شرح الأصول الستة 2

الدرس في شرح الأصول الستة 2، الدرس الثاني ( الأصل الأول ... وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم ). ألقاها

مفهوم إخلاص الدين لله تعالى

يشرح معنى إخلاص الدين لله وحده وأهمية ذلك في العبادة، ويبين أركان الدين الثلاثة. يجب إفراد الله بالعبادة في جميع الأقوال والأفعال.

توضيح معنى التوحيد وأقسامه

يعرف التوحيد بإفراد الله بالعبادة والربوبية والأسماء والصفات، وينقسم إلى ثلاثة أقسام. معرفة الشرك تعظم في القلب معنى التوحيد.

كيف يزين الشيطان الشرك عبر محبة الصالحين

يشرح كيف يبدأ الشيطان بإغواء الناس عبر محبة الصالحين ويتدرج بهم إلى الشرك، مستشهدًا بقصة أصنام قوم نوح. يبدأ بخطوات صغيرة مثل عمل تصاوير للصالحين.

تحذير من تزيين الشيطان لأعمال السوء والدعاء

يُحذر من تزيين الشيطان لأعمال الناس ويشير إلى أن الله قمع شوكة بعضهم. يُنهي كلامه بالدعاء والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق أن أشرنا إلى بعض الأمور والمهمات والقضايا في هذا الأصل الذي هو الأصل الأول، وهو إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو شركه بالله. فمواصلة لما تقدم، قال رحمه الله تعالى: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له. وتقدم معنا أن الدين هو الطاعة والعبادة والإنقياد والذل لله رب العالمين. فمعنى قوله رحمه الله تعالى: إخلاص الدين لله، أي إخلاص جميع الدين لله عز وجل وحده لا شريك له. والدين كما هو معلوم له أركان ثلاثة، جاء نصها وبيانها وتوضيحها في السنة المطهرة في الحديث المشهور الملقب بحديث جبريل، حينما جاء جبريل عليه السلام فجلس إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. فقال له جبريل عليه السلام: صدقت. ثم سأله عن الإيمان، فقال: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. فقال له: صدقت. ثم سأله عن الإحسان، فقال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. هذه الثلاثة هي أركان الدين: الإسلام والإيمان والإحسان. وهذه الأمور كلها يجب إخلاص العبادة فيها لله رب العالمين. فيجب أن يؤمن ويخلص العبد في كل ما يصدر منه من أقوال أو أفعال أو أحوال لله رب العالمين، سواء كانت هذه الأقوال أو الأفعال من أقوال الجوارح أو من أقوال وأفعال القلوب. فيجب إخلاصها جميعًا لله عز وجل، وتنقيتها من كل الشوائب ومن كل دخيل عليها، لا يجعلها خالصة لله رب العالمين. وقد دل على هذا المعنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. فكلام الشيخ رحمه الله تعالى منطبق تمامًا على هذه الآية. قال الله عز وجل: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وذلك هو الدين القيم، وذلك هو الدين المعتبر، وذلك هو الدين المنجي من سخط الله عز وجل وعذابه، وذلك هو الدين المرضي لله رب العالمين. فهذا هو الدين الذي رضيه الله عز وجل لعباده وأمرهم بأن يتعبدوه به، فوجب إخلاص الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة لله رب العالمين. وهذا هو معنى التوحيد، إفراد الله عز وجل بالعبادة، وكذلك إفراد الله عز وجل بالربوبية، وكذلك إفراد الله عز وجل بالأسماء والصفات. فالتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. قوله رحمه الله تعالى: إخلاص الدين لله تعالى وحده، تقدم معنى في الدرس الماضي أن قوله "وحده" توكيد للاثبات، أي اثبات هذا المعنى أن الدين يجب أن يكون خالصًا لله عز وجل، فلا يشرك مع الله عز وجل به غيره. وقوله "لا شريك له" توكيد للنفي الذي تضمنه أو يلزم من إفراد الله عز وجل بالعبادة. قوله رحمه الله تعالى: وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، التوحيد ضده الشرك. كما قيل: "وبضدها تتبين الأشياء". بمعنى أن الشيء لا يعلم معناه ولا تعرف مكانته إلا إذا علم الإنسان ضد ذلك الشيء ما هو. فإذا علم الضد وشره، علم مكانت الضد الآخر. فإذا علم الإنسان الشرك ومعنى الشرك وحقيقة الشرك، عظم في قلبه جدًا معنى التوحيد. لأن الشرك هو إشراك غير الله عز وجل أو تسوية غير الله عز وجل بشيء مما يستحقه الله تعالى. يدل على هذا