم يخرج نعم، لم تخرج طائفة على الإمام بسبب ظلم أو جور إلا وحصل من الفساد بخروج تلك الطائفة أعظم وأعظم مما كان من الفساد قبله. والتاريخ شاهد على هذا، ما هناك طائفة خرجت على الإمام ولو كان ظالمًا ولو كان جائرًا إلا وحصل من الفساد العريض ما لم يكن قبل في أيام أو في زمن ذلك الظالم. لذا النبي صلى الله عليه وسلم أعطى العلاج وأعطى الدواء الشافي للداء، فمن استخدم هذا الدواء النبوي نفعه الله عز وجل به في الدنيا، ونفعه به كذلك في الآخرة، إذ أنه لو مات على غير بيعة مات ميتة جاهلية، كما جاء في حديث معاوية المشار إليه: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». ونحوه في حديث ابن عمر عند الإمام مسلم، ونحوه من حديث ابن عمر عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى: «وفي أن من نزع يدا من طاعة فمات ميتة جاهلية». فمن عمل بما اقتضته هذه الأدلة كان سببًا لراحته في الدنيا واطمئنانه في الدنيا، وكذلك في الآخرة. ومن خالف الهدي كان سببًا لأن يكون عليه ما عليه في الدنيا، وكذا في الآخرة. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن مهمات الإمام وولي الأمر عظيمة جليلة، منها القيام بالشريعة، تطبيقًا، إذ أن العلماء كما سمعتم هم الذين يبينون الشريعة، وأما تنفيذ الشريعة وتطبيق الشريعة، فإنها ليست من مهام العلماء، مهام العلماء الدعوة إلى الله عز وجل وبيان الطريق للناس إلى الله عز وجل. وأما إلزام الناس بالشريعة وإقامة الحدود وإقامة دين الله عز وجل، فهو من شؤون ولاة الأمور، من شؤون ولاة الأمور. فمن شؤونهم هذا الشأن، وكذلك هذا باعتبار الدين، وباعتبار الدنيا، من شؤونهم ما يحصل من الأمن والأمان بوجود ولي الأمر، وما يحصل من الفوضى وما يحصل من الخوف وما يحصل من الذعر، وما يحصل كذلك من النهب والسرقات، إلى غير ذلك، انتهاك الأعراض، في حال عدم وجود ولي الأمر، أو قل حتى في وجوده، ولكن مع ضعفه، مع ضعفه، يحصل من الفساد العريض الذي يعلمه الكثير، والذي عاينه الكثير. فالحاصل: أن بوجود الإمام صلاح للدين والدنيا. وكما قال الإمام الماوردي رحمه الله تعالى: «قال الإمام هو الذي ذكر كلامًا معناه أن الإمام هو الخليفة، هو الذي يقوم أو قال الذي يتولى إقامة الدين والدنيا، الذي يتولى إقامة أمور الدين والدنيا»، أو كما قال رحمه الله تعالى. فالحاصل: أن وجود الإمام أصل أصيل، أصل أصيل من أصول هذه الشريعة، ولا قيام لدين ولا دنيا إلا بوجود ماذا؟ إلا بوجود الخليفة، لا سيما إذا كان مسلمًا عادلًا، فإنه يظهر الدين ويقوم الدين حقًا قيامًا. وإذا حصل منهم بعض الشيء، أو حصل منه الظلم والجور، فحينها كما سمعتم يكون الصبر والبقاء مع ذلك الخليفة، مع ما ظهر منه من الظلم والجور، خيرًا من الخروج عليه، وحصول فساد عريض، الذي لا يعلم أبعاده إلا رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: «فبين الله هذا بيانًا شافيًا كافيًا، بوجوه من أنواع البيان، شرعًا وقدرًا». شرعًا كما ذكرنا في الأدلة السابقة، وقدرًا كذلك، ما وجد وما حصل في الواقع يبين هذا المعنى، أنه في وجود الإمام يحصل ما يحصل من خير، وفي حال عدمه أو في حال عدم قيامه في تلك الحقوق، كذلك يحصل ما يحصل من الفساد الواضح الجلي. قال رحمه الله تعالى: «ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟» أي هذا الأصل العظيم الذي هو طاعة ولاة الأمور، لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، أي من ينتسب إلى العلم، وهو ليس من أهله، فكيف العمل به؟ فكيف يعمل به من كان هذا شأنه؟ وكيف يعمل به من كان دون هذا في العلم؟ فالشاهد من هذا: أن الشيخ رحمه الله تعالى يبين أن في زمن من الأزمان حصل هذا الأمر، أن كثيرًا من الناس صاروا لا يعرفون هذا الأصل، بل يحصل منهم ما يحصل من الكلام والتخليط. وهذا ملاحظ مشاهد في كل بلاد، أو في كثير من البلاد، فتجد بعض الدعاة الذين يتظاهرون بالعلم والإيمان، تجدهم لا يعطون هذا الحق حقه، ولا يرفعون بهذا الأصل رأسًا، بل تجدهم ليلًا ونهارًا يذمون في أولاة الأمور، ويتعنون فيهم، ويتكلمون، ويحذرون، حتى يثيرون صدور الناس، وحتى يبعدون الناس عن أولاة أمورهم، فيحصل ما يحصل من الشر والعياذ بالله. لذا كان الأئمة رحمهم الله تعالى من أحرص الناس على هذا، فقد ثبت عن الإمام الجليل الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، أنه قال: «لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان». قال: «فإن بصلاحه صلاح للبلاد والعباد». أو كما قال رحمه الله تعالى. وروي هذا المعنى كذلك عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أجمعين. فهذا يدل على ما كان عليه هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى من الفقه الدقيق، ومن عميق الفقه، كيف أن أحدهم يقول: لو أن لي دعوة وأعلم أن الله عز وجل يستجيب لها، لسخرتها ولجعلتها للإمام. لماذا؟ قال: «لأن بصلاحه صلاح للمجتمع، وبفساده فساد للمجتمع». وهذا يدل على ماذا؟ على شفقة أولئك العلماء على المجتمع، وأنهم يعلمون أنه إذا رزقهم الله عز وجل إمامًا صالحًا صلح به المجتمع، والعكس بالعكس. فهذا كذلك في إشارة إلى أنه ينبغي لأهل الصلاح ولأهل الخير ألا يقصروا في هذا المقام، ألا يقصروا في هذا المقام، بمعنى أنهم يدعون الله عز وجل لأولاة أمورهم بالصلاح، لأن بصلاحهم صلاح للمجتمع، وبفسادهم فساد للمجتمع. هذا أمر. وأمر آخر: الذي عليه كذلك أهل السنة والجماعة في هذا الباب، في هذا المقام، أنهم يسعون إلى إصلاح الرعية، إلى إصلاح الرعية، وذلك بإرجاعهم إلى دين الله عز وجل، وتبيينهم لدين الله عز وجل، وربطهم بدينه سبحانه وتعالى. فإنهم بصلاح الرعية تصلح الرعاة، وبفسادهم تفسد. وكما قال ربنا عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. الله عز وجل ما يولي ظالم على عدل، كما ذكر بعض أهل العلم، قالوا: هذا لا يكون، بل لا يولي الظالمين إلا على ماذا؟ إلا على ظالمين. كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فإن صلحوا، فإن صلح الناس واستقاموا على دين الله عز وجل، يسر لهم ربنا عز وجل من يقوم بهم من أهل الصلاح. فإذا كما سمعتم: إن من مذهب ومن طريقة أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم وغفر الله لهم، أنهم يسعون إلى تصحيح ما عليه الرعية، وإلى إصلاح الرعية، إلى إصلاحهم بالعلم، وإلى إصلاحهم كذلك بالعمل. فيسعون في كل زمان إلى أولًا إلى التصفية، ومعنى التصفية: تصفية المجتمع من آثار الشرك والمعاصي، وكذلك إلى التربية، ومعنى التربية: تربية المجتمع على دين الله عز وجل، وعلى شرع الله عز وجل. فإن حصل وصار المجتمع كذلك، أي قائمًا على دين الله عز وجل، سخر الله عز وجل لهم من أهل الصلاح من يقوم عليهم. وما كانوا كذلك، أي كانوا على الظلم، سخر لهم من أنفسهم من يكون كذلك. وكيف ما تكونوا يولى عليكم، كما قيل في الحكمة التي هي عن بني إسرائيل، كما ذكر عن بعضهم أنهم قالوا: «كيف ما تكون يولى عليكم». هذا ما يقال في هذا المقام. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على