المعنى قول الله عز وجل: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فلما سوى أولئك القوم آلهتهم ومعبوداتهم بالله عز وجل، كانوا بذلك الفعل مشركين. قال رحمه الله تعالى: "وَكَوْنُ أَكْثَرِ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ هَذَا الْأَصْلِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى بِكَلَامٍ يَفْهَمُهُ أَبْلَدُ الْعَامَّةِ". قوله: "وَكَوْنُ أَكْثَرِ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ هَذَا الْأَصْلِ"، أي أن القرآن الذي أنزله الله عز وجل على نبيه أكثره يدل على هذا المعنى، على توحيد الله عز وجل، وعلى إفراد العبادة لله عز وجل، وعلى التحذير من الشرك. ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار من اندراس العلم وفشو الجهل وبعد الناس عن دينهم وعن علمائهم، قال: أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتفصيل في حقوقهم. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: لما اندرس العلم وكذا الدين في أماكن شتى من بلاد المسلمين، أظهر لهم الشيطان الإخلاص، أي التوحيد، في صورة تنقص الصالحين. بمعنى أن من كان موحدًا لله عز وجل لا يشرك بعبادته أحدًا، ولو كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا، فضلًا عن أن يكون رجلًا من الصالحين، هذا الذي يقوي هذا الأمر في نظر هؤلاء أنه متنقص للصالحين ومقصر في حقهم. وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم. بمعنى أنه فتح عليهم بابًا واسعًا من الشرك بهذه الحجة، بأن للصالحين عليهم حقًا وهو محبتهم وإجلالهم وتعظيمهم تعظيمًا مساويًا لتعظيم الله عز وجل، وكذلك اتباعهم اتباعًا أعمى وطاعتهم طاعة عمياء. فزيّن لهم الشرك وحسنه لهم، فجعلهم يعملون الأشياء القبيحة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. فكان حال أولئك كما في هذه الآية تمامًا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. انظروا كيف فعل الشيطان في أول الأمر في زمن نوح عليه السلام، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في صحيح البخاري. جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا عبادًا صالحين في زمن نوح". هؤلاء الخمسة كانوا رجالًا وكانوا معروفين بالصلاح. فلما ماتوا، جاء في بعض الروايات خارج صحيح أن الشيطان زين لبعضهم فقال لهم: لو أنكم اتخذتم لهؤلاء الصالحين تصاوير، اعملوا لهم تصاوير. لماذا؟ لأجل إذا نسيتم فرأيتموهم تذكرتم أحوالهم فاستمريتم على العبادة والطاعة. انظروا كيف الشيطان يأتي الإنسان خطوة ثم خطوة ثم خطوة. فعمل هؤلاء الصور، ثم مرت الأزمان، فقال لمن بعدهم: لو أنكم اتخذتم بدلا من هذه الصور أصنامًا، إذا رأيتم أولئك الصالحين ذكرتم العبادة فنشطتم لعبادة الله عز وجل. فعمل أولئك ما أراد الشيطان، فكان الرجل من أولئك إذا رأى تلك التصاوير نشط في العبادة. ولكن التعظيم لهؤلاء الصالحين يرتقي ويتفاقم يومًا بعد يوم. فلما مات أولئك الآباء وجاء جيل آخر، أوحى لهم الشيطان أن هؤلاء كانوا معبودات لآبائكم، وأنهم إذا دعوهم أجابوهم، وإذا استغاثوا بهم أغاثوهم. فقام أولئك بعبادة أولئك الصالحين، أو قل بصور تلك الصالحين. ثم بعث الله عز وجل رسوله نوحًا، وهو أول رسول إلى أهل الأرض. انظروا كيف الشيطان يصنع، بدأ بهم بماذا؟ تعظيم الصالحين ومحبة الصالحين، ثم الخطوة الثانية: نعم، تصاوير. قال: اعملوا تصاوير حتى تنشطوا للعبادة. ثم عملوها بصورة مقسمة، ثم حصل ما حصل من الشرك ومظاهره. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: وأحسن لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم. انظروا في بلادنا هذه كيف نجد هؤلاء القبورية يعظمون ويحبون الأوثان، كيف يعظمون، يدعون ويستغيثون له، ويذبحون له وينذرون له، ويذهبون إليه في كل يوم من السنة زيارة، يعملون فيها ما يعملون من مظاهر الشرك. ولكن بحمد الله عز وجل قد قمع الله عز وجل شوكتهم في كثير من البلاد. فالحاصل أن الشيطان يزين لهؤلاء أعمالهم من هذا الباب. والله أعلم. وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